mercredi 29 novembre 2017

تحتاج صديقا

بقلم: حياة بن بادة



تحتاج صديقا، يقرؤك دون أن يهمّش شيئا فيك، يفترس آلامك ويفضي بالحياة فيك، لا يفوّت على نفسه شيئا منك، حتى وإن كان يداري نفسه عليك. تحتاج صديقا يعشق كلّ شيء فيك، ويؤمن ألّا أحد يستحقّك عداه، صديقا يدفع عنك الأذيّة، صديقا واثقا أنّه مجرّة تسبح فيه بحريّة، ويؤمن أنّك الإنسان المنزّل نعمة من السماء وعليه أن يكافح لأجل أن تنزل فيه حين يكون على ثقة بأنّه الكوكب الذي يحوي الحياة والباقي لا حياة فيهم.
تحتاج صديقا يقرّبك إلى الله أكثر وتتقربّا معا إليه أكثر، فيجعل فيكما البركة، صديقا يمسك بيدك إلى الجنّة وتمسك بيده. تحتاج صديقا تشبهه في كلّ شيء ولا تشبهه في أيّ شيء، وتختلف عنه في العديد من الأشياء، صديقا لا يشبه جميع الأصدقاء، يحتلّ كل شيء فيك ويستعمرك، لتصبح مَعْلما منه وتذكارا من صنعه، صديقا يخرج منك ليعود إليك، صديقا كالمارد يفاجئك بخروجه في حياتك صدفة حين تعتزل العالم وتختلي إلى نفسك في مكان لا أمل فيه، فينبثق كلّ الأمل منه.
تحتاج صديقا تقتسم معه شطيرة الجنون، يشاطرك الضجيج والسكون، يغضب معك وعليك ويضحك ملأه معك، صديقا يبتسم بعمق لدى رؤيتك وأنت لا زلت تبدو كنقطة قادما من هناك على مسافة كيلومترات، صديقا يحضنك بعمق حتى لا يكاد يفرّق بين جسدك وجسده، صديقا لا تغيب عن قلبه لحظة، تهبّ في نفسه في كلّ لحظة وتتموّج في روحه كزوبعة افتراضية قدمت من روحك، صديقا يعترض طريقك بكلّ بسالة ويكون في عينيك رحّالة، صديقا لا يعلم كيف جاء ولماذا جاء، صديقا كالشتاء، كلّ ما يشجّعه على الحلول فيك ثقته بأنّه الأقوى وبالتالي الأجدر بك.
تحتاج صديقا يبحر على متن عينيك باحتراف، يقرأ جميع الخرائط المرسومة فيهما وهما مغمضتان، ويغوص فيهما بحبّ ويعلم كلّ الدروب التي تؤدّي إليك، بل يعلم أنّه درب من تلك الدروب فلا يهملك يوما. تحتاج صديقا تقرؤه أنت بدورك بمهارة وتكسب قلبه عن جدارة، تحتاج صديقا لا يشبه الناس، تتغيّر جميع تنبّؤات الأرصاد الجوّية في حلوله، يتحوّل الطقس المشمس معه إلى ماطر والممطر إلى مشمس ولا تغرب الشمس إلّا من آثار قدميه المغادرة إلى بيته ولا تشرق إلّا منهما وقد أوصدا الباب خلفهما وارتحلا به إليك، صديقا تطلع الحياة من عينيه وتتجلّى جميع ضحكات الأطفال البريئة فيهما وقوّة حكماء التاريخ داخلهما.
تحتاج صديقا كنفسك بل أجمل منها وأقوى منها وأنظف منها وأحبّ إليك منها، تحتاج صديقا يعرفك، لأنّه لم يعرفك، يفاجئك بدخوله إلى أرضك الكبيرة، فلا يكاد يسرق منها رقعة يبني فيها بيته إلّا وقد صارت كلّها ملكه ومسكنه ومتنفّسه ومتنفسكما معا.
