vendredi 30 mars 2018

أجمل ثلاث نساء في العالم!



بقلم: حياة بن بادة 
 
أحسن جبران التعبير يوم قال: "أجمل ثلاث نساء في العالم: أمّي وظلّها وانعكاس مرآتها." وأجاد المؤلف الموسيقي الفرنسي أندريه غريتري حين نعت قلب الأم بواحد من روائع خلق الله. نعم هو واحد من روائع خلق الله، إذ بثّ فيه حياة عظيمة توزّعها سخاء على أبنائها وتسكبها حنانا من إبريقه الكبير!
من منّا لا يذكر أناشيد الطفولة الأولى وأناشيد الأمومة ولم يحمل مع الفتى الجوال ريمي ونحوّل وكوزيت وسالي همّ اللقاء بأمهاتهم، من منا لم يهتزّ قلبه لأبيات تصدح "أمّي" ومن منّا لم يردّد:
يا ربّنا يا ذا الكرم يا واهبا كلّ النعم
هذا أبي نعم الأب من أجلنا كم يتعب
أمي التي أحيا بها من مثلها في فضلها
باركهما يا ربنا واحفظهما دوما لنا
نحيا بها كما يحيا النبت بالمطر، نحيا بها كما يحيا الضوء في القمر، نحيا أطفالا ونظل صغارا لا نكبر، فمن مثل الأمّ في حبّها وعطفها وخوفها وحرصها وعطائها وصفحها؟
علّمتني أمّي أنّ الطّفل لا يكبر داخل حصنها المنيع، أنّ الطّفل مهما نما يظل في عينيها الولد الرضيع. علمتني أمّي أنّي الحياة فلطالما أخبرتني أنّي اسم على مسمّى، علمتني أن أكون قويّة الشخصيّة وعالية الهمّة، علّمتني كيف أتسلق جبال أحلامي وكيف أحفظ القمّة، علمتني أن القمّة لا أصل إليها إلّا بحفظي لله فإن أنا حفظت الله حفظني، علّمتني أنّ فعل الخير عبادة كالصلاة ولم تبرح توصيني به في البشر والحيوان والشجر، علّمتني أن الله لن يغلق في وجهي بابا إلّا وقد فتح لي بابا أوسع وأجمل، أوصتني ألّا أضيق، علّمتني كيف الطريق إلى ذاتي، إلى حياتي، إلى الناس، علّمتني التواضع والصبر الجميل، علّمتني أن أقتسم اللقمة والفرح مع غيري بل علّمتني ألّا آكل ليأكل غيري وأن أسهر لينام غيري وأن أتألّم إن تطلّب الأمر شرط ألّا يتوجّع غيري، علّمتني أن أبتلع الدمعة وأن أحترق كالشمعة لأضيء على غيري، وأن أمشي في الحياة حياة، أنثر الزهور والسرور أثناء سيري وأن أنقل الأمان والسلام والحبّ والحنان إلى كل من يصافح قلبي. علّمتني كيف أحترم الكبير وكيف أرحم الصغير وكم كانت دروس احترام الكبير صعبة في محيطي المتسلّط! علمتني أن أشارك الناس أحزانهم وأحسّ آلامهم، وأتذكر أنّها كانت ترفض كلّ أشكال الفرح في بيتنا عندما يبشّر أحدنا بالنجاح وفي بيت جيراننا راسب، فعلّمتني بحكمتها كيف أحترم مشاعر غيري.
لا زلت أتذكر زمن الطفولة وكيف كانت أمي تحمّمني وتدلّك جسدي النحيف حتى لتكاد الروح تخرج منه وكيف كانت تختم حمّام العذاب الساخن الجميل ذاك الذي أفتقده اليوم بامتصاص الماء من أذنيّ لتجفّفها، لم تكن أمّي تثق بالمنشفة بقدر ما كانت تثق بشفتيها فما يكون للمنشفة إلّا أن تقوم بعمل ثانوي. كنت أتساءل في داخلي بعد كلّ حمّام عن هذه العادة لكنّني لم أجرأ يوما على سؤالها فقد كنت أشعر بالحبّ دائما.
