jeudi 21 février 2019

أنف من زجاج؛ إن سقط تكسّر!

بقلم: حياة بن بادة


في الحبّ كما في الحرب، نفوس توجَع، قلوب تفجع، أوزار في النهاية توضع ومعالم أثرية بالنار من الجذور تُقلع. في الحبّ كما في الحرب، طرف مستضعَف يبسط صدر الثقة وآخر أناني يؤدّي دور الجاني؛ يزحف طمعا في توسّع مجاني، لا يذر رأسا على وسادة، يعيث في القلب فسادا، لا يكاد يبقي في الجسم على روح، يمتص ما فيه من حياة ويروح!
 في الحب كما في الحرب، يقف الطرفان على ضفتين من أمان ثم فجأة يلتحمان. غير أن التحام الحب مختلف جدّا، وأشبه بالتحام الضمادة بالجرح، كأن أحدهما قطن والآخر جرح! وتعلم أنت جيّدا شدّة الالتصاق، فاحتكاك كهذا سيحدث أزمة عند الفراق، سيستدعي ألما وبكاء ودموعا وأسلحة مرطبة، تعمل على إضعاف قوة الضمادة المعذّبَة، وتحريرها من عضّة الجراح التي بلغت النصاب من الغذاء، فالتأمت بقدر يؤهلها لتأدية فريضة الزكاة والتصدق بالضمادة  لسلة المهملات، هناك حيث يقدّر عليها الزوال بفعل عادة الإهمال، فهي لم تعد تصلح للاستعمال. أتدري يا بنيَّ ما هذا؟ هذه قصة المدعو "حب" يوم ربط بين السيد جرح والسيدة ضمادة! فتبّا له من حبّ مزوّر..
وبعد مدّة حصحص الشّقّ؛ تفزّر الجرح وتولّى، فلم يجد الضمادة التي عنها تخلّى، وما جارت عليه ولكن حقّ جزم الفعل المعتل بالحذف لا الساكن، وما جارت عليه ولكن حقّت كلمة الفراق على الخذول، وطفق يمسح بالاعتذار وجهه الخجول، فلم ينفعه ندم على رِدّة أمام ما فرضته أنفتها من حِدّة. عاد الجرح ينادي؛ أن عفوكِ يا بلادي؛ لو أن لي كرة فأكون من المقربين، ومعي تسعدين، ثمّ خرّ باكيا يتحسّر، غير أنّ للضمادة أنف من زجاج؛ إن سقط تكسّر! التفتت هي بعزّة، أغرقتك –قالت- في عطائي، ولما اشتدّ عودك لم يعد يدثّرك غطائي، ولم يعد يستهويك بقائي. أنا التي لففتك بأثوابي، أنا التي فتحت لك أبوابي، تتبوأ من القلب حيث تشاء، ما عادت لك فيه زلفى مذ بعت ما كان بيننا من ألفة. أ تعود بعد أن افتقدت الإحسان في بُعدي، لتعدني بحبّ لا ينبغي لأحد من بَعدي؟! الحب يحفظ الكرامة يا سيدي وحبّ كذاك الذي أفلتّ به يدي ليس حبا وإنّما رياء، لم يزل يكتسي فيك ثوب الكبرياء!
قصصنا نحن البشر يمكن لأي شيء على وجه الأرض أن يجسّدها يا بنيّ، ويمكننا التعبير عن سلوكنا بمحاكاة وظائف أشياء بسيطة من حولنا، ويمكن لعضو في هذا الجسد الضعيف لم نطلق عليه يوما صفة النبل العلمية أن يختزل قيمة عظيمة ويعبّر عنها بمفرده. يمكن لجزء أن يحفظ الكل كأن يتقدم الأنف وجه الإنسان ويحفظ ماءه، حين يكون معناه الكرامة وما أدراك ما الكرامة! فقالت العرب "فلان حميّ الأنف" "فلان لا يكسر أنفه" "قوم شمّ الأنوف" "وذاك إنسان أنوف" "وإياك أن تمرّغ أنفك في الوحل" فكان الأنف من كل شيء أوّله تماما كما الكرامة، وجعلت كسره تعبيرا عن الذل والمهانة فقالت "رغم أنفه"، ويكأن الإنسان يتنفس بأنفه الكرامة يا بنيّ! وكيف لا يكون ذلك وقد جاء في قوله تعالى إعلاء لشأن الإنسان بالكرامة "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".
