jeudi 26 octobre 2017

المربّى غالي

بقلم: حياة بن بادة



هل حدث وأن حوّلت جملة عابرة سمعتها في شارع أو في جلسة أو في فيلم ما شريطا لا تكاد الذاكرة تدوس على زرّ إيقافه أو حتى توقيفه لدى حدث معيّن في حياتك أو موقف محدّد تمرّ به؟ هل سبق أن بنيت قرارا عن اقتناع تام صدفة جرّاء ذلك؟ هل سبق وأن تعلّمت شيئا جديدا من عبارة تبدو عادية، ربمّا قيلت في سياق فكاهة فتُهت فيها، وربما عرضت في قالب معاكس لتلك النفسية التي جلست بها تشاهد التلفاز مثلا فوجدتها تعني الكثير؟ هل جرّبت أن تدخل فيلما ضاحكا فتخرج منه محطّما، أن تدخله فيدْخُلَك ويُدْخِلك في عالم ما؟ هل جرّبت أن تسمع بضعة كلمات متناثرة في الأجواء ومجموعة حروف عابرة سبيل في الأرجاء، مبعثرة هنا وهناك صدفة فتشتّتك وتستجمعك لتحدّد مصيرا، قرارا، موقفا ما كنت بصدد إحالته إلى محكمة نفسك لتفصل فيه؟ هل جرّبت الكتابة بعد أن أصبت بكلمة في الفكر رماها أحدهم عليك؟
أمّا أنا فجرّبت، وكلّما جلست في مجالس العجائز الغابرة أرتشف معهن ذكرياتهنّ الجميلة تارة وأضحك حتى الثمالة تارة أخرى، كلما تشرّفت بمعرفة الحياة، فلا أقوم إلّا وسلّة أفكاري أمامي وقد انتصفت بتلك الأمثال والحَكايا والأغاني التي لا أحفظ منها سوى المعاني. يذوب ذلك اليوم وتتلاشى صورهنّ وأظلّ في فراشي تقلّبني تلك المفاهيم التي مكثت فيّ. وكلّما أتممت فيلما، كلّما خرجت بمقولة يتردّد صداها في ضواحي خاطري كمقولة "المربّى غالي"، وأحيانا أفوز منها بمعنى أجد نفسي أصوغه بما تيسّر من حروفي. وأذكر أنّني شاهدت أشرطة غربيّة تركت في نفسي الكثير من المعاني والقيم الإنسانية الراقية، جعلتني أتحدثّ في نفسي قائلة:"الرجولة لا دين لها"، وكثيرا ما أرى مظاهرا للمروءة داخل مجتمعات لطالما هاجمناها باللعن والشتم فإذا بها تتفوق على مجتمعنا في أخلاق، وكيف لا تتفوق وقد تركنا الإسلام وتعاليمه خلفنا ورحنا نقتات من قشور غيرنا؟ إنّنا بالفعل نفتقد حضور أخلاق المسلم اليوميّ بيننا في هذا الزمن الذي شغلتنا فيه السياسة عن أخلاق المجتمع وتربية أطفالنا، فشرعنا نندّد بأخلاق الحاكم والوزير بينما لو تمعّنا من حولنا، وسط أحيائنا وربّما داخل أسرنا لوجدنا الفساد يتدفق تدفقا منها، أبسط مثال أنّنا لا نجرأ حتى على جمع أوساخنا ومزابلنا الفائضة في الأزقّة عادة لولا عامل النظافة الكريم الذي تسخّره لنا البلديّة.
