mercredi 30 août 2017

الحبّ في زمن الواي فاي يا غابرييل

بقلم: حياة بن بادة



ليت شعري ماذا لو رضيت يا قلب بحبّ قروي أو بحبّ محليّ لا يتعدّى حدود حيّ شعبي ضيّق الأزقة وتقليديّ الحارات؟ ماذا لو فتحت عينيك على شرفة تجاور بيتهم أو شبّاك يقابل بابهم؟ ماذا لو تجسّست على أقدام عابرة تفتح باب بيتها وتحمل قفّة قادمة من السوق ضحى أو محفظة راجعة من المدرسة مساء أو حقيبة عائدة ليلا من سفر أحدثته الجامعة، ماذا لو فتحت الباب لتلقي تحيّة العيون على أبناء الجيران؟ ماذا لو بقيت في مكانك وماذا خسرت لو عشت حبّا تقليديا يقطع تذكرته بين الأهل والجيران؟ ماذا لو مكثتّ في شارع وحيّ وزقاق ومدينة؟ هل كنت لتشقى أيّها القلب؟ هل كنت لترتدي لباسا عصريا؟ 
هذا ما تُتمتم به فتاة أضاع الواي فاي قلبها وتلاشت شرايين الحبّ اللاسلكية لديها بين الواقع والخيال، وبين نقاط الخذلان الساخنة وعطش الحبّ اليتيم. هذا ما تتمتم به فتاة تشبه الواي فاي، فتاة لا تخترق جدران الجيران بالثقب وتكتفي بالغوص لاسلكيا في عالم يهوى التجوال على متن أمواج راديوية لتعدّ لفؤادها شبكة للحبّ. فتاة أتعبتها دقّات قلب "بيغ بن" وطال انتظارها لجاك فالانتاين الذي لم يقطع تذكرة للقدوم إليها ليلا من "نورفك"، هو انتظار بنكهة الانتحار وانتحار كذاك الذي جَنَته ذكرى حبّ "أغنيس" على "همينغواي"، فتاة حظّها من زمرة "سنتياغو" في رواية العجوز والبحر ولا زالت تعيش عصر "عبد الحليم" في عصر الواي فاي، فتاة تجلس غير بعيد عن تلك الساعة ولا تختلف عن قصر "وستمنستر" بالجوار، معقّدة لحدّ الدمّار، مِحنها كجارها كثيرة الغرف والشراشف والأسرار، فتاة تعود إلى القرن التاسع عشر وتتصدّق بقلبها ليغدو كمليون قلب قبله قاعة للاحتفالات العامة وأرضا للذكريات الخاصة. فتاة على عكس نساء فرنسيات عشية عيد الحبّ تتصفّح صورا الكترونية وقد كان عليها أن تقتدي بهنّ وتجعل عود الكبريت يتصفح ملامح صور رجال كسروا قلوبهنّ ذات شبه حبّ، فتاة كهذه ستكون يوما ما مزارا للتاريخ ككاتدرائية "كانتربري" سوى أنه تاريخ قصصي لا أكثر.
وراء كلّ حبّ قصّة وخلف الحبّ مفهوم واحد واضح صاف قلّما يصل إليه الناس لهذا تشوبه المجازر وتعلق عند عتبته المشاكل وتتعفنّ من حوله الألسن، ولا يسمّى الحبّ حبّا ما لم يبلغ القائمون عليه نضجا انفعاليا، فالحبّ ليس مجرّد مشاعر وأحاسيس وليس مجرد انجذاب سطحي، الحبّ جبل طبيعيّ التكوّن فإن هو تكوّن صعب على عوامل الطبيعة القاسية أن تؤذيه. والحبّ في نظري مادة عقلية يفرزها القلب فتسود روحه، كوني ممّن يناصرون حقيقة أن القلب هو مركز العقل وعلينا أن ننضج لنحبّ علّنا ننضج في الحبّ وينضج فينا، فهل حقّا استطاع الحب اللاسلكي أن يفرض نفسه في عالم البقاء؟ وما لي أرى كلّ ذلك العدد من الضحايا في العيادات النفسية يلتمسون منّا الدواء؟ ما لي أرى الناس من حولي مقطوعين من وطن مشيّد تارة بالحجارة وتارة بالذكريات وتارة بالمعالم وأخرى بالبشر؟ لم أكن يوما أحسب أنّي سأكون يوما في مقام يجعلني أرتدي مئزرا أبيضا وأستقبل لاجئ حبّ لاسلكي لم أطالع أعراضه في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية وأبذل جهدا عقليا حصريّا وذكاء إضافيا لأخرجه من جرح اللاسلكي إلى واقع السلام النفسي. خطير هو حبّ الفاتورة والأرصدة والبطارية والشاحن هذا، فما أكثر مرضى العاطفة من حولنا يا مئزري وما أقصر خيط علاجاتي الذي لا يمتدّ إلى جرح لاجئ آثر الخيال على الواقع فسقط الزمن في نفسه إلّا بمجهود شخصيّ يكاد يكون خارقا.