حكاية الجرح والضمادة هذه هي حكاية الفراق البائن، ذاك الذي ذاعت أخباره في المدائن، هي حكاية كل أولئك الذين جعلوا القلب ذلولا لمن حملوا لقب أحبّة، فسلكوا سبله دون أن يضرموا فيه شيئا من الإحساس، أولئك الذين رفعوهم ذات عهد على الرؤوس تاجا في محلّ كلّ الناس، فمضوا في الأرض كالسّامري يقول لا مساس، محرومين منهم للأبد. حكاية الذين استحوذ عليهم النسيان فأنساهم ذكر من أخلصوا لهم، حكاية الذين عادوا من خذلان قديم حافين من حولهم.
 حكاية أولئك الذين كانوا لنا الأصدقاء والرفاق، أولئك الذين أغرقونا في النفاق، أولئك الذين عادوا بعد أن هدّدونا في الكرامة؛ يلتمسون منا مودة وملامة، نطمئنهم بها أنهم هنا في الفؤاد مقيمون، وأنّنا على عهد الغباء والذل باقون، أولئك الذين عادوا يدوسون أرضنا وأبوابنا يدقّون، فرفضنا لقاءهم ونبذناهم في الهمّ، كما زجّوا بمشاعرنا في ميتم؛ ليس فيه إلّا الألم، وأقحمونا في كرب ضروس لم يبخل علينا بالعبر والدروس. حكاية الذين لم يشعروا بقيمتنا إلّا بعد أن جرّعونا الفقد البنّاء فسقيناهم بدورنا الفقد الهدّام، أولئك الذين غادرناهم بكل جسارة، فتذوّقوا من بعدنا طعم الخسارة. حكاية الذين عادوا يحاولون بعث كلماتنا من مرقدها، يحملون تابوتا فيه ذكريات بالية ومواعيد حزينة وبقية مما ترك القلب فيها، وهم عن أفراحنا غافلين، كأنّهم نسوا أنّنا لا نحبّ الآفلين! ونسوا أو تناسوا أنّنا نتحوّل، كملامح طفل في عامه الأوّل.
ويحدث أن تفيء إلى رشدك في لحظة تحرّش بالكرامة، فتلبس كلماتك ربطة عنق ويرتدي حديثك بذلة رسمية لم يعرف لها من قبل سميا، بعد أن كان يصدح بكل عفوية آناء الليل وأطراف النهار في ساحاتهم؛ يقرأ الأذيّة هديّة. ويحدث أن تطوي الكتاب ويحدث أن تنتهي صلاحية العتاب ويحدث أن تنسحب من ملعب الكذب وتعود لضفتك في صمت وهدوء وكلك إيمان أنك على حق وأدّيت الواجب، وكلك ثقة أن التخلّص حل صائب؛ يقيك من المصائب، أنّ التخلّص يحفظ الكرامة فلا ترى وجهك مصفرا أو حطاما. يا بنيّ ما من حب صادق على وجه الأرض استفزّ في حياته الكرامة، وجلس في شوارعه يستجدي الناس اهتماما. وما كرهناهم ولكن لم نذر لهم في القلب الأماكن، وما كرهناهم وإنّما تعلمنا أن نحبّ أنفسنا، كما أحبّوا المادة والأهواء!
قال أندرو كارنيغي يوما "جروح الكرامة يصيب بها المرء نفسه بنفسه" فاحذر أن تصيب نفسك بسهم نفسك. واعلم يا بنيّ، ربّ امرئ عرف قدر نفسه، احترمها ورعاها فلم يظلمها، وأقامها على الحق فاستطاع به أن يفرق بين الظلمات والنور، ووفّر لها الحماية من كلّ انتقاص وجور. ولو أنّ كل إنسان على وجه هذه الأرض عرف قدر نفسه يا بنيّ؛ لما اختلط مفهوم الحب بالشوائب ولما عرفت الحروب طريقا إلى البشرية، ولو أن الضمادة أدركت هذا في البداية، لما استفزّها الجرح بتلك النهاية. وكم صدق ابن تيمية حين قال "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"، الاستقامة التي تحفظ الحقوق وترتّب الواجبات، الاستقامة التي تجعلنا منصفين مع بعضنا البعض، كرماء ورحماء وأوفياء، صادقين ومتعاونين ومتحابين ومحسنين، فلا يقربنا بالسوء إلا ظالم لنفسه مبين. وتذكّر يا بنيّ الموت أجمل من عيش فيه ذل ومهانة، فاحفظ الأمانة.        