"المربّى غالي" ظلّت تحوم حول أفكاري المبعثرة لأيّام وجاءت مباشرة بعد حمامة "الرجولة لا دين لها" التي بقت تتحرّش بقلمي وتحرّض أفكاري على الكتابة في هذا الموضوع، إلّا أنّني لم أكد أكتب حتى زارتني مقولة ألبير كامو "رجل بلا أخلاق هو وحش تمّ إطلاقه على هذا العالم" وتذكّرت قصيدة الرصافي:"وأخلاق الوليد تقاس حسنا بأخلاق النساء الوالدات" وقوله:"ولم أر للخلائق من محلّ يهذّبها كحضن الأمّهات" إلى أن وصل إلى قوله:"فكيف نظنّ بالأبناء خيرا إذا نشؤوا بحضن الجاهلات". حقّا "المربى غالي" ورحم الله حافظ إبراهيم إذ قال:"الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيّب الأعراق."
لا أكاد أختم يوما إلّا وأنهيته مسمومة من الجدل القائم بين الرجل والمرأة خاصة إذا أقحم فيه عنصر الثقافة. في حياتي لم أكن أتصوّر أنّ العالم ضيّق إلى هذا الحدّ، لقد كنت على مدى العمر أرى أن المشكلة ليست في مثقّف ومثقّفة ومتعلّم ومتعلّمة بقدر ما كنت أرى أن المشكلة تكمن في ثنائية متخلّق متخلّقة، فكم من مثقّف ومثقّفة بالمعنى الذي وضعوه وكم من متعلّم ومتعلّمة قابلتهم في حياتي لم يتركوا في ذاكرتي سوى الخيبة والأسف، كوني أؤمن أن التثقف ليس لقبا يقتنيه المرء من درجات تعليمه وسلّم شهاداته وقراءاته ومؤلفاته بل هو ناتج مجموع الخلق والقيم والعلم والفهم والصلاح والإصلاح. ولا ننسى أن أصل كلمة ثقافة العربي يعني الفطنة والتسوية وفي أصلها الغربي تعني الزراعة أي إنها تُعنى بكل ما من شأنه زراعة الأشياء التي تغذّي الإنسان وتطوّره لا تؤخره، لكنّنا يوما بعد يوم نشهد هذا التأخر في مجتمعاتنا التي فاضت بالمثقّفين والمثقّفات والآفات وصارت وزارات الثقافة أكبر عدوّ فيها للأخلاق، فكيف بالله عليكم يجتمع مفهوم التهذيب والتسوية الذي تعرّف به الثقافة مع واقع الانحطاط الذي آل إليه مجتمع يطلق على جلّ أفراده كلمة "مثقفون" ثقافتهم تنعكس في لباس متفجّر وأكل مسرف وكلام فارغ، لم يقرؤوا عن سقراط قوله: "التربية الخلقية أهمّ للإنسان من خبزه وثوبه." إنّي أعرف مثقّفين ومثقّفات بالمعنى الذي وضعوه يجهلون وجه القِبلة ويطلقون صواريخ الكلام الفاحش بإبداع، إنّي أعرف طائفة من المثقفين الذين يتحرشون بالطالبات في الجامعات وطائفة من المثقفين الذين لا يغادرهم يوم إلّا وقد شبعوا فيه من الأفلام الإباحية والنساء والخمور وإنّي لأعرف طائفة من المثقفات اللواتي يشاطرنهم أسلوب العيش هذا، فأيّ ثقافة هي هذه التي لم تصقل بالأخلاق؟ وإنّي لأحتار حقّ الحيرة في عبارات الفحش التي يصمّمونها بلفظ الجلالة.