ما كان سيفعل الواي فاي بنهر "مجدولينا" يا "غابريييل"؟ لو أنّ "فلورينتينو" و"فيرمينا دازا" عايشا عصر الواي فاي لما ادّعى ذلك الحبّ السبعيني على الكوليرا ولما اضطّر لاستكمال ما تبقّى من شيخوخته في سفينة، لكان له من الحبّ ما لعشاق القرن الواحد والعشرين: ماسنجر بمثابة المنطقة الجوفية السقيفية التي ينشّطها الحب فتوفّر اللذّة، وتلك النقاط الشرسة في شريط الكتابة بمثابة العصبونات، تتولّى الربط بين ضفتي قلبيهما وتطمئن أحدهما أنّ الآخر متصّل، ولوحة مفاتيح بمثابة مادة الدوبامين تنشر السلام فيهما، ولزاد الفيسبوك -صانع العطور الشهير- تطبيقاته بما يحفّز الانجذاب، لتتحوّل الجرعات شيئا فشيئا إلى إدمان لاسلكي، فما أخطره من حبّ ذكيّ اصطناعيا يا "غابرييل" لا ينصاع لسياسة ملء الفراغ ويسدّ على الآخرين الفرص، فيلجأ إلى مختص في الأمراض النفسية بمجرّد الفشل الخلوي.
ما من شيء أصعب من الندم وما أقساه من ندم ذاك الذي تعدّه الذاكرة، فالوظيفة الوحيدة للذاكرة تكمن في مساعدتنا على الندم، هكذا قال "سيوران" ذات يوم وإن كنت أختلف معه في كلمة الوحيدة لأنها مجرّد وظيفة من بين عدّة وظائف، وما أقساه من ندم ذاك الناتج عن حبّ لاسلكي يصعب الإقلاع عنه، إذ لا فرار من متلازمة الانسحاب العشقي.
كم صورة حملها على متنه الواي فاي وكم من صورة أحرقها الفالنتاين، كم قصّة اخترعها الواي فاي واحتار في حلّ شفرتها الأخصائيون النفسانيون، كم فرحة أشعلها الواي فاي وكم حزن، كم أمل وكم وعد وكم ألم وكم سرّ لاسلكي تحرّش بالقلوب الإنسانية، كم طقوس أنشأها الواي فاي واحتار في أمرها الحبّ، وكم ظُلم الحبّ وكم قُتل.
ستستقلّ جميع البلدان المحتلّة ويعود جميع اللاجئين إلى ديارهم وتعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها الأولى ويعود عصر الخيل، ويبقى ذلك القلب كالطحلب عالقا في قاع تاريخ لاسلكي تمارس عليه هواية الدهس التي انتشرت، يعاني جرّاء كسوف الهمس وخسوف البصر.
لكلّ حبّ لاسلكي نسيان لاسلكي صعب أن يكون، ولكل كبسة عشق كبسة ألم صعب أن تزول، ولكل انتظار الكتروني صعقة اكتئابية لا تكاد تترك لصاحبها نفَسا صالحا للاستعمال القادم دون الخوف من النكوص للذكرى، بعض النسيان مضرّ بالصحة وبعض الندم مفيد، ففنجان الاستمرار بحاجة إلى أن تذوب فيه أحيانا مكعّبات التذكّر وأكياس الندم. ليته العلم اخترع حقّا كبسولة الزمن تلك التي أقلّت "سيلفر" و"نادين" وحلمنا بها عندما كنّا أطفالا، لكنت وصفت في كل مرّة يطرق فيها بابي مريض عاطفة حماما زاجلا وقارورة زجاجية وورقة جلدية وريشة، وقنّينة حبر وصبرا قديما وأمرته أن يعود إلى الماضي ويمارس الحبّ بعيدا عن الشاشات والأزرار واللمسات الافتراضية ربّما أعفوني من وصفة النسيان اللاسلكي المطلوبة منّي.