مع أمّهاتنا نحن معذّبون بالحبّ، معذّبون إلى درجة الضحك، فهي من توقظك ساعة قبل موعد الاستيقاظ وتنادي عليك "قم قد فاتك الوقت"، وهي التي تعرّج بغرفتك ليلا كلصّ عاشق لتلفّك في الأغطية.
مع حلول شتاء هذا العام استيقظت متأخرة، نمت نوما عميقا لم أشعر بعده إلّا بنور الصباح يعرّي وجهي، ولم أسمع أثناءها منبّه البيت "أمي" توقظني. عندما شرعت بالنهوض وجدت أن حجم الغطاء أثقل من المعتاد وأدركت أن غطاء آخر قد انضمّ للمجموعة، اكتفيت بالضحك وأخذت ألقّنها ككلّ مرّة قاعدة النوم الشتوي لديّ وهو أنه كلما زاد حجم الغطاء كلما زاد الحجم الساعي للنوم لديّ بسبب التنعّم بالدفء والإبحار في محيطات الحلم، وأنّني أخفّف الغطاء عمدا كي أستيقظ باكرا، لكن قلبها لا يعترف بهذه القاعدة. مرّ يوم بعدها فوجدت أختي تشتكي، قالت: "هل رأيت هذا النوع من الحنان؟" ضحكت وسألتها إن كانت تقصد الحنان القاتل والحنان القاتل مصطلح وضعناه للدلالة على كمية الحنان الذي يسطو علينا ليلا في شكل أغطية إضافية.
مع أمّهاتنا نحن معذّبون بالحبّ، معذّبون لحدّ القهقهة، فهل جرّبت الخروج مع أمك إلى سوق الألبسة لاقتناء بذلة جديدة؟ لا شكّ في ذلك، فلطالما لبسنا أذواق أمهاتنا وآبائنا لكنّنا سرعان ما تحرّرنا منها واخترنا أذواق جيلنا وعصرنا، لكن هل جرّبت أن تشير عليك أمّك بثوب يعود إلى عصر المماليك وتضيف قائلة: "رائع، جلده متين وشكله مستور"، مع العلم أن حجمه يصلح لدخول أنت (أس اثنان) فيه وأن جلده يعود إلى عهد الفايكينغ وستبدو فيه مثل "فيكي" الذكي وستحبّك أضعافا مضاعفة وأنت تعوم فيه لأنك ستكون مثل رضيع ملفوف في غطاء صوفي. لا زلت أتذكر معطفا حجمه أكبر من حجمي اشترته لي أمّي وقالت إنّني سأسمن وسيناسبني جدّا، مضى على قولها اثنا عشرة سنة ولا زال في أرشيف مزارع جدّي يكبرني مرتين، وأعتقد أنه قد شغل في إحدى المزارع منصب حارس ساقية من سواقي المياه مع غيره من الأقمشة التي يسدّ بها الماء بين الشجر.
مع أمّهاتنا نحن معذبّون بالحبّ حتى أثناء المرض لكن محظوظون، ولا أعتقد أن أحدا لم يجرّب مصيبة الإطعام الإجباري وعبارة "لا يهمّ إن تقيّأته، المهمّ أن تتغذّى وتنهض بالسلامة وألّا تدوخ عند أخذك الحقنة" ويبدو أنّ هذا النوع من الإطعام لوحده كان كافيا لأن تقوم من فراش المرض وتهرب من بين يديها خاصة إذا كانت نوعية الأكل الصحيّ هذا تحتوي على أصناف تكرهها أو كنت طفلا انتقائيا.