المربّى غالي وصار من الصعب العثور عليه، صار من الصعب العثور على امرأة ذات خلق وتربية حسنة ودين ورجل ذي خلق وتربية حسنة ودين، صار من الصعب تحصيل أشخاص مخلصين يورّثون الفضائل للأجيال القادمة وليت هذا المجتمع المسلم الذي نعيش فيه ويقطّعنا يوما تلو الآخر ربّى وأحسن التربية، لو أنّ هذا المجتمع أدّب وأحسن التأديب لما عانى من جور حاكم ومسؤول وطغيان آفة. لو أن تلك العائلات التي تداولت المثل القائل:"العيب في المرأة وليس في الرجل" أنصفت في تربيتها لما عانينا من تمرّد كهذا الذي نشاهده يوميا في شوارعنا العريضة وأزقتنا الضيقة. كم مرّة حاسبت نفسها على تربيتها حين صدّرت للمجتمع أشخاصا ممنوعين من وصف الحرف، تارة نطلق عليهم لفظ ذكر وتارة يفلت اللسان فنقول رجلا ولا ينطبق عليهم مفهوم الرجل بمعنى الرجولة والمروءة والأخلاق، وفتاة بلا أخلاق تتردد في تسميتها امرأة أو حتى أنثى همّها في الحياة الحفلات والأزياء وعمليات التجميل والعلاقات الغرامية أو الزواج بمن تسميه "المهمّ أنه رجل أو بالأحرى ذكر" ليقال تزوّجت. كم مرّة حاسب هذا المجتمع المسلم نفسه على لفظ الجلالة الذي صار يدرج في كافة أنواع السبّ والكلام الفاحش الخطير، كم مرّة حاسب نفسه على تلك العنصرية التي ورّثها لأجياله وكم مرّة حاسب نفسه على صلاته، على علاقاته، على إخلاصه وحبّه، على نظافته وزكاته وإيثاره؟ إنّي لأتأسّف على مجتمع يسبّ فيه مخلوق الخالق حين يغضب ليُقال شهم، إنّي أتحسّر على مجتمع دينه الثقافة وخلقه الثقافة وحلمه الثقافة بالمفهوم الذي نجد عليه الثقافة ومثقفين اليوم إلّا من استوعب معنى الثقافة كفضيلة ودعوة للرقي في ظلّ الخلق الحميد، إنّي أتأسّف على مجتمع لا المدرسة فيه مدرسة ولا الجامعة فيه جامعة إلّا ما ومن رحم ربّي. حقّا المربّى غالي.

lundi 16 octobre 2017

يسميه شارعنا "صدقة"

بقلم: حياة بن بادة



"إنّي أتجوّل بين عالمين، أحدهما ميّت والآخر عاجز أن يولد، وليس هناك مكان حتى الآن أريح عليه رأسي."هذا ما قاله مانديلا ذات يوم وما أجد عليه نفسي اليوم، إذ لا زاوية من تلك الزوايا الوهمية المعروضة للحياة تطمر قلبا قطنيا يميل عليه الرأس بعض الشيء فيرتاح، حتى هذه الأوراق التي يراها البعض وسيلة تفريغ ليس فيها إلّا ألمنا وصمتنا وذنوب أوطاننا، وليتها خلّصتنا من تحمّل أخطاء الآخرين.
في هذا الوطن الإفريقي، شعب من الفقراء، لو جمعناهم في أرض لكوّنوا وطنا آخر، وطنا عادلا، حزين النشيد، رثّ العلم، مواطنوه متشابهون لا يكاد يفرّق بينهم الفقر. في هذا الوطن ذنوب كثيرة، أحلام صغيرة تبدو كبيرة من شدّة القهر، جعّدها الظلم وكسر ظهرها العذاب. في هذا الوطن يتهافت تجّار الإنسان لانتقاء خير ما جادت به الدنانير من البشر ليرفعوا رأسه تارة في المحافل الدولية، حيث لا تدخل الشمس ولا يُرفع بكرامة ذاك الرأس، وتارة أمام السيّاح، حيث لا ركن في البلاد يطبّل معهم ويخفي في الجحور وجه مسكين، لأنّها وحدها وجوه وأجساد وكسوة الفقراء والمساكين من تطابق وجه الوطن "العظيم" وتمثّله، تماما كما تمثّل القطع الأثرية متحفا مكث فيه الماضي فلم يتناساه الحاضر.