mardi 29 août 2017

بين الرصد و الروك يضيع أمل

بقلم : حياة بن بادة




في الشرق تتوزع أشلاء البشر وطموحهم وأحلامهم، في الشرق يؤدي العالم ما لذ له وطاب من أدوار, الشرق مسرح واسع لأطماعهم وأحزاننا. الشرق مثل القطط، تارة يفترسها الكلاب وتارة تأكل بعضها البعض وتارة تتغذى على أبنائها. أيعقل أن يُعشق الشرق لهذا الحدّ؟ ويجوع الشرق لهذا الحد؟ ويجنّ الشرق إلى هذا الحدّ؟ أيعقل أن نموت نحن؟ لأجل أن يعيش في مسمعهم ذاك اللحن! لحن الموت حين يراقص أشلاء السكان وفساتين المدن.
في الشرق كنت أنا وكنت أنت، كلانا لم نكن نعلم أنّنا سننحرف عن المسار الذي تشرق منه الشمس، أجل، لقد كانت الشمس دوما تشرق من الشرق، هذا ما آمنّا به منذ الطفولة وتغنّينا به منذ الأزل وغرّدنا له دونما ملل أو كلل، كنا يومها لا نفقه من الحياة شيئا سوى اللعب هناك في الشوارع حيث المطر يعلّق ثغورنا في الفضاء، هنالك حيث كنّا نسرق الماء من ثغر السحب، هناك بين الشجر حيث عقدنا القران بين شجرتين لتصنعا لنا أرجوحة تتدلّى فيها أرواحنا، لم نكن نتأرجح إلّا لأجل أرواحنا المسافرة في قوس قزح، يوم كنّا نتساءل عن هويّة قزح ونشرح ماهية القوس في مادة دراسة الوسط. ها نحن اليوم ذا قد كبرنا ولا زال العطش للأرجوحة يتملّكنا. لم أكن يوما أتصوّر أنّنا سنغادر حياتنا البسيطة إلى قصر مشيّد بالحزن يدعى الشباب ولم أكن يوما أدري أو أتصور أنّني في يوم ما سأطارد ظلّ الشرق لأطرد منه شبح العادات البالية والموت البارد. لم أكن يوما أتصوّر أن يصنع الشرق في روحي تاريخا لا يتطوّر، تاريخا لا يتقدم إلى الحياة و لا هو إلى الماضي الجميل يتأخّر.
كم مرّة قلت لك أنّني رغم قوّتي أخاف وأنّني رغم خوفي أقوم كالساعة ولا أتراجع أبدا ولا أخلف وعدا قطعته نفسي على نفسي. كم مرّة قلت لك أنّني كثورة أوّل نوفمبر لا أنتظر من "مصالي الحاج" أن يصادق على اندلاعي، ثورة أنا كالشباب لا أخسر إن أنا واجهت ولا أتراجع إن أنا اندفعت وسأفوز كما فاز شباب الفاتح من نوفمبر.
كم مرة أخبرتك أنّنا في الشرق متمردون وأنّنا سنقضي ما تبقى من أعمارنا غجرا وأنّ الحياة ستهدينا بدل الشجرتين أربعة فصول والآلاف من المواسم نتأرجح فيها حسب الرفض والجلد والنفي والحزن، واخترنا الغربة والحزن، فقد علمني علماء الغرب أنّ الحزن يحقق الاتّزان الانفعالي وما كنت أتخيل أن في الشرق لن يحقق الحزن إلّا الأمراض العضوية والألم.
كم مرّة أعلمتك أنّني امرأة تشدّ يد الوهم لتقوى وكم مرّة نهيتك أن تشدّ يد الوهم فتنكسر وحدك، كم مرّة نبّأتك أنني كالطفل المتوحّد إذا ملّكتني شيئا تعلقتّ به ورفضت عنه بديلا واختل تفاعلي الاجتماعي وتواصلي اللفظي، وكرّرت حبّ الشرق في روحي وإذا لزمت مكانا صعب عليّ مفارقته وكم يصعب عليّ الآن أن أرى الشرق في داخلي يشرق من الغرب، كم مرة أخبرتك أنّه سيأتي يوم عصيب على الفلاح ويوم كئيب على الزرع في شرقنا الجميل حيث لا تشرق الشمس بفرح ولا ينير القمر بسرور، حيث لا يطلع كل واحد منهما إلّا وعلامة الحزن مرسومة في وجهه كوجهينا نحن وكقلبينا نحن.