تحتاج صديقا يحتويك كمعطف شتوّي واجهوا لأجل اقتناء جلده الأمطار والأوحال والجبال والثلوج والقبائل القديمة الهمجية التي لا تسمح للدخلاء باقتحام أرضها ولو حملوا لهم السلام هديّة، فقد يكون ذاك الجلد مقدّسا يعبدونه كلّ مساء ويشعلون حوله النيران ليتدفّأ وقد كان بإمكانهم أن يتدفّؤوا هم به جميعا، لكنّهم ظلّوا يقيمون له القرابين والمواسم والأفراح والحرس، فيبتلون بصيادين لا يعرفون الرحمة، أشبه بأولئك الذين حلّوا على الهنود الحمر ذات زمن من أوروبا فسلبوهم كلّ شيء لا لشيء إلّا لكي يكسوك فتكسوه فتحتويه حين يحتويك.
تحتاج صديقا يشبه الأساطير، لا يملك شيئا عدا قلبه وإخلاصه لحبّه.
تحتاج صديقا لا يبقي على شيء من حولك عدا روحه تنفخ فيك الحياة وتعلنك حياة.
تحتاج صديقا صادقا لا يكذب إلّا حين يقول حين يغضب من عنادك إنّه لن يعود إليك وإنّه لن يضع رجله في ضواحيك وإنّك شرّير لا تهتمّ إلّا بنفسك وإنّه يعلم أنّك لا تحبّه وإنّه أصلا لا يحبّك ولا تعني له شيئا يا كلّ شيء.
تحتاج صديقا تكون معه كعقارب الساعة يلاحقك في كل ركن، يمشي معك ويمشي خلفك، يراقبك ويطمئّن عليك ولا يتوقف نبضكما المشترك إلّا بالموت. تحتاج صديقا يتكوّن فيك كالبوح وينبعث فيك كالروح. تحتاج صديقا كالدورة الدموية الصغرى، وكالدورة الدموية الكبرى، يطوف فيك دون استئذان ويقوم على عملية الحياة فيك، صديقا كنافورة المياه كلّما أعطت، أعطت من قلبها وعادت لتعطي بفرح ولا تجفّ إلّا بالهجر الطويل، صديقا كالأنهار الجارية على مدار السنة هنالك في أعالي الجبال.
تحتاج صديقا كالتاريخ لا يَنسى ولا يُنسى تكون أنت تاريخه الذي لم ينس ولن ينسى.
تحتاج صديقا كوظائف أعضاء الجسم الداخلية تحرص على حياتك حتى حين لا تكون على علم بها وحتى عندما لا تهتمّ بها. ما يهمّك أنّك على قيد الحياة وما يهمّه أنك على قيد الحبّ فيه كونك تسقيه بالحياة بمجرّد أنّك في حياته وبمجرد أنه في حياتك.
تحتاج صديقا يمتصّك بمجرّد أن تقولا إلى اللقاء فلا يحدث أن تغادره حتى وإن غادر جسدك إلى بيتك وصوتك ليرتاح في حجرة حنجرتك، صديقا يمتصّك وتمتّصه، تتنفسه ويتنفسّك.
تحتاج صديقا كضغط الدم وكالسكّر يتكوّن فيك دون أن تدري حتى يفاجئك بارتفاعه في قلبك وبخروجه في سجّلك الصحّي فتصاب به ويصبح الحبّ العضال الذي لن تشفى منه.
تحتاج صديقا لا يموت فيك أبدا بل يموت منك حين تفارقه وتموت منه حين يفارقك.
إيّاك والتفريط فيه إن دخل حياتك.

