samedi 26 mai 2018

والله متم نوره



بقلم: حياة بن بادة

"أنا لا أعرف ما هي الأسلحة التي سوف تكون في الحرب العالمية الثالثة ولكن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة" هذا ما قاله يوما ألبرت أينشتاين، لكن عن أي حرب عالمية ثالثة يتحدث أينشتاين ونحن لا زلنا لم نغادر مرحلة الحرب الباردة التي نقلتها روسيا وأمريكا علنا إلى حلبة تدعى الشرق الأوسط فاستهلكتا فيها ما لذّ وطاب لهما من دماء العرب في إطار كوميديا تراجيدية يصلح فيها قول الماغوط "كل طبخة سياسية في المنطقة أمريكا تعدها وروسيا توقد تحتها وأوروبا تبردها وإسرائيل تأكلها والعرب يغسلون الصحون."
 عن أي حرب عالمية ثالثة يتحدث ونحن أيضا لا زلنا ندور في الحرب العالمية الكبرى التي يحرّكها اليهود ضدّ الإسلام مذ بشّرهم عيسى بن مريم برسول يأتي من بعده اسمه أحمد. ولعليّ استنادا على ما يحدث في بلاد المسلمين وما آل إليه واقعهم قد أجيب أينشتاين وأخبره أن الحرب العالمية الثالثة التي تقصدها تدار بأسلحة نفسية تقوم على صناعة الخوف والرداءة والطاقة السلبية في بلاد الإسلام وتوريثها. إنّه حقّا الوهن ها نحن نعيشه، فالناس يلهثون خلف الدنيا وجلهم عن الآخرة غافلون.  
في الحرب النفسية التي شنّت على أرضنا يغرسون الحزن ويزرعونه في كل بيت مسلم، يزرعون الرداءة في كل ركن، والعجيب أنّ الطالح والصالح يتقاسمانها حتى لا نكاد نفرّق بينهما حاشى المصلحين. أيّ سياسة محكمة هذه التي تجعل نسب الاكتئاب والاحتراق النفسي والقلق والضغط وغيرها من الأمراض النفسية في ارتفاع؟ أيّ سياسة هذه التي نجحت في التضييق على الفرد من كل الجهات، فنشرت الجوع والفتن والأمراض والبطالة والجهل والتضليل، مسّت المجتمع بجميع مؤسساته التربوية والدينية والاقتصادية والسياسية وغيرها، فلم يعد المعلم معلما ولا الإمام إماما ولا طالب العلم طالبا إلا ما رحم ربي. أي سياسة هذه التي تضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب عمدا، أيّ سياسة محكمة هذه التي تخطّط سنويا لغلق اختصاصات جامعية وفتح أخرى لا تمتّ للعلم بصلة وتوجّه الطلاب عكس رغباتهم حتى يسود الكره والترقيع ويختفي الإخلاص في العلم والعمل، وتعمل على غرس الغباء في الطفل وتحرير المرأة لتتعدى حدود الله. أيّ سياسة تخويف هذه التي جفّفت القيم والمعاني السامية في الحياة ورسّخت الرداءة والأخلاق الفاسدة فصارت معتادة وعادية في مجتمعات لم تعد تستحي. أيّ سياسة هذه التي تحارب الشريعة الإسلامية بالمختصين فيها، فتجد المكلف بشؤون الدين أوّل من يحارب الدين ويبعد الناس عنه! أي سياسة هذه التي تحاول طمس الهوية الإسلامية والعربية في أوطاننا بل حتى تاريخنا، فأخذت تشوّه صفحاته وتنشر الإلحاد داخلنا. أي سياسة هذه التي تغسل الأدمغة وتقتل روح الحب والعمل والتربية في قلوب الناس فقضت على أخلاقهم وسهّلت لهم طريق الضلال. أي سياسة محكمة هذه التي تزرع البلادة النفسية داخل الشعوب عن طريق تقنية التعزيز حتى تصبح أخبار الموت عادية. أيّ فنّ هذا الذي يكمّم الأفواه ويرصف حجارة الجهل ويملأ الفراغات بالمطبلين ويوجّه خطب الجمعة ويقيّد الحريات ويسجن دعاة الحق ويعلّي الطواغيت؟ وأذكر هنا قول أحدهم "إذا أعطي المسلمون الحرية في العالم الإسلامي, وعاشوا في ظل أنظمة ديمقراطية فان الإسلام ينتصر في هذه البلاد, وبالدكتاتوريات وحدها يمكن الحيلولة بين الشعوب الإسلامية ودينها" فيا لها من سياسة ناجحة ومتقنة!