 في الشرق حيث نحن، توجد الكثير من النسخ التي لا تشبه بعضها ويوجد الكثير منها تشبه بعضها البعض، البعض يتشاجر والبعض يتآخى والبعض الآخر يُنفى.
و لأنّ هذا القلب يعزف موسيقى الأحزان التي تعصرها العقلية الشرقية يعتقدون أنّه مصنوع من الخيزران، وتتخلله تسعة ثقوب يبني بها كل واحد للجرح هوية لا هي إلى بابل انتسبت ولا إلى مصر ولا حتى أصفهان، لأنّ هذا القلب استقرّ على مقام البيات و رسا إيقاع نبضه الهادئ لدى الشجن يجمعون له ما لم يتّعظوا به من الأحاديث والآيات ليبعدوه عمّا خلق له. ناي من لحم ودم تماما مثل البشر يجوع ويتألّم. الناي لي والنغم لمسمعي وبقايا الشجن يوزعها كالسعادة الوهمية في أوراق الحلفاء عليهم هذا الزمن. الناي منّي والألحان منّي والقصيدة هم يتوزعون كالعادات والتقاليد على الغجر وعلى الحضر وعلى الشجر وينشرون الأحاديث وينشرون الآيات على الرفوف ثمّ يغادروها. اليوم ينطق آباؤهم الأولون، اليوم يتربع على عرشه القانون ليأمرنا بهذه المادة وذلك البند. بالله عليك أعطني الناي واتركني مع فيروز نرتشف النهاوند. الناي منّي وشجني من الناي يغنّي، أعطني الناي ودعني مع زرياب في غرناطة وقرطبة أدندن موشحات الأندلس وأصعد سلم الموسيقى الصغير الذي يفصلني عن الشجن، هناك حيث أنا وهم نناقش تمردّي في صحن دار فؤادي. لا المقام عندهم مقام رصد ولا هو نهاوند، ليس لديهم غير صخب الروك  يرفع ضغط ووجع الحجاز على سلّم الشرق الموسيقي، شرقيون لم يرثوا عن البيات والنهاوند والرصد والحجاز أنغام قلبها ورزانة عقلها وهدوء طبعها، شرقيون هم لم يورّثوا عدا موسيقى الروك الصاخبة التي أبحرت إليهم على متن سفن العم سام والعم جون، شرقيون هم كالطبل والدف وكالجرس والبوق ، كلّ منهم طبل يدّعي أنهّ بطل، نعم أبطال هم في حفلات الجهل التي يحييها أهالي القرية عند عتبة زاوية رجل صالح وضريح شيخ راشد، صاخبون هم كأنغام متصاعدة هناك في ليالي مدينة "ميلانو" وكليالي "براديزو" الهاربة إلى شوارع أمستردام. مخيفون هم كأفلام توب موفيز وكمغارات إدنبرة وكليلة هالووين. مزعجون هم كالساكسافون يمارسون هواية النفخ على قلوبنا بعشرين مصيبة يحكمها مفتاح العادة الشرقية الخاطئة وغاضبون هم كالدرامز يمارسون الصراخ دونما كلل أو ملل ويكسرون بعصيّهم أبواب الأمل.
والآن يا أبناء العادات البالية، يا من تلوثون بحضوركم روح الشرق، الناي منّي وشجني من الناي يغني فدعوني مع فيروز أرتشف النهاوند بعيدا عن صخبكم، الكمان مني وشجني من الكمان يغني فدعوني ووتري على سلّم قلبي أرصف أصابع همّي وأصعد وأهبط كما الدرجات النغمية، كما نوتات لحني وكما أوكتاف قلبي أعود لأغني مع فيروز قصائد شجني. الناي مني والكمان مني والربابة مني والكلمات منكم والعَروض أنتم، فابتعدوا عنّي ودعوني وحدي مع الأنغام أعزف شيئا من الرصد لأملي الذي هدهدتم مهده بكفوف العادة وراحتي التقليد فنام دونما إرادة.