وتكبر في الطفولة
يوما على صدر يوم
وأعشق عمري لأنّي
إذا متّ
أخجل من دمع أمّي
كدرويش أنا يا أمّي أعشق هنا عمري! وأعشق الفضّة يا أمي لأنّها يا سيّدتي رسمت في عينيك فاستقرّ الجمال فيهما وظلّ يناجيك، عشقت البحر والنهر والسماء وكل شيء فيه وحي عينيك، عشقت كلّ شيء نسجته يداك، خبز الدّار، أعشيتنا التي عاشت فيـنا، أشياء حاكتها يداك شتاء لتدفّينا كلّ شيء سيّدتي، كلّ شيء أمّي. لن أنسى دموعا وأدعية وأحضانا ثبّتّنا بها، لن أنسى أثواب الدمى التي صنعتها يداك لنا، لن أنسى مشطا ناعما دغدغتِ به شعراتنا، لن أنسى وجبات طيّبة أدفأتِ بها بطوننا، لن أنسى خطواتك التي رافقتنا إلى المدرسة وكيف أنسى من في شاطئ عينيها قلبي رسا؟ فيا ربّي أمّي.

dimanche 25 mars 2018

امرأة معقّدة



بقلم: حياة بن بادة

قالوا عنها امرأة معقّدة، لا زالت ترفض الاختلاط، ترفض الدردشات وترفض مجالسة "الرجال"، امرأة تستحمّ بالعقد، ستغرق في عقدها وستُشنق بها يوما ما! امرأة تكبّل نفسها بقيود الشّرع في القرن الواحد والعشرين، يا للعجب!
قالوا عنها امرأة بائسة قادمة من العصر البرونزي إلى زمن القرية الكونيّة، امرأة من العصر الحجريّ نزلت في عصر التكنولوجيا! امرأة كالشّاحنة لا تفهم شيئا في الموضة وكالبناء الفوضوي، لباسها المحتشم فوضى في فوضى. قالوا عنها امرأة قديمة كحيّ القصبة العتيق هيهات أن تصمد!.
قالوا عنها امرأة كقرن نبتة البازلاء تخفي الكبائر وسط جلبابها، غنيّة بالذكريات حتما ملفّاتها. قالوا عنها امرأة كاذبة فكيف لفتاة عشرينية تغرّبت في البلدان وخالطت العقليات، متعدّدة الشهادات اشتغلت في أماكن محتوم فيها الاختلاط ألّا تتخذّ خِدنا؟
سنراودها عن نفسها، مرّة وأخرى، ستخضع وكغيرها ستنخدع، فكلّ النّساء متشابهات وبالفسق متّهمات ولا وجود لفتاة بريئة، لا وجود لفتاة عفيفة، لا وجود لفتاة لم يلمسها رجل، كلّ النّساء بقايا، كلّ النّساء مستنقعات قذرة ويا ما تحت السواهي دواهي!. كم من فتاة شوّهت وجه الجلباب وكم من فتاة حفظت القرآن وانحرفت وكم من فتاة اعتزلت الناس في غرفتها لتَسمع عبارات العشق وتُسمعها عبر هاتفها النقال وكم من فتاة صلّت التراويح في حضن حبيبها. وكم من فتاة متحجّبة تبرّجها فاق سفور أخرى.
كيف لفتاة مثلها توفرّت لها جميع مكوّنات الخيانة ألّا تخون في عصر الخيانة وكيف بالله عليكم تقابل العالم بوجه أشبه بورقة رسم خطت ملامحها بقلم الرصاص في عصر الألوان الزيتية وعمليات التجميل؟ في زمن المرأة "الباربي" التي طالت وجهها أيادي خبراء التجميل فلصقّوا فوق عينيها رموشا اصطناعيّة وداخلهما عدسات زرقاء وخضراء وعسليّة ونفخوا شفتيها وخدّيها بالإبر وتبّثوا في شعرها خصلات شقراء وحمراء! لن نصدقها ولو جاءتنا بيد من الجنّة خضراء. قال آخرون، بل هي امرأة معقّدة ومريضة نفسيّا، عديمة المشاعر والإحساس، باردة كليالي الشتاء، قلبها صفوان، أمطر عليه ما شئت من الكلام العذب سيبقى صلدا. هذا إن كان في باطنها الأحمق قلب أصلا!