لقد صدق صدام حسين يوم قال "إن الصهيونية المسيطرة على مقدّرات العالم اليوم لا تسمح بظهور قائد عربي مسلم يحبّ أن يسير على خطى أجداده من القادة التاريخيين العظماء، بل تريد القادة العرب والمسلمين مجرّد موظفين صعاليك يسهرون على حماية المصالح الصهيونية في بلادهم مقابل حفنة من الدولارات، تماما كما يُعلف الحمار تمهيدا لتكليفه بمهمة شاقّة." كيف لا ولم نعد نربّي بل نشكّل بالطاقة السلبية والأنانية والدلال أو العنف أطفالنا فدمرناهم. كم من أم وأب يحلمان اليوم بتنشئة قائد يبعث الأمة من جديد؟ كم من أم وأب يسهران اليوم لأجل هذا الهدف،لأجل أن تعلو راية الإسلام؟ القائد المسلم الذي يخشاه أعداء الإسلام فقال فيه بن غوريون "إنّ أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد"، فكم من دكتاتور ينام اليوم في مهده بفسادنا ونحن نحاول إرسال آخر إلى لحده.
وعليه،ليتنا نعود إلى الله،ليتنا نؤمن بقوله تعالى "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى" ليتنا نعالج أوضاع مجتمعاتنا بالعودة إلى تعاليم ديننا،ليتنا ندرس الإسلام كما درسه أعداؤه وأعرّج هنا على ما قاله مونتجومري وات"إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام, فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى." ليتنا نعود ونكفّ عن التكفير والتصنيف والكسل والتخاذل وتوجيه أصابع الاتهام لبعضنا البعض. إنّ حالنا يذكرني كثيرا بقصة عرضها أستاذ علينا في الجامعة عن فتاة قُتلت في الشارع أمام جيرانها في إحدى المدن الأمريكية فلم يقم أحد منهم بإبلاغ الشرطة وحين قام باحث بدراسة السبب وجد أن كل فرد كان ينتظر من الآخر أن يتصل واعتقد كل واحد منهم أن جاره اتصل. هكذا هو حالنا نسمع أخبار الظلم وننام لست أدري أنفعل لأننا متأكدين أن هناك من يسهر على نبذ الظلم وإرساء الحق أو لأننا لا نكترث!
يستيقظ المسلمون يوميا متأكدين أن الساعة غير آتية متناسين قوله تعالى"إنّ الساعة آتية أكاد أخفيها"يعتقدون أن حياتهم في مأمن ولن تقوم الساعة حتى تتوفر لهم جميع علاماتها فتجدهم يصبرون أنفسهم بالأجيال القادمة فيتهاونون،يبصمون بالعشرة على قول مائير فيما يتعلق بانتصار المسلمين"هؤلاء المسلمين ليسوا من نراهم الآن، ولن يتحقق ذلك إلا إذا رأينا المصلين في صلاة الفجر مثلما يكونون في صلاة الجمعة." فيا أسفاه، يقرّون بخطاياهم ويتغافلون عن قول ربنا "إن يشأ يذهبكم أيّها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا" لاسيما مع عدد المعتنقين المتزايد للإسلام في زمن الردّة عنه. إنّنا نشهد نوعا من الردة، ارتداد عن الحق يجسده الرئيس والمرؤوس ومن يسمون أنفسهم علماء، فأخذوا يحلّلون ويحرّمون كيفما شاؤوا كأنهم لم يقرؤوا "يا أيّها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبوّنه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" فكم من مبطل للحق نسي أنّ الله متمّ نوره!




mardi 15 mai 2018

حبّ اضطراري!


 بقلم: حياة بن بادة

مغرم أخوك لم يزل، يخط بالقلم قصص الحبّ التي غزت قلبه، يجسّ نبضه في كلّ سطر ليتأكد من الحروف التي تجلس عليه أنّه مستقر في الحبّ كثابت رياضي، وأنّ الحبّ يغلي فيه إلى المئة وسيتجمّد فيه عندما يؤول إلى الصفر ومآله إلى الهوى بعد أن ألقاه في حضنها الهواء! علمونا في المدرسة أن العلم نسبي ومتطور وما هو صحيح اليوم قد يصبح خاطئا غدا، لطالما اعتقدت أن الحب كذلك، لطالما آمنت أن الحبّ كالعلم يتغيّر وأن مفهومه يتأثر بالسن والنضج والسنوات حتى قابلتها. إنّها العشق الذي نصبته بيديها على أرض قلبي، فما تغيّرت مشاعري تجاهها مذ قابلتها!
 تسألني عنها، فأخبرك أنها الحبّ الذي أكسبني غنيمة من السطور وكومة من الذكريات ووطنا من فراغ أترعته بالشوق وشحنت به قلبي، فسخّرت لها أقلاما، تارة أرسمها وتارة أكتبها، فما مات عشقي لها منذ افترقنا وإن ماتت بقايا من خيالها عند الحدود وتلاشى ظل فستانها المكسور بياضه بالمطر خلف تضاريس الجغرافيا، فنحن البشر أسرى الذكريات، حوّلنا أثاث الماضي لبيت حاضرنا في حكايات وجعلنا بأقلامنا كلّ حبّ حيّ! حين يذوب واقع نستجمعه في خيال ونحييه بالحروف فتراه مكتملا لا يشوبه نقص وحاضرا كأنه لم يعرف الغياب. لم أكتب يوما فيها قصائد كالتي قالها كعب في سعاد، بل أردد كلما مرّت من أمامي وأبصرتها من نافذة كتاباتي قوله تعالى "لرادك إلى معاد"، فمن كان يتخيل أن أقع وما وقعت يوما إلّا في حبّ التي أنجبتني؟! هكذا يعبّر رجل عن حبّه لمدينة احتضنته، فسكنته حين تلبّس بقلبه هواها.
يحدث أن نحبّ موطنا لم ننتسب إليه يوما بالورق ومع ذلك ننفق في حبّه الورق، نحبه حبا اضطراريا. نكتبه كلّما دغدغت ذكراه قلوبنا، نكتبه بالفرح والألم، نكتبه بالشوق والقلم، نجعله بأقلامنا حيّا بعد أن مات جغرافيا في مجموعة حدود ودفن فينا للأبد. ننبش قلوبنا عند كلّ ذكرى لنخرجه في بضع حكايات مكرّرة ومجموعة سطور معطّرة وذكريات مصوّرة. يحدث أن نعشق مدينة حفظت أشياء فينا، تستّرت علينا ورافقت قلوبنا التي لطالما جابت شوارعها ودروبها ومارست طقوس الشكوى والضجر فيها بحريّة وشاركتها الخطايا في سريّة ومشت في أزقتها وأسواقها يدا بيد وتجسّست على مقاهيها، وتعجّبت من أعراسها وناسها وطعامها ولباسها وشاركتها الجنون والمجنون والضحك والضاحك، والحزن والمحزون والضجر والقرّ والحرّ والسمر والمطر بترانيمه الشجية والصور.
يحدث أن تخطف قلبك نغمة عابرة صدفة بين شجن الحجارة العارية وبسمة المباني البالية، فتجدها تغنّي لك. تتساءل كيف شدّت قلبك، ولم تكن تفعل يوم شغّلتها في هاتفك، فتدرك أن جدران المدينة هي التي ألقت عليها تلك الشحنة العاطفية وجعلتها تتمرّد عليك كلما أسلمتَ لها أذنيك. يحدث أن تبلغ في حب مدينة عتيّا فلا تدري من أين سقط عليك هذا الشعور حين يقودك حبّ اضطراري إلى قدميها، يحدث أن تعشق نغمة لأجل عينيها!
يحدث أن تغادر مدينة وأنت مصاب بوسواس قهري يناجيك أن قد نسيت شيئا وستندم فور وصولك إلى المطار، تفقّد من جديد، تفقّد ما تفقد، ومع ذلك تمضي في سبيلك كأنك في الوقت نفسه تعلم أنك نسيت شظية من قلبك، ولم تأخذ معك سوى جسدا وحقيبة وذكريات كثيرة وبعض الأشياء الغريبة، ففي كل مدينة نعشقها ندفن شظية من شظايا القلب المنفطر بالفراق. أتذكر مقولة لأرسطوفانيس قال فيها ذات يوم "أينما رزق الإنسان فذاك موطنه" نعم أينما رزق المرء فذاك موطنه والحبّ رزق كبير، حيثما وجده القلب استقرّ.
ثمة طيور تهاجر لتعود، ثمّة حمام زاجل يسافر في مهمة ثمّ يعود، وكالطيور نحن. نستجيب للظروف كالفراشات، نهاجر أملا في أن نجد حضنا يحتوي أحلامنا ويدفّيها، نجده لكنّ صدورنا تضيق به، لا نؤمن بأنّ كل فرصة قد تعوّض بواحدة أفضل منها، نعتقد أن الحضن الأول لا يعوّض، فجأة ونحن على رصيف من حقائب وطريق من تذاكر وأحضان من فراق نشتاق، فنتمنى لو نبقى قليلا. هناك محطّات لا تُنسى لأنّها تفشي فينا الكثير من الحبّ من الوهلة الأولى ومحطّات أخرى تبعث في النفس الضجر، تبدو فيها قلوبنا مكتظة وضيقة في بادئ الأمر، نجهل أنّ في قلوبنا تطبيق بيوت هذا الزمن، فالبيت كلما توّسع كلما فرغ، وهكذا هي القلوب كلما توسعت كلما استفرغت وتعافت وأحبّت، عدا أن البيوت الحقيقية تكتئب.
كم من مدينة على طراز السيدة فون كورفيسكي تقضي فترة من عمرها تمرّضنا وتعتني بنا، تداوي جراحنا وتضمدها حتى نقع في عشق عينيها، نكون فيها همنغواي آخر، نتمنى ألّا نفترق، أن نظلّ مع بعض، أن نشرق ونغرب على وجهينا، أن نتجاذب أطراف الحديث، أن نكتشف بعضنا البعض أكثر، وفجأة يهبّ الانفصال، فإذا بنا لا نحتمل فراقها فور الطيران. بعيدا عنها نختار الانتحار لكن على عكس همنغواي انتحارنا لا يحدث إلّا على جسر من ورق، نكتب في الورق قصة حبّ ماتت طقوسه عند الحدود وظلّت حيّة فينا، فهل جرّبت أن تحبّ موطنا لم ينجبك وتطيع الحب فيه كأنه فعل؟!
هل جرّبت حجر وحضن أمّ لم تلدك؟ هل جرّبت أن تعود طفلا فيها، طفلا في حذائها تتعثر كلما حاولت إلقاء خطوة في ساحاتها لتكتشف قدراتك فيها وتتهجّى لهجاتها فتضحك والأصدقاء لزلّة حروف مشتتة هنا وهناك؟ هل جرّبت أن تتوه بين ذراعيها وأنت تحاول إقناع نفسك أنّك قد حفظت كل الطرق التي تؤدي إلى وجهها لتطبع قبلة انتماء على جبينها؟ هل جرّبت أن تكتم مشاعرك الأولى حولها عمّن حولك وتصارحها بها، فتشعر أنها بدورها تفعل وتنتظر أن تحبّها فتحبّك أكثر؟! أمّا أنا فجرّبت!
مثلما نقع في حبّ البشر نقع في حبّ المدن، قد يرسم البشر بينهم حدودا لكن بين الناس والمدن الحبّ لا يعرف المختصر، في حبّ كهذا الكبرياء يتبخّر، لا حدود تُخَطّ ولا حروف تدّخر، لا مشاعر تُكبَت ولا كلمات في دفاتر الغزل الخفيّة تُربَت. الحب هنا كالجغرافيا كلّ يوم نكتشف فيه الجديد، يوميا يطلب منّا المزيد. هنا الحبّ يفيض كشلالات اجوازو ونياجرا وفكتوريا ويعلو كقمة إفرست. هكذا هو أعمق من خندق ماريانا وأكبر من بحر الفلبين وأوسع من المحيط الهادي وأكثر شراسة من بركان مونا لوا. يا إلهي! حبّ المدن حبّ غير عادي، ممتد كالدروب ولامنتهي هو يا قلبي كالحروب!