في القرن الواحد والعشرين، في قريتنا الكونيّة وفي بلد إفريقي فقير، تنازل أمّ المخاض بروحها وسط ضجيج الرشاش وصيحات الجنود الحمر، ليولد طفل بريء ليته ما وُلد، تسمّيه "أحمد" ويسمّيه شارعنا "صدقة" بمجرّد الانتقال من عدل الحرب إلى جور السلام، فالحرب تقسّم الموت بعدل حين تغزو أرض المساكين، والسلام يوّزع الجور فيها بانتظام عندما يكون مفهومه نزع السلاح أو خروج مستعمر أجنبي من أرض محتلّة، هناك حالة نعيشها تسمّيها الأمم سلاما بينما هي استعمار بَاسِم يروح ضحيّته المساكين. أولئك المساكين الذين نذرفهم على أوراقنا، نكتبهم بأوجاعنا، نصنع لهم مقعدا في أحلامنا، مركزا في لاوعينا، حيّزا في الجهاز النّفْسيّ يعترف بهم، خيمة في مفكّرات القلب تذكرهم ومع ذلك نهملهم في رحلة البحث عن كرامتنا.
تطلع على "صدقة" كلّ صباح المدرسة، على عكس تلاميذنا هو لا يرتدي مئزرا أزرقا ليقابلها، بل يكسوه الحظّ الأزرق في مدرسة مبهمة الدروب كاختبار روشاخ سيكولوجي تدعى الحياة، لكنّه يحمل محفظته في شكل قطعة معدنية دائرية تحوي الطعام، سوى أنّها لدى "صدقة" تحوي قطعا نقدية زهيدة ينادي بها في الشوارع:"صدقة، صدقة".
كأيّ لاجئ خانته الحدود الجغرافية والآمال الإنسانية، يتسمّر أمامك "صدقة" يركّز النظر في عينيك، كأنّه يتعمّد كسر قلبك بآلامه، أحدّق فيه يوميا، أتحدّث في نفسي قائلة:" صعب أن تؤدّي دور الأنا في بلد يطغو فيه الهوّ تارة وقانون المجتمع تارة أخرى." كيف لا والناس من حولي أسرى النفس إذ لم يعد هناك ما يخيط الأوعية الأخوية التي تقطّعت، ولا من يستجمع أشلاء البشرية التي نزفت، وجلّ الحلول التي نتَحَها عقلي تكاد تكون غريبة في هذا المجتمع الذي يضع الفتاة تحت الضوء ويوما بعد يوم يشعرني بعدم الانتماء. أتحسّر حين أجول في خاطره على أرضنا، أتحسّر حين ألاعب أطفاله على تربيتنا وأخلاقنا، أتحسّر حين أقف على أرصفته على نفسي وكم أتحسّر على العالم.
منذ طرق أبوابنا "صدقة" وشيء من تاريخ فرجينيا وكارولاينا ولويزيانا يلوح في الشوارع، يجوب الأزقّة والأحياء، يتجمّع في الصحاري القاحلة وفي المزارع وفي المحطّات، شيء من فرجينيا يعود، وفرجينيا أخرى تصنع في أوطاننا، أصبحت أعضاء إفريقيا تزحف شمالا هربا إلى الحياة وأيّ حياة هي تلك التي تأكل الإنسان بالتقسيط؟ لَموت واحد خير من الموت بالإيجار هنا حيث يضطّهد طفل لا يفقه شيئا عن العِرق والانتماء والوطن والأمان، ذنبه أنه لاجئ إفريقي في بلد إفريقي، كلّ ما يلزمه هو لقمة لأجلها يكنّى "صدقة" ولا شيء يتشفّع له أمام احتقار مواطن بنكهة فرعون مستعبد هو الآخر، مشرّد، مجوّع، متخلّف ولا زال يصرخ في وجهه البريء ويشتم لونه القاتم. يا لها من إفريقيا لا أحد يرحمها حتى صغارها.
يفرغ الطفل ذو الخمس سنوات من عمله المضني ولا يفرغ، فلا يزال هنالك تسوّل في محطة الحافلات ذات المسافات الطويلة ليلا. يجلس "صدقة" مساء جوار أمّه الملتحفة برداء الصلاة يرقب الشفق كلوحة من لوحات حي الرسّامين الحزينة التي يختم عليها غروب شمس مونمارتر ببريقه هناك في أعالي باريس دون أن تغادر ضجيج الحيّ إلى بيت دافئ الهدوء ينسيها ما تقلّه من معان كئيبة، فتكتفي بالعودة إلى حيث تكسوها الخيبة، ويرتمي "صدقة"على ساق أمّه كما ترتمي لوحات فيرنيه وبيكاسو على جذع شجرة ترقب الأزقّة الضيّقة حيث لا شيء من ألوانها الحيّة يغيّر مصير موت الحياة فيها. صورة أشبه بلوحة تجريدية تلك التي يجسدّها طفل فرّوا به من دولة حبيسة يعجز عن حلّ شفراتها من هبّ ودبّ ممّن تبقّى من المارّة، حكاية تتسلسل في عيون "صدقة" فيها ما فيها من واقعية بلزاك وأحزان هيجو ورمزية بودلير وقد يسخر مرضى النفوس منها فيخيّل لهم أنّ الحياة تعرض لهم فصلا من مسرحيات موليير ليضحكوا على ذلك الرداء الرثّ الذي جادت به بيوت تنفق ممّا لا تحبّ أو على ذلك الخلق الذي صنعه الخالق.
على الرصيف العاري، ينام "صدقة" مرهق القلب مع غيره من المساكين الموزّعين ككرات بيلياردو، أتساءل ترى بماذا يحلم؟ أنه صار طفلا عاديا كأطفالنا؟ هل هناك من يحلم أن يكون مثلنا؟ أطفالنا يحلمون أن يكونوا كأطفال اليابان!! وعلى الرصيف العاري أتخيّل "بيسي سميث" واقفة ترثيه بأغانيها حيث لا روح تقاوم شجن "البلوز"، أتخيّل كلّ أغاني "الكانتري" المسافرة بين أشجان الريف تحطّ تلك الليلة في قلب المدينة، أتخيّل صدى كلّ خطابات الإنسانية يتردّد في الأرجاء، أتخيّل حكايات نهر الميسيسيبي متسلسلة في أعماق الأحياء.
أغادر المدينة آسفة، أردّد في داخلي:"يا حسرة! الحياة كموسيقى الجاز تبدو كأن لا قوانين فيها، عدا تلك التي تحمي الرؤوس". لم يكن ذلك الغناء الإفريقي الصادح في حقول نيو أورلينز خاتمة القهر الإفريقي بالعالم الجديد، فلا زالت إفريقيا تدفع الثمن، لا قطن ألاباما جفّف عرقها ودموعها ولا هي كتابات "تشينوا أشيبي" أوقفت نزيف شعوب حبستها الجغرافيا والسياسة، تموت إفريقيا عشرات المرات في الموت الواحد يوميّا ولا زالت مفكّرات مانديلا "تحلم بإفريقيا تعيش في سلام مع نفسها".







jeudi 5 octobre 2017

ما أخذ الجميل إلّا ليرزقنا الأجمل

بقلم: حياة بن بادة



كلّما قطعت تذكرة سفر وحزمت حقائبي وغادرت بيتنا باتجاه هدفي، كلما اعتبرت تذكرة السفر تلك تذكرة نحو الموت، أجدني فعلا أتأمّلها ومشاعر الموت تجتاحني، كأني لن أعود، كأني لن أتكرّر، كأنّي لم أكن ولن أكون. كلّ تذاكر السفر التي تعرض علينا الحياة في الشبابيك هي تذاكر رحيل ووداع وموت، هناك من يفلت منه وهناك من يعلق فيه، في كل تذكرة سفر نقطعها عمر منشور على حبل الطريق جويّا كان أو بريّا أو بحريّا، صحيح أنّنا نسافر لنلقى الحياة لكنّ حياة كهذه لا تتمّ إلّا ونحن نعبر جسر الموت، هناك من يفوز بها وهناك من تترك يده عالقة في الهواء ليصطادها الفناء أو الفشل. نسافر لأننا نؤمن بأهدافنا، نسافر لأننا نبحث عن الأجمل ذاك الذي لا نعرفه، فإن نحن فقدنا جميلنا نسيناه لأننا لم نرسمه بأقلامنا بل كان مستترا في ظرف القدر الذي كتبه الله. إنّنا نعجز عن حفظ أنفسنا ويد الله ترعانا، نفشل في تقييم ما يناسبنا وحكمة الله تحتوينا، يجفو عباده ولطفه سبحانه يغمرنا ويجبر خواطرنا، نعصيه ويكرمنا.
كل تذاكرنا رحلات وفواصل بين النظري والتطبيقي من أهدافنا، هي رحلات كتلك التي يقطعها نهر الأورال الفاصل بين قارتين في طريقه إلى قزوين وفواصل بين الهندسة الجميلة التي نقرّرها لأحلامنا ومحلّ مواد بنائها. على مدى العمر نحمل أحلامنا حبّا كما يحمل شعب الشيربا أمتعتهم أثناء تسلّقهم لإفرست ونختلي بها كما يختلي جبل كليمنجارو بندف الثلج البيضاء هناك في أعالي تنزانيا حيث تعيش إفريقيا شيئا من سلامها المزوّر في حضرة السماء.
كتب "تشارلز ديكنز" ذات يوم عن روايته "ديفيد كوبرفيلد": " كباقي الآباء والأمهات، لي في أعماق قلبي ابن مفضل اسمه "ديفيد كوبرفيلد". لكلّ واحد منّا في أعماقه ابن مفضّل، قد يكون بشرا وقد يكون أي شيء، وأيّا كان إمّا أن يكون حلما أو أن يحتوي الحلم.
نغادر البيت في ريعان الشباب كالأنهار في شبابها هي الأخرى، نحفر موطنا عميقا لهذا الطفل، نسير به مطوّلا ونتوّخى لأجله الانحدار لنستمر نحو المستقبل، تزداد أحلامنا اتّساعا بمجرّد أن ننضج حتى نصل إليها، نكبر وتكبر معنا صروف الدهر، نجد أنفسنا نقلّ أشياء وأشياء على متن قلوبنا ثم يضعف مجرانا وتقلّ قدرتنا على التحمّل إلى أن نحمل. نعم، كالأنهار أطوار حياتنا، شباب وكهولة وشيخوخة، وكضوء الشمس نحن كلما زادت موجتنا، كلما انخفضت طاقتنا.
تخيّل وأنت في طريقك لهدف معيّن يخطف أرجل قلبك درب آخر لم تكن يوما تتوقعه، تخيّل وأنت في طريقك إلى حلم لطالما بذلت لأجله النفس والنفيس وتناوب عليه المد والجزر يسرقك بالصدفة عالم آخر لم تحسب له أدنى حساب، لم ترسم له أيّة خطّة، حياة أخرى لم تتوقعها يوما، فإذا بها كانت تنتظرك، هي لم تكن من اختيارك بل كانت قضاء الله وقراره وقدره واختياره. تخيّل أنّك تبذل سنوات عمرك لتلتقي بالجميل الذي وضعت أنت مقاييس جماله فتقابل الأجمل الذي كتبه الله لك، وساقه القدر، عطاء ليس كمثله عطاء، والله لا يأخذ الجميل إلّا ليرزقنا الأجمل، فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.