samedi 11 novembre 2017

المهمَّشون في الحبّ

بقلم: حياة بن بادة




معظم قصص المهمّشين في الحبّ باختلاف أنواعهم تئنّ على طريقة "فايزة أحمد"وهي تردّد:
"أنا لست آسفة عليك لكن على قلبي الوفي،
 قلبي الذي لم تعرفِ،
 يا من على جسر الدموع تركتني،
 أنا لست أبكي منك، بل أبكي عليك،"

فحكايات المهمشين في الحبّ لا تحدث فقط على مستوى العشّاق (وإن كان المقطع من قصيدة تعاتب حبيبا)، إنّها تحدث على مستوى الأمومة والأبوّة والإخوة والأصدقاء والأحلام والأماني والوطن وتطول كلّ جوانب الحياة بالقدر الذي يكتسي به الحبّ الحياة، إنّها تبلغ كلّ إنسان وكلّ شيء أحببناه وأخلصنا فيه وله العطاء، والمهمشون في الحبّ هم المتأسّفون على قلوبهم، هم أصحاب العطاء الذين قوبلوا بالإهمال أو الرفض أو الخيبة.

ماذا لو كانت في القلب ضفّتان؟ ضفّة تعطي الآخر الفرصة ليحبّك ويهتمّ بك وضفّة تعطيك أنت الفرصة لنسيانه والاعتناء بنفسك، ما كنت لتختار؟ أمّا أنا فأنصحك بالضفّة التي لا تؤذيك. وما عليك إلّا أن تجذّف بكرامتك إلى الضفة الوسطى وأقصد بذلك ضفة البحر وتبحر إلى نفسك وأن تعلن قرار عدم إيذائها وتلوذ بذاك القرار إلى بيت اليقين فلا شيء أغلى منك حين تكون على الحقّ. وفي بعض القلوب دولابان، كلاهما يهزّان الخاطر لأجل وطنين مخلوقين من تراب، أمّا الأول فيحلم أن يداعب خلاياه بيديه والآخر يتمنى لو كان فيه حكاية داخليّة حياتها كحياة الخليّة أبديّتها تنتهي بنهايته وتكاثرها مرهون بتغذيته. 
ما ألذّ الأرض التي تكون فيها عشبة خضراء على مدار السنة، جذورها عميقة فإذا ما اقتلعت وحرّكت في إناء ما أهدت الحياة، ما ألذّ الوطن الذي تكون فيه كرامتك كالذهب المكدّس في الكهوف يسخّر له الأمان والحنان فيا ليتنا كنّا ذهبا، وما ألذّ السند الذي تكون فيه أعضاء نبيلة يصاب لمصابك ويرتاح لراحتك، ما أطيب العيش الذي تكون فيه إنسانا وحبّا مبنيّا للمعلوم، فما أتعس الذين مرّوا وفي قلوبهم غصّة أضرمتها قصّة كان فيها كائنا مهمشا من ذوي العارفة لكنّ ظلال الحبّ حوله كانت غير وارفة، وحدها ظلاله كانت كزوبعة مموّجة تمدّ الحياة دون مقابل فانكسر. ما يجهله البعض هو أنّه ما من حبّ على وجه الأرض يبذل دون انتظار مقابل، فالعطاء يهوى العطاء لأنّ استجابة العطاء تحدث في إناء داخلي لكلّ فرد تدور فيه ملعقة الانفعالات، فرحة العيون لوحدها قد تكون أجمل مقابل ولهذا هناك نوع من البشر كالخزينة مسخّر للعطاء أطلق عليهم لقب المهمشين في الحبّ.
جلّ الذين يتسلّلون إلى هذا المقال بحبّ، هم المهمشون فيه وما أكثرهم بيننا اليوم، فالحبّ وإن كان في كلّ مرّة يعرض علينا زيّا من أزيائه الزهرية البهيجة هو أيضا يكتسي شيئا من الحرمان وأحيانا يحمل كلّ الحرمان، ذاك الحرمان الذي حدّثنا عنه "بلزاك" فقال: إنّ الحبّ "رجل وامرأة وحرمان" إلّا أنّه أيضا إنسان وأرض وحرمان، الحبّ إنسان وأمنية وحرمان، والحبّ إنسان وحياة وحرمان. والمهمشون في الحبّ هم اللاجئون فيه الذين لم يظفروا منه إلا بخيمة عند الحدود، هم أولئك الذين صدّقوا الوعود، هم المزهريات النحاسية التي لم تتوقف في حضنها قاطرات الورود، المهمشون في الحبّ هم الشحّاذون فيه، هم المنفيّون منه الذين لم يأخذوا معهم سوى الخيبة وتقاسيم الحظّ الكئيبة.