نعم، هي امرأة بدائيّة في عصر اللوحات الزيتيّة والفسيفساء والزخارف الجلديّة، عميقة الجمال والوجدان. امرأة لا تدوس قدماها الألغام فهي تعرف مواطنها جيّدا، امرأة لم ترث من المدن العربية الجبن ولا الرضوخ ولا الخيانة ولا التبعية والاستسلام. امرأة حكيمة في زمن يعج بالقاصرات اللواتي تجاوزن الأربعين في العهر، وبلغن فيه سنّ الشيخوخة. هي امرأة طاهرة مريضة بالصحة في زمرة الأصحّاء بالوباء، في زمن يتعاطى فيه الناس علاجات وهميّة ليتمتّعوا بالحياة، هي امرأة ترفض مخدرات السعادة الوهميّة والشقاء المحتوم. نعم هي امرأة معقّدة، امرأة بالانقراض مهدّدة، امرأة تباغت الحسابات، لم تخلق أصابعها لعدّ الأوراق النقديّة في الفنادق وبيوت الدعارة ولم تخلق يداها لتُدلَك في المكاتب المغلقة والمطاعم والحدائق والجامعات وخلف المنازل، امرأة لم تطرق باب الشعوذة وأطباء النساء والتوليد لترمّم شرفها. امرأة لم يخلق جسدها ليساوم، امرأة يوميا تقاوم جهل النساء والرجال معا، جهل الضائعين والمتعصبّين أيضا. امرأة معقّدة وكاذبة، لم تفقد الله ولم يضيّعها.
امرأة ملقّحة منذ الصغر بدينها وأخلاقها ضد الفيروسات البشرية وأمراض الأخلاق المعدية، لها مناعة ضد الفساد، تعرّف جهاز عقلها المناعي على الجراثيم البشرية من سِماتهم ولحن قولهم، ومن تجاربهم وحكاياتهم، هي لم تكن بحاجة لأن تجرب هذا الجرثوم لتتّعظ فرحمة الله غمرتها منذ الولادة. امرأة لا تفتح المجال لأيّ كان ليلعب بها، هي ليست كرة غولف يحرّكها ملوك النصب العاطفي بمياجيرهم ليدخلوها في الحفر. هي ليست دمية كبيرة للأطفال الكبار. هي ليست دارة كهربائية بالنسبة لمن يعتقد أنها دارة وإن كانت فهي دارة كهربائية مفتاحها كالعقدة الغوردية مجهول، الكلام المعسول عندها مادة صلبة كالخشب والقماش والزجاج والورق وسائلة كالماء المقطر لا يمرّر الكهرباء إليها ولا يوهج مصابيحه ونظرات الذئب بالنسبة لها مادة عازلة. 
الرجل لديها ليس مشروع إنجاب وليس مشروع ارتداء فستان أبيض ولا أداة تباهي أمام الفتيات ولا عربة هروب ولا مارد فانوس علاء الدين السحري. هي امرأة غير صالحة للاصطياد فهي ليست بالحيوان الضاري ولا بالطير الكاسر، هي لا تنشر الشبكات ولا تحتفل بالفرائس والضحايا. هي امرأة معقدة لا تلتقط الحروف المتمرّدة ولا تغريها كلمات بناب أزرق. امرأة كالعِلم الدقيق معقدة وصعبة وكالأحجار الكريمة ثمينة وصلبة، لمبادئها جذور عميقة كالنخلة والصبّار، نعم هي امرأة كالصبّار قدرتها على العيش في الصحراء الملتهبة عجيبة، امرأة مغطاة بالعقد كما يغطى الصبّار بالشوك، فالشوك يحمي الصبار من الحيوانات وكذلك عقدها تحميها من الحيوانات البشرية التي تسعى لتتغذى عليها ومن شمس الحياة الحارقة، امرأة كالصبّار لو يعلم العالم  فوائدها الجمّة.
لا زالت معقّدة وستظلّ معقّدة كالعادة، معقّدة لحدّ السعادة، تعلّمت منذ الصغر أن كلّ أقدارنا سعيدة، نحن من نجعلها تبتئس، لهذا السبب هي لا تخون قدرها السعيد، إن خانته تتعس، فلا أحد يعلم أنّه شقيّ حتى يُثبت لنفسه بنفسه الشقاء. هي امرأة معقدة باقتناعاتها ويقينها، معقّدة عقدة غوردية حتى سيف الاسكندر الأكبر غير قادر على فكّ عقدتها. من يحمل سيف الاسكندر عليه أن يبارك عقدها فإن هو أوثقها معها كان سيّد مملكتها التي تختلف عن مدينة غورديوم. في الحبّ هي لا تسقط فجأة ولا تسقط بالطريقة التي يسقط بها مريض الصرع، في الحبّ هي كالمصاب بنوبة هستيريا تعرف صوب ماذا تمشي قدماها وأين تستلقي.
هي امرأة تخطأ كغيرها لكنّها تعود، هي امرأة تخاف الله في السرّ والعلن ليست مثالية وليست كاذبة لكنها موجودة، تستعين على الحياة بالصبر، قد تضعف وتنكسر بالدموع والحزن ومع ذلك تواجه العالم بقوّة. امرأة معقدة وغريبة وكنز الغرباء، هي العفة والصبر والحياء والإيمان والشجاعة في مجتمع لا يغفر للمرأة زلّات الطبخ، فما بالنا بالأخطاء الجسيمة وإن كان هو السبب!
هي العقد تجتمع لتمنحنا أشياء كثيرة، إما مرضا نفسيا وإما بذلة صوفية جميلة وقد تمنحنا امرأة صالحة ينعتها الدنيء بالمعقدة، نعم معقدة، فالعقدة هي الأداة التي تثبّت وتمنع من الإفلات وتقي من الانفلات وتربط الإنسان بخالقه وتوثق المبادئ بمرساها الصحيح.إنّها تتزيّن بعقدها كما يتزيّن شعرها بالضفائر،كلما زاد طول عقدها كلما ازدادت رونقا وبهاء.
هذا العالم بحاجة لأن ينتج في كلّ بيت امرأة معقّدة ليقوم، فطوبى للسيّدات المعقّدات.    

dimanche 4 mars 2018

الأخضر لا يليق بنا!

بقلم: حياة بن بادة



بسطور مطر كنتَ تختم المكاتيب:
من بعدنا يبقى التراب والعفن
نحن الوطن
من بعدنا تبقى الدواب والدمن
نحن الوطن
إن لم يكن بنا كريما آمنا
ولم يكن محترما
ولم يكن حرّا
فلا عشنا ولا عاش الوطن.
خلف حروفك لو تدري تبكي السطور، لا زالت في مواسم الذعر ترتجف، لا زالت بالشوق تعترف، ولا زالت إلى نثرك تختلف!
كتبتَ لي ذات صمود أنّك تكتب على أشواط، تكتب وحولك الموت يقطّع حروفك إربا، إربا لتحلّق مفتوحة الجراح على جناحي روحك سربا، سربا وتتوزع في داخلي مغلقة، فأنا الورقة!
صوب حروفك لو تعلم يتّجه الشتاء، يعصر قميص غيمة الأمل عليها لتمطر، فهل بقدوم ذاك الربيع ستزهر؟ هل ستتخذ السطورَ فراشا، هل ستغطّ في حبّها العميق، أم أنّها بحلول الصحو تتلاشى؟!