vendredi 18 août 2017

أكتب إليك من وجع نشرة الأخبار

 بقلم: حياة بن بادة



في البرازيل قد تمنعني الأسطورة عن النظر إلى النجوم في السماء خوفا من البثور التي قد تظهر على أصابعي، فتحول بيني وبين الكتابة إليك ومراسلتك. وتعلم أنت أنّني لطالما فتّشت عن تقاسيم وجهك في السماء، وكم أخاف أنا أن يحرموني وصالك ولا تزال حروفي تفطر على الأمل الملفوف في عينيك، فلا حبذا بلاد تحظر على عيوني الغذاء.
وفي اليابان قد يحرمون ثغري من التقاط حبّات المطر التي يلفظها قلب السحاب عندما يقرّر الغيم الولادة داخل بقاع الشمس المشرقة، سيقولون لي إنّها "الكيتسونا"، سيخبرونني أنّ الثعالب السحرية ستقيم أعراسها وسيمنعونني أن أزفّ إليك أخباري عبر نسيم المطر المتهاطل والتراب الفوّاح، ويحبسونني وراء قضبان هياكلهم الخشبية التي تسمح لخيط الشمس بزيارتي وتمنع عني قبلة المطر، أو ربما عبر أبواب "شوجي" التي تفعل الشيء نفسه بي. وتعلم جيّدا أنت كم أعشق أنا التجوال تحت المطر، وتعلم جيّدا أنت كم أعشق مشهد المطر في حضن الشمس الساطعة، إنّهما معا يشعرانني بالأمان والتوزان والاحتواء ويوقظان في داخلي حبّك الذي لم يزل كالطفل يذرف الدمع. إنّهم لا يعلمون أنّنا معا نشكلّ ذرّات الماء تلك وبخاره المتهافت على فؤاد السحاب الثقال الذي يشنّ الهجوم على الهواء بالطريقة نفسها التي يشنها الجنون الذي يعترينا على الهوى فنسقط على الأرض مطرا تضاريسيا، تصاعديا وإعصاريا متفرقا هنا وهناك، أحدنا هنا والآخر هناك حيث لا أرصاد جويّة ترصدنا ولا رادار يقيس حمولة الثورة فينا والحنين لبعضنا والغضب على بعضنا البعض، كأنّنا نقلّ في عروقنا دماء البدو الرحّل، نمتنع عن اللقاء مجدّدا بفعل فاعل كأولئك اللاجئين الذين شتّتهم البحر في شواطئ متفرقة من هذا العالم الكبير.
ولعلّ في أرضنا العربية قد يحرمونني من الحياة صباحا فلا أستطيع الكتابة في الضوء، في الصباح تطلع نشرة الأخبار مع الشمس من الشرق، تأتينا بأخبار الموت والقتلى تلك التي أشكوها إليك، والمضحك أنّني أصبحت أبكي مع الأخبار كما أبكي مع المسلسلات والأفلام، مؤخرا بكيت لأجل الأقصى وبكيت مع فيلم هندي آخر، وفي الحقيقة لم أكن أبكي إلّا على عجزي، والآن، صرت أخاف أنا على عكس فيروز من وميض الصباح وشروق الشمس وكم أخاف أنا من شروق الأخبار وشاشة التلفاز.
مذ غادرتك أصبحت صديقة الليل وتهجّم عليّ النيكتوفيليا، هو في واقعنا النفسي مرض وفي واقعي الشخصي حالة تنتابني كلما تعرّضت للفقد، وكلما فقدت أنا عشقت العيش في الليل وفتحت أبواب مصانع القلم وكتبت إليك أسألك روحك التي لطالما كنت بها أتقوّى على نشرات الأخبار، وكتبت إليك أسألك ألّا تتركني كواو العطف وحيدة عند المنحدر، تارة يتّهمونها بالخوف وتارة بمحاولة الانتحار، ألا فلتأخذ بيدي ولتعوضني عن الحرمان.
أكتب إليك من وجع نشرة الأخبار،
هنا حيث اخترت البقاء، يزداد الطلب على الدماء، سوى أنها ليست لتعيد الحياة لإنسان بين الدارين في مشفى، ولقد قلت لك يوما إنّ الدماء لن تحقن والجرح الآن لن يشفى، أكتب إليك اليوم لنقرأ التاريخ معا، وحده التاريخ بعد الله استعنت به على ويلات الحاضر وبعد التاريخ خيّرتك أنت أنيسا. هنا في كل زاوية يظهر مع الصباح أشخاص مخيفون يدّعون الحكمة، عيونهم كعيون "أوشو" لا أرتاح لها.
هنا حيث أكتب إليك لا أواعد  صوت فيروز على غير العادة ولا زال يمتطي ظهر كتاباتي الحزن كالعادة، نسيتَ أن تغمس قلب قلمي في نهر "ستيكس" كي لا يقربه الحزن بدل الموت، وها هي حرب العادة لا طروادة قد ألقته في الهاوية، لقد كان قلمي على مدى الجراح في حضورك آخيلا إلى أن كسرت قلبه لا عقبه وتركته، فالأقلام كالنساء تتألم من قلبها. هنا حيث أكتب إليك حرموني من قلم جديد لهذا لا زلت أكتب إليك بالألم نفسه والوجع نفسه، هنا حيث أكتب إليك أسافر على متن النثر، كالحبّ أعقد القران بين قلم زنجي القبلات وورقة قوقازية الخدّ تحت مباركة يدي لا لشيء إلّا لأقول لك إنّهم حرموني الخروج لألقى ذكراك بين شوارع المدينة، وفي الأزقّة والحارات، وهناك حيث أسمع صوت فيروز قادما من بعيد لا يكاد يدخل بيتا إلّا وأحال ضجيجه على الصمت وقلبه على الحبّ وأنا على الحرمان منك. في كل موطن يحرمونني منك وفي كل مكان يجعلونني أحبك بألم وأمل وحزن وخوف لكنهم حرموني مرارا وتكرار أن أحبّك بحريّة وأن أكتب إليك بأدب دون أن أعنّف أوراقي البيضاء.
أكتب إليك من وجع نشرة الأخبار،
أكتب إليك من الشهباء مع صوت فيروز القادم من بعيد يغني "يا قلبي لا تتعب قلبك" لكنني سأتعب قلبي ولن أعود إلى بعلبك، أخبرتك أنّني أعاني من النيكتوفيليا لهذا لا يمكنني الرجوع إلى مدينة الشمس بعلبك، سأبقى أصنع من الرماد مخدّر الأمل وأنتظر قدومك مع الليل من جديد، لتعيد ضحكتي من حمص وصمودي من حلب وتسقي عطش روحي من حماه هناك حيث النواعير تدور بأحلامنا الميتة.
أكتب إليك من عكّا ولن أدعوك لرقصة على الرمل الحار، فنحن لا نتقن الرقص خارج الحروف ولا نتقن الرقص بالجروح، ورمل عكّا يحتاج لأن تكون ضربات أرجلنا أقوى من الدبّيكة وأكثر خفة من الرشاش، لكنني أدعوك لتكون معي في رحلة استرجاع حريتنا.
كنت سأكتب إليك من ممرّ وجبل الأسكرام حيث أجمل شروق وغروب للشمس في العالم لكنني خشيت أن أتوه في الغروب وأكون قد فرغت من رسائلي دون أن أزفّ إليك أخباري فتغيب كقلبي مع المغيب. كنت سأكتب إليك من كل أرض توجعني ومن كل شبر في قلبي لا زال يبكي، وعند نهاية كل نشرة أخبار، وعندما أسدل على كل فيلم واقعي الستار، ومن كل مكان حملته في داخلي قضية مثلك وإن اختلف اسمها عن اسمك أو لونها عن لونك أو صوتها عن صوتك، كنت سأكتب إليك عند أولئك الذين يذودون عن الحياة بأقصر رشفة نوم لديهم، عند أولئك الذين يخبّئون أقوى صرخة في عينيهم وعند أولئك الذين يثرثر الحزن في عينيهم، كنت سأكتب إليك.
لا أعلم ولست أدري وأجهل السبيل إليك، لست أدري كيف تحتويني ومتى أحتويك، لست أدري متى ألتقيك، ما أعرفه أيها الوطن هو أنني أعلم أن في الكون سبع عجائب كامنة وأنا وأنت لو اجتمعنا سنكون الثامنة.

vendredi 4 août 2017

لو كنت رجلا

بقلم: حياة بن بادة



لم يتجاوز سنّي الواحد والعشرين عندما طرقت باب التدريس في الجامعة، كانت مفاجأة سارة لدى البعض وفاجعة لدى البعض الآخر وظلّ أمري عند طلابي موضوعا ميتافيزيقيا بالكاد استوعبوه. والحقيقة أنّ لعبة التدريس هذه كانت مجرّد تحدّ رفعته ذات يوم. ولو كنت رجلا لما أفلحت في بلوغه، فكلما تذكّرت الجور ذكرت أنّي لو كنت رجلا لمارست هواية الصفع والركل ولتعرّضت للسجن مرارا أو للذلّ عمرا ولما أكملت دراستي. كيف لا وقد صار عدوّ الرجل رجلا.
عندما عدت بشهادتي لم أكن أبدو إلّا كطالبة سنة أولى رغم طول قامتي ولا زلت إلى اليوم أُطرد من قاعة الأساتذة إمّا باللسان أو بالعيون. كم من رجل عاد ليلتحق بالجامعة وكم امرأة خلّفت أولادها وواصلت تعليمها وكم من طالب ألهمت. لو كنت رجلا لما استجبت إلّا بالغضب في عالم تحتاج فيه إلى امرأة لتعبر، إنّه عصر النساء ولو كنت رجلا لخسرت الآلاف من القضايا ولجهلت الكثير من الحقائق والتفاصيل، هو عصر التفاصيل أيضا.
لو كنت رجلا لما نبت في قلبي كلّ هذا الطموح فطموح النساء في نظري أعظم من طموح الرجال، لو كنت رجلا لما استطعت بناء قصيدة يتيمة وحياكة رواية قديمة بهذا القدر من الوجع، فأوجاع النساء عظيمة بحجم الانجازات التي يحرّضها الألم، شهيّة كرغيف أفلت من أصابع فقراء نوتردام، لامنتهية كدوال الرياضيات، ممتدة كالتاريخ والأيام وطويلة كالحياة، جوعى هي أوجاع النساء كالفعل المتعدي على جسمها المفعول به وعميقة كمقام البيات. ثرثارة هي أوجاع النساء كالوتر ورحّالة كالسندباد وكالغجر، لا تكاد تغادر بحرا إلّا وصادرت صمته وأحالت هدوءه البارد إلى الضجيج الدافئ وإقامتها الجبرية. شجيّ هو أيضا ضعف النساء ومذهل وميض دهائهنّ ومُنجّ ذكاؤهن، فكيف أكون رجلا؟
لو كنت رجلا لما ارتشفت من كوب الدهر كلّ هذه القوّة ولما عرفت كيف السبيل إلى ذاتي، ليس لأنّ الرجال يجهلون دروب الذات بل لأنّ النساء أثناء رحلتهنّ إليها يتعرّفن على الرجل فيهنّ ويكتشفن أنّهن لسن مجرّد أطفال توزّع عليهم الحلوى هناك عند صحن الدار أو في زاوية من زوايا الشارع المنهار، وأنهنّ لسن مجرد إناث وأنهن لسن مجرد فساتين وأنهن لسن مجرد دموع بقدر ما هنّ الاحتواء في أقوى درجاته والحبّ في أسمى معانيه والقوة في أعلى معدلاتها التي تغيّر حالة المجتمع وتتحكم في اتجاهه وحركته، كيف لا ومنها يخرج إنسان ليلقى الحياة فتحتويه أمّا وأختا وزوجة وبنتا.
لو كنت رجلا لما ذقت حلاوة التمرّد، ذلك التمرّد الذي أرسلني لأطارد طموحي بعيدا عن حِجر مسقط رأسي وأمنيات أترابي الصغيرة وتسلّط المجتمع المسكين، ولما استطعت الحلم فالرجال قلّما يحلمون، الرجال يغادرون إلى المستقبل بالطريقة نفسها التي يدخلون بها الحرب، الرجال كثيرا ما يحرّكهم الأدرنالين بينما النساء يبحرن وبداخلهنّ الأمل كقارورة زجاجية من مرسى إلى مرسى ليصنعن الحياة، النساء يتزودن بعنصر الحب وهنّ في طريقهن إلى الحرب أكثر من الغضب والرجال يتسلّحون بالغضب أكثر من الحب. وقلوب النساء تتغذى على هرمون