  

mercredi 13 février 2019

اضطراب الولع بالأطفال..مريض يعاني وطفل في خطر!

بقلم: حياة بن بادة


"أبلغ من العمر 24 عاما،أنا مولع بالأطفال مذ كان عمري 10 سنوات على ما أذكر، توصّلت إلى بعض المنظمات التي تدعم المصابين باضطراب البيدوفيليا عبر الإنترنت،سوى أن هذه المنظمات تشجّعها ولا تهدف لالتماس علاج مناسب لها، وتؤكد أن الشخص المولع بالأطفال على حق ولا يقوم بشيء خاطئ،لكن قلبي لطالما حدّثني بالعكس. إنّ اليوم الذي يكفّ فيه العالم عن اعتبارنا مجرمين بل أناسا بحاجة إلى المساعدة دون الحكم علينا هو اليوم نفسه الذي نحظى فيه بالحريّة وتتضاءل فيه نسبة العنف ضدّ الأطفال دون أدنى شكّ."
"أنا مراهق وأميل للأطفال ما بين 7 إلى 13 سنة حسب مظاهرهم، كما أنّني أنجذب لكلا الجنسين سوى أنّني أفضّل الذكور. لا أعتقد أنه بإمكاني أن أخبر أي فرد من عائلتي بشأن ما يحدث لي، كما أنني أشعر بالقلق حيال ذلك وأخشى أن يكتشف الناس أمري فيحرمونني من أن أتطوّر لأحظى بوظيفة ناجحة، أو أن أدرس بشكل جيد في سنواتي الأخيرة من الثانوية، إنّه موضوع حسّاس للغاية. ويعتقد العديد من الأشخاص أنه واحد من أبشع الجرائم في العالم التي تتجاوز حتى جريمة القتل، لكنني لم أقم بسوء وأرجو ألّا أفعل."
"أنا أبحث عن طرق تساعدني في التغلب على مرضي، أنا مصاب بالبيدوفيليا، لكنّني لم أؤذِ طفلا قط وأشعر بالتعب بعد ما يقارب 15 سنة قضيتها وأنا أكافح مرضي. أنا أبحث عن طريقة أشتري بها الدواء دون التعرّف على هويّتي عبر الإنترنت للقضاء على رغبتي كوني لا أعرف أي طبيب نفسي يمكنني أن أأتمنه على سرّي."
"أنا رجل في منتصف الأربعينات من العمر،أنا مصاب بالبيدوفيليا، وأميل إلى الأطفال الرضع وحتى سن 12 كأقصى حدّ، لا أنجذب للأشخاص الكبار كما أنني أعزب منذ الـ 10 سنوات الأخيرة بسبب هذا المرض، لم أتورط قط في علاقة مع طفل وأعلم أنّني لن أفعل. إنّي يوميا أكافح."
هي رسائل وحقائق وشهادات يسردها مرضى البيدوفيليا (الولع بالأطفال) المنخرطين في منظمة افتراضية تدعىVirtuous Pedophiles  (المولعون الفاضلون بالأطفال) تصفحتها حين عزمت الكتابة في هذا الموضوع، خاصة بعد أن قرأت عن منظمات وجهات تسعى للاعتراف بها وقبولها مجتمعيا كحق وكتوجه جنسي لا اضطراب؛ مما يجعل الطفل مسخّرا لخدمة رغبات هذه الفئة الