بقلم: حياة بن بادة
هنا في مخيّمات الذّاكرة ومعتقلات الواقع، لا يزال مع
كلّ اسم يقطن في داخلي حزن يرتسم، وفي كلّ أرض فقعتها الفواقع، وأنستها كيف تبتسم،
ما فتئ حزن مع حزن يَقتسِم، وفي ساحة ورقي يعتصم. تتراكم الأحزان لتغفو على صدري
كما يتراكم المستضعفون فوق غصن التاريخ يا أمّي، وحسبي ما قاله الرّافعي يوما "إن المرء إذا حزن
استدعى كل أحزانه السابقة كأنّ حزنا واحدا لا يكفيه" هذا الحزن لا يجافينا يا
معشر الحكّام، وحزن واحد لا يكفينا، ليت شعري هل يكفينا وحاكم واحد عادل بينكم ليس
فينا! واحد بالظلم والطغيان يكوينا وآخر عند الحدود يرمينا وآخر بالزيت الحارق يسقينا.
زيدونا حزنا زيدونا وهل بغير الحزن كرّمتمونا؟ أبيدونا بالحزن أبيدونا وكلما نضجت
جلود أرواحنا في مكان بآخر بدّلونا ومن آخر أعيدونا كي نذوق العذاب ونذوب بالاكتئاب.
هذا الحزن الذي أرسيتموه في أرحام أوراقنا، لحّنتم به أغنياتنا، لوّنتم به لوحات
رسمنا وثبّتموه في عيوننا!
في حزني اليوم يقيم غضب عظيم، وزنته بينكم
بالقسطاس المستقيم ولن أبخس أيّا منكم أشياءه، وبقدر ما ردّدتُ بلاد العرب أوطاني
مذ كانت على إثرها تسقط أسناني كأني بها كذبة، تستشيط حروفي العذبة. وبقدر ما ذبت
في "التأشيرة" وتلمّستُ فيها كيف داست أحلامي الصغيرة كراسيكم الكبيرة،
وكيف قصّرت أمنياتي الجميلة أعماركم الطويلة وكيف نحرتم جناحيها وكيف مزّقتم
نعليها واغتصبتم فرحتها وقيّدتم صرختها في واد غير ذي زرع كانت ستكون زرعه لو ما
حرّقتموها اسمه وطن تستشيط حروفي.
حتى أنا عندما كنت طفلة
حفظت بلاد العرب أوطاني ولما كبرت نسيت تلكم السيرة فما حفظت غير التأشيرة تبكي
على بضعة ألحان. وكأيّن من قلب قطع تذكرته "من الشام لبغدان ومن نجد إلى يمن
ومن مصر فتطوان" ينادي بلاد العرب أحزاني وقد كان بالأمس يشدو بلاد العرب
أوطاني تلك التي طفتها في نشرات الأخبار فرأيت في كل بلاد بركا من دم وجبالا من
همّ وبحارا من ألم وحاكما لا يعلم. إلى متى ونشرات الأخبار مصابة بالزكام يا معشر
الركام؟ إلى متى تخيّم عليها الظروف الماطرة واضطرابات نوم شريطها العاجل. إلى متى
تُمزج في تقاريرها الحرب بالثقافة والرياضة والاقتصاد؟
ألقيتم أحلامنا في غيابة
الجبّ، حرمتمونا من كتابات الفرح، من لقاءات الحبّ، من ألوان قوس قزح، من أحضان
بشرية استبدلناها بملصقات فيسبوكية يضمّ فيها قط الآخر ويقبّل فيها كلب الآخر كأنّ
الذي أنشأها وجعل منها زوجها وأخرج منها قلبها وعدّد ألوانه ليصفرّ عند الصدمات،
ويخضرّ عندما تتعفن الجراحات، ويزرقّ عندما يتجمّد عند الحدود في الشتاءات، كان
متأكدا أننا سنكون أكثر من يستهلكها، فالعرب بطبيعتهم وجدانيون وها هم يتفرقون. كنا
لحما وجلدا فأصبحنا رسما الكترونيا، حرمتمونا من أحضان وقبلة ومصافحة طبيعية، من
ضحكة ربيعية، حرمتمونا من بيوت دافئة وظننتم أنكم مانعتكم حصونكم من الله وقراطيس
شيوخكم وفتاويهم تخربون بيوتنا بأيديكم وأيدي المشركين، ألا "تقسّمنا على يدكم فتبّت كلّ أيديكم".
حزني اسمه سوريا ينام
الليلة في درعا يتمتم (باب الرحمة إلنا) يستيقظ في القدس ينادي القدس لي، يفطر
بالحصار في غزّة. حزني اسمه درنة، حزني اسمه يمن، حزني اسمه عراق، حزني اسمه
أركان، اسمه الصومال، اسمه أفغانستان، حزني اسمه بدأ يكبر، انتظر قليلا حزني اسمه
الخان الأحمر، حزني عقدة خامسة تقيّدون بها حلمي الذي ضحى لأجله أكثر من مليون
ونصف شهيد، حزني مقبرة الحلم البعيد تلك التي تسألني هل من مزيد! أ لم تر أنّ حزني
فعلا بدأ يكبر، وكلّما كبر يدميني وحزن واحد لا يكفيني، جميع أحزاني تستدعيني فهنا
أسرى السجون من الشام لبغدان ومن نجد إلى يمن ومن مصر فتطوان، هنا الغوطة وهناك
إدلب وخلفها حلب وفي أحضانها حمص وخلفها الموصل وهنا فلسطيني تستذكر ياسر وعهدي
وإسرائي وسوزاني وياسميني وغيرهم ممّن لا أحفظ أساميهم فقد اعتكفت في الدار وقصيدة
البارودي لم تعد تستهويني، وحدها تأشيرة "الجخ" لا زالت تبكيني.
سأبحر
عندما أكبر، أمرّ بشاطئ البحرين في ليبيا
وأجني
التمر من بغداد في سوريا
وأعبر من
موريتانيا إلى السودان
أسافر عبر
مقديشو إلى لبنان
وكنت
أخبّئ الألحان في صدري ووجداني
بلاد
العرب أوطاني وكل العرب إخواني
وحين كبرت
لم أحصل على تأشيرة للبحر، لم أبحر
وأوقفني
جواز غير مختوم على الشباك، لم أعبر
كبرت أنا
وهذا الطفل لم يكبر.
لَعمري "سيبقى الطفل
في صدري يعاديكم" وحقيق عليه أن يقاضيكم، "تقسّمنا على يدكم فتبت كل
أيديكم". يا معشر الركام من منكم لم يسمع بـ "وا معتصماه"
امرأة بعمورية يتحرش بها رومي فيمسك بطرف جلبابها، تسحب إلى السجن تصرخ وا معتصماه
وا معتصماه، فيستجيب المعتصم ويرسل إلى أمير عمورية رسالة خلدها التاريخ فيها
"من أمير المؤمنين إلى كلب الروم أخرج المرأة من السجن وإلّا لآتينّك بجيش
بدايته عندك ونهايته عندي" وفي الخان الأحمر تسحب خمار فتاة كلاب بني صهيون
على مرأى ومسمع أكثر من خمسين كومة وأكثر من مليار مسلم، فكيف لا يعاديكم الطفل
الذي في صدري بالله عليكم كيف لا يقاضيكم؟ خرج المعتصم في رمضان ناصرا لامرأة ففتح
عمورية، في رمضان علمتمونا ألّا ننتصر لغير بطوننا فصرنا نختبئ منه كلّما طرق
بابنا، وزمانا كان يخرج فيه رجال الإسلام لله من بدر لفتح مكة إلى معركة بلاط
الشهداء وفتح الأندلس وحطّين بمجد صلاح الدين وصولا إلى الثالث والسبعين وتسعمائة
وألف يوم كنّا، نحن الذين ما عدنا، يوم هزمنا جيوش بني صهيون. أعلم أنكم لا تدرون،
غير أنّ الطفل في داخلي يدري ودروس الطفل لا زالت في صدري وسيبقى الطفل في صدري
يعاديكم، سيبقى الطفل في صدري يقاضيكم.
يا معشر الركام دخلت امرأة
على قيس بن سعد تقول له "أشكو إليك قلّة الجرذان في بيتي" فأمر على
الفور بتجهيز بيتها بالطعام والكساء. كم من مخلوق يشكو الجوع والنار فلا البشر
سلموا ولا الأشجار وكم من حوت في البحر المحتار يشكو ازدحام الشباب على بطنه؟
أمّا أنتم يا شيوخ البلاط، أين
أنتم من الإمام أحمد بن حنبل الذي أفرغوا عليه العذاب يوم لم يفتِ بخلق القرآن، أ تحلّلون
وتحرّمون باسم الساسة والسياسة وتنسون يوما ترجعون فيه إلى الله وتضعون أيديكم فوق
يد المنكر وتنهون عن المعروف وتصمتون عن الحق وتنصرون الظالم وتقفون موقف الخصيم
للخائن والظهير للمجرم وتسبّحون بحمد الحاكم! فكيف إذا جمعكم الله ليوم لا ريب
فيه، أ ينجّيكم حكامكم أم تبرّئكم منظمة الظلم المتحدة التي ما فتئت تصفق لرقصات
سكين تتمايل على أجسادنا متّئدة!
أمّا أنت يا وطني أحطت بما
لم تحط وجئتك من قلبك بجرح يقين، في زواياك يا وطني دفنوا مليون مسكين، في زواياك يا
وطني يتّموا مليون طفل وأكثر وما لا نهاية من حلم فهل تدري وهل تعلم؟ كم تذكرة
قطعت لأجلك ولم تمنحني إذن العبور إليك، كم تذكرة جمعت ولم تمنحني عدا صفة لاجئ
تحرسك منه الحدود. وحسبي أن جعلت قلبي ذلولا لتمشي في مناكبه وتأكل من رزقه فكفرت
بأنعمه ورضيت لباس الجوع فسوّدت وجهك. وحسبي أن أعتدت لك صدري متّكأ وكنت أناديك
كما نادى جبران أن يا سيدي نفسي "مثقلة بأثمارها فهل من جائع يجني ويأكل
ويشبع" فما استجبت ورحت للخبيث وبين يديك الطيب. عميت يا وطني وليس على أعمى
مثلك إلّا الحرج. كنتَ السفينة يا وطني وكان يأتيك من كلّ فجّ غريق ومن كل غريق
صديق فخرقتها بفأس الضريبة والحياة الكئيبة كي لا نحيا ولم تُبقِ على شيء فغرقت
وظل الملوك يأخذونك غصبا، بخروقك أحبّوك وبها استعملوك. ضيّعت يا هذا كم من فرصة
وعلى متن الفرص أبحرنا جميعا.
قارص بردك، كفترات أنتاركتيكا
أنت اليوم يا وطني التي لا تشرق فيها الشمس شتاء ولا تغيب فيها الشمس صيفا وبين
شتاء وصيف كهذا ضيّعتنا. ليت شعري هل تبالي بنا؟ ليت شعري هل تحفل! أهواك وما عدت
ألقاك إلّا خلف سطوري الغاضبة أهواك وما عدت أطيق عيش الذل في لقياك، أشتاقك وأشتاق
عيشا كان فيك ما عدت أحياه، وصبحا فيك ما عدت ألقاه. أهواك يا وطني وما هكذا أهواك!
فلا الجلال ولا الجمال ولا السناء ولا البهاء ظلّوا في رباك، ويا ليت الحياة
والنجاة والهناء والرجاء اعتكفوا في هواك، أهواك يا عمري الذي ضيّعوه وما هكذا
أهواك!