المهمشون في الحبّ هم الذين أدركوا الآخر فلم يستوعبهم، هم الذين سقطوا في زلّة قلب فأصيبوا بنوبة حبّ متوازي الأوجاع، هم الذين أجهشوا بالعطاء مذ دخلتهم، هم أمهات وآباء في دور العجزة تناوبت عليهم متلازمة القلب المكسور فتجرّعوا قارورات العذاب دون رحمة، هم المجانين الذين ركنوا في الأزقة فأخذوا يتنّقلون في الشوارع يوزّعون الابتسامات تارة والصرخات التي أفلتت من قبضة الكبت تارة أخرى فجعلت الأحياء تستأنس بوجودهم وتطرب لضحكاتهم، كيف لا وهم الأوفياء حينما يخلد العقلاء إلى بيوتهم الدافئة خوفا من الشمس وهربا من المطر. المهمشون في الحبّ هم أطفال نُسجوا في الخفايا فتبعثروا في الزوايا، وآخرون مُهمَلون، بين الأحضان يهيمون يتحرّون نبض الأمّ أين يكون. 
المهمشون في الحبّ هم رسائل في سلّة المهملات غير مكترث بها، هم رسائل مرهونة غير مرغوب فيها، هم مهتمون غير مأبوه بعطائهم، هم بضعة حروف أنفاسها أقصر من أنفاس مفتاح سلّم موسيقي تنقل الرغبة الشديدة عنهم. هم أولئك الذين عُلّقوا فتعلّقوا فتُركوا، هم أولئك الذين يجيئون على قلوبهم بحبّ كذب فيصدّقوه، وبأمل يكذب فيواعدوه وبجرح عميق يغلقون عليه بمِرهم السماح وبالألم المباح الذي لا يطلع عليه الصباح إلّا وقد فاح. هم أشخاص أعجبوا بهم فأحبّوا وجودهم لكن عندما شاهدوا كيف شكّلهم أو لوّنهم الخالق بدّلوهم، هم أشخاص أحبّوهم فلما اختلفوا معهم بغضوهم.

المهمشون في الحبّ هم أشخاص حالمون لم يرسم الحلم لهم طريق اللقاء ولم تضمن لهم المغامرات طريق العودة فعلقوا في وحل الحظ السيء، المهمشون في الحبّ هم أشخاص كادحون ارتكبوا عطفا فلم يكتبهم إخلاصهم في دفتر الحقّ وتخلّى عنهم الحبّ، المهمشون في الحبّ هم المعلّمون الذين لم يتبقّ لهم من دروسهم سوى ذكرى تخنق ما تبقى فيهم من حياة. المهمشون في الحبّ هم أصدقاء اقترفوا حبّا فتلاشوا مع الغيمات ثمّ رُحّلوا من الذاكرة مع مقدم الأفراح. المهمشون في الحب هم أناس حسّاسون ومعاطٍ، عطاؤهم مزدوج، هو عطاء نفسي ومادي ومع ذلك ينتظرون مقابلا نفسيا يشعرهم بالحبّ، هم أشخاص تصبّبوا عرقا فلمّا التمسوا حقّا ماتوا غرقا، هم المنتظرون الذين لم يتوقف عندهم أيّ قطار عدا قطار الخذلان، هم الخائفون الباحثون عن الأمان في البشر وفي السفر وفي الوطن فلم يحتويهم أيّ من هؤلاء. هم كل الذين أحبّوا هباء وأخلصوا هدرا وسكنهم الموت أحياء.

المهمشون في الحبّ هم أناس لم يُكتبوا بلغة "برايل"، فهم ليسوا بالرموز البارزة التي يمرّر الحالم عليها أصابعه كلّ ليلة، هم فقط كيانات لا تظهر في الحلم لأنهم لا يتسلّلون إلى اللاوعي، هم أناس قال فيهم الوعي كلمته، هم أناس اعتقدوا أنهم أحرزوا حبّا فافتقدوا قلبا، وهم أناس تكالب عليهم القهر المدقع. المهمشون في الحبّ هم كلّ المخلصين الصادقين الذين بسطوا أياديهم للحياة فأعرضت عنهم. هم اليتامى والفقراء والمساكين، هم المهاجرون واللاجئون، هم الراسبون والعاشقون والفاقدون والغائبون، هم كلّ الذين وقع عليهم النسيان والحرمان والهجر والألم، فلتتفقّد المهمشين في الحبّ من حولك ولتحتويهم، فإنّهم لن يعودوا إن رحلوا.