بين ثنايا حروفك يقف الأمان، يسبل زرعه، ينشر بين الحقول قمحه، تجري في سواقيه روحك التي افتقدت الاطمئنان، ومع ذلك ما فتئت تصدّره، بالله عليك أ لم يقولوا إنّ فاقد الشيء لا يعطيه؟! فكيف يهدأ لمرآك بالي إذا ما رسا لدى قدميك حالي؟! في حضن حروفك يغفو الأمل، وتلك الدروس التي لا تحتمَل تكتمِل، فلتداوني بحروفك ولتزمّلني ولتدثّرني بروحك. إنّي لا زلت على قيدك!
أخاف وأنا أنصت لذلك الصوت الفيروزي الذي وحّد شوارعك يناديني "سنرجع يوما إلى حيّنا ونغرق في دافئات المنى، سنرجع مهما يمرّ الزمان وتنأى المسافات ما بيننا" أخاف أن تطول المسافات فعلا بيننا وألّا نعود، أخاف أن تطول دندنات وجع العود، تلك التي لا ينضب دمعها. أخاف ألّا نعود فهناك فعلا "تلال تنام وتصحو على عهدنا"، نحنّ لها. هناك هدهدنا ذكرياتنا، هناك علّقنا حكاياتنا، هنالك أشعلنا النور فوق إشارات السرور وبريق الأمل.
إنّني كلّما مررت بمنعطف البريق أضعت الطريق، فيعود صوت فيروز يشتّتني ويغنّي حروفك التي ختمت بها البريد يخبرني كما العندليب أن "البلابل لمّا تزل هناك تعيش بأشعارنا" في موطننا الأول. أفكّر قليلا أن ماذا لو ما احترقت أعشاش السنونو؟ وبقت تغرّد فوق قشناّ وقرميدنا؟ أن ماذا لو ما خلف دقّات عيوننا وشجون أصواتنا البريد؟ أن ماذا لو بقينا نكتب على أخشاب السرو العطرية ما نريد، أسامينا، أغانينا، أمانينا، أحلامنا وأوهامنا وجنوننا وأعمارنا، أن ماذا لو مكثنا في عالمنا الأول ولم نكبر ولم نتحوّل وبقينا نجري مع الأوراق ونبحر معا على متن جدول، أن ماذا لو لم نغادر دمى صوفية وجلسنا نمشّط رأسها المجدُول أو ننتف ما تبقّى من شعراتها، أن ماذا لو لم نغادر سيارة صغيرة نحرّك بأطراف أصابعنا الرقيقة عجلاتها، أن ماذا لو لم نغادر حبلا طويلا أمتن من عضلاتنا نلفّه حول خصور الأشجار الكتومة، نتدلّى فيه كجفنات عنب دوما!
آه يا دوما! تنهّد صوت آخر..
أخبرتني أنهم يضربون الحياة بالقذائف والصواريخ والأسلحة والطائرات. أخبرتني أنهم يمزّقون ثوبها الأخضر بالأمراض والمجاعات، وكتبت لي أنهم مهما ضربوها ومهما مزّقوها فالنصر حليف الحياة. كتبت لي تذكّرني في السطر الأخير بقول الرّافعي "قضت الحياة أن يكون النصر لمن يحتمل الضربات لا لمن يضربها"، فعلّمني بربّك كيف تحتملون هناك الضربات وكيف يتحوّل الأطفال فجأة أبطالا وكيف تقاوم الأمهات، وكيف ينازلن سيف الآهات وكيف يفكّكن لغة الأموات ويضمّدن آذان الفراشات. علّمني بربّك كيف يسرقون هناك الطفل من حضن أمّه خلسة، كيف تغطّي أشجار السرو براعمها بأوراقها كي لا يطالها القصف، كيف تتغلّف بذور الجوز بأمهاتها حين ترتجف، وكيف تطير وحيدة مع اشتداد العصف. وكيف ينثرها الخريف بذورا في التراب وكيف يغطيها المطر وكيف يكسوها الأخضر وكيف تزهر وكيف تتسلق ظهر الحياة الجديدة حين يستجيب القدر!. أخبرتني أنهم يكسرون الإنسان هناك، يكسرونه بالأسلحة والدبابات، وأخبرتني أنّها في الحقيقة مجرّد مبراة، فالإنسان كلما بري كلما كُتِب في سجلّ التاريخ بخطّ أوضح!
تنهّد صوت عميق!
هنا أيضا في عالمي يضربون الحياة بعصيّهم ويكسرون الإنسان بآلاتهم، هنا حيث أنا، الإنسان طبق مشوي، يسلخ جلده ويحرّق جسده ويذبّح بسكّين بوذيّ، الإنسان هنا كائن وهميّ لا يكون إن لم يكن بوذيّا، الإنسان هنا لم يسلم من أيّ أذيّة! الإنسان هنا لا يكون إن كان مسلما بورميّا! وهكذا نباد مثلكم في الغوطة غربيّة وشرقيّة وسائر أرض الشآم.
هذه أنا..
في مقهى أوراقي عادة ما تلتقي الشعوب، في مقهى أوراقي الشعوب لا تذوب. كنت أخالها ستتعارف لكنها تعرف بعضها البعض منذ زمن، هنا يجتمع المظلومون ليملوا عليّ حكاياتهم، ليسردوا الألم والحزن والمحن. في مقهى أوراقي عادة ما يجلس الإنسان ليبكي وأحيانا يلتفّ حول قلبه ليلملم شظاياه وينشّف شلالات مآقيه العميقة ويخصّب آماله التي أردوْها عقيمة! لكن بلا جدوى، الحرب تلثم كل ركن منه عنوة.
 في مقهى أوراقي الضجيج، في مقهى أوراقي العجيج، في مقهى أوراقي الأحزان والدموع والدماء والأشلاء، هو مقهى أبيض الأرضية أدقّ مساحاته بمساميري السوداء. هو مقهى يتحول بحلولهم إلى رماد يجوب ما لذّ وطاب له من ربوع، أضيّفهم بالحروف تلكم التي لا تغني ولا تسمن من جوع! أجل، أضيّفهم بالحروف تلكم التي تتأثر كالنبت بالظروف.
هنا.. أرض خضراء فاقع لونها تسرّ الناظرين لم تعد تسرّ أيّ ناظر. هنا الشام، هنا الغوطة بشرقها وغربها، هنا بورما، هنا فلسطين، هنا العراق، هنا اليمن، هنا الصومال، هنا الإنسان مقطوع الأطراف يسلّم على الحياة بدمعاته، يضمّ نفسه بنفسه، وهنا ملخّصات رديئة تدوّن وجعها بمعاناته. هنا الأرض الخضراء حين تجهض خضابها الأخضر ويكسوها فستان الدخان الأغبر وتغادر طيورها أعشاشها الأولى لتحطّ في السطور، هنا هم وحولهم لا زلت كملاك لا يفقه من الدنيا سوى اسمه بريشتي أدور.
ولأنّ الأخضر لون الحياة هو لا يليق بنا، فنحن المصابون بالموت ونحن المبتلون بعمى الألوان. الأخضر لا يليق بنا، الأحمر يليق بنا فهو لون الرفض، الرمادي يليق بنا فهو لون الحداد ولون الحياد وإن بدا في معظم الأحيان متواطئا مع الأسود ومتدحرجا نحو الليل، ففي ألوان الليل لحن الموت الذي لا يجاريه لحن، هكذا هي سنّة الألوان وهكذا نحن!
على الجرح ها نحن مجدّدا نفترق، إنّهم بدمائهم يتطهّرون وبها نحن الآن نحترق. فماذا بعد؟
يئس الأمل منكم. لا تنقذوا الغوطة لا تنقذوا بورما وأخواتهما، الله لهم، أنقذوا أنفسكم فالأخضر لا يليق بكم!