يتحرك الجرم السماوي فتتنقّب الشمس بالأفق الهندسي لتعلن التقاء الأرض والسماء، ويتبعثر الضوء فتتحرّر ألوان الغروب الخلابة وتتشتت في أنفسنا، لنستمتع بصنع الله الجميل. تنتشر الطيور في السماء، تبادر الشمس بالانحناء، تتفتّح الزهور في الفضاء، يسقط المطر، تعجّ بضحكات الأطفال تلكم الأحياء، تتعالى أصوات البحارة، تثمر النخلة في عمق الصحراء، تتفجر المياه من الحجارة، في كل خلق الله يوجد الأجمل وكلما أبصرت الدنيا، كلما أدركت جمال الصانع في وجوه الناس من حولي باختلاف أشكالهم وألوانهم، فلكلّ لون درجة انكسار معينة هكذا تقول القاعدة لكنّها معا تصنع قوس قزح الجميل وتزيده بتضافرها رونقا، بل حتى للظلام الذي أترعناه باللعنات نصيب من الجمال ونحن حين نقطع الطريق على الضوء نصنع الظل، ذلك الرسم الأسود المنبثق منّا والذي تتشارك فيه جميع المخلوقات.
 منذ زمن صرت أرى كلّ الوجوه من حولي جميلة، ربّما لأنّي أنضج وربّما لأني أنظر إليها بحبّ فالجمال في نظري هو القدرة على الحبّ، وربّما لأني أنظر إليها بمقياس ميتافيزيقي، فلكل جمال مفتاح وسرّ خارق، ومريض هو ذلك القلب العاجز عن استبصار الجمال في سائر خلق الله، فلكلّ مخلوق من جمال الخلّاق خَلَاق، وما تراه قبيحا قد يراه غيرك في قمة الجمال وما تسعى إليه عمرك لاعتقادك أنه جميل-وما أدراك أنّه حقّا جميل؟ - قد يعوّضك الله بدلا عنه بالأجمل فهو الجميل مالك الجمال.
كم واحد منّا فقد شخصا، وظيفة، دراسة، صحة، حريّة، غيرها، وعوضه الله. لو أننا آمنا يقينا أننا لله وأنا إليه راجعون لما تضجّرنا يوما من الشدائد، لو أننا أدركنا يقينا أنها كلّها أرزاق والأرزاق بيد الله لما بكينا على فقدها، لو أننا فهمنا معنى الجمال لما رضينا إلا بقرار الله. نبكي على رحيل الجميل فيفاجئنا الله بالأجمل، نبكي على باب أغلق فيفاجئنا الرحيم بباب أوسع، نقلق على مستقبل وضّحنا معالمه في ورقة افتراضية، فيفاجئنا الله بطريق أخرى أجمل، نبكي على علاقات غابرة، نبكي على من حسبناهم أحبابا، على من انتقيناهم أصدقاء، يرحلون ليعوّضنا الله بالأفضل، نخرج من مكان ألفناه فيجعل الله لنا الخير في آخر. يأخذ ما ظنناه جميلا ليرزقنا الأجمل، فالله لا يأتي إلا بالخير وما علينا إلّا الصبر لقوله صلى الله عليه وسلّم "عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه له خير وليس ذلك لأحد إلّا للمؤمن إن أصابته سرّاء شكر فكانت خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيرا له."
إنّنا أحيانا نتخلّص من أشخاص بإرادتنا، وأحيانا من خطط وأحيانا أخرى من أفكار لاعقلانية كانت في النظر عقلانية ذات جهل، فالفقد في الكتلة يتحول إلى طاقة هكذا فسّر اينشتاين العلاقة بين الكتلة والطاقة. وأحيانا نخسر ونفشل لا لشيء إلّا لنربح عند محاولة أخرى، إنّنا أحيانا نفقد لا لشيء إلّا لنكسب، يقدّر علينا الفشل وتكتب لنا الخسارة ويحتّم علينا الفقد فنحن مسيّرون فيما لا نعلم والله طمأننا بقوله عزّ وجلّ "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". أجل، نحن لا نعلم.