الصبر لدى إقبالها على الحياة بينما يتغذى الرجال على النساء لكي يبقوا على قيد الحياة. لو كنت رجلا لما أدركت معنى القوة، فقوّة النساء تفوق غضب الرجال، ولربما ينطبق على الرجال قانون نيوتن الأول المتعلق بالقوة، فهم كالجسم الساكن لا يتحركون إلا بقوة المرأة، وكثيرا ما نجد موضوع الرجل امرأة وكثيرا ما يعتقد أنها تتحداه حين تقرّر رفع أشرعتها والإبحار إلى ذاتها فيحدث قانون نيوتن الثالث وتتنازع القوى.
قرأت ذات يوم قول أحدهم: "الرجل يخاف المرأة الجميلة والذكية في الوقت نفسه لأنها تملك سلاحين وهو لا يبارز إلا بواحد". ماذا لو كنت رجلا؟ إن سيوف الرجال لم تعد تقوى على مبارزة جمالها فكيف بالله عليكم يتورطون في معركة مع ذكائها وسيف الكاتانا الخارق يحتاج لأن تكون واحدا من محاربي الساموراي، أفلا أكون امرأة و أتقّي كيد النساء؟ أنا لو كنت رجلا صدقا لما عرفت النساء.
وقرأت لجبران ذات يوم قوله: " تسلك المرأة طريق العبيد لتسود الرجل، ويسلك الرجل طريق الأسياد لتستعبده المرأة." نعم عندما سلكت طريق العبيد آمنت بقيمتي وأدركت أنني كنز بخارطة وأنّني كلوحة ليوناردو لا أحد يسطو على سرّ عينيّ وأنني أغرب من كتاب أنتيخرستوس وأنّني كثورة شباب الفاتح من نوفمبر لا أنتظر من مصالي أن يعلن وقت اندلاعي أو يصادق عليه.
لو كنت رجلا لما امتلكت هذا القلب وتلك الأفكار ولما تعلّمت مواجهة ذاك الحجم من الألم وذاك الجبل من المعاناة في مشوار الحياة، لبدا كل شيء عاديا أو لربطته بالشهامة وما أقرب الشهامة إلى قلب الرجولة، لو كنت رجلا لتحرّشت بي النساء بطريقة أخطر من تلك التي يتحرش فيها الرجال بالنساء، أن تتحرش امرأة برجل يعني أن تقضي على أنوثتها وتشن الحرب على امرأة أخرى وأسرة ومجتمع وما أخطر معارك النساء. وكم صارت نساء تتحرشن بأنفسهنّ من خلال أفعالهن وأشكالهن قبل أن يتحرش بهنّ الرجال. لو كنت رجلا لما فهمت النساء.
كم فتاة تمنّت لو كانت رجلا، حتى أنا تمنيتها يوما حين أغرقني الضجر لكنني كنت على مدى الطموح على يقين أنّني لو كنت رجلا لاتّخذت شخصيتي منحى مغايرا ولربّما عدت لأتمنّى لو كنت امرأة. كم فتاة طوّقت نفسها قبل أن يطوّقها المجتمع ثم تمنّت لو كانت رجلا، كم من فتاة تخلّت وهي لا تعلم أنّها لو كانت رجلا لما تمنّت ما تمنّت.
أن أكون امرأة يعني أن أكون وطنا ولست الوطن الوحيد الذي يحلّق جلد أحلامه اللصوص ويسرق ثرواته قطّاع الطرق ويبيع مستقبله رجال الساسة ويموت على أطرافه الجنود ويستلقي على صدر زواياه المساكين. أن تولدي امرأة يعني أن تلدي يوما ما وتبزغ منك الحياة وما أصعب الولادة، إنّ الولادة خطر من الدرجة الأولى يهدّد حياة الأمّ وحياة المجتمع وكما تشكّل الخطر تنسج الأمل وترسم دروب الخير، وكما توقّع مولد مجرم، ترسل مع خيط الشمس بشرى مقدم منقذ. أن تكوني امرأة المخاطر والأحلام يعني ألّا تتركي لغيرك قرار الاختيار فأنت كل الخيارات تفرض نفسها دفعة واحدة على العالم، أن تكوني امرأة يعني أن تصنعي من مشتّتات الحياة حياة، وأن تصنعي لنفسك فلسفة خارقة شرط ألّا تتعدّى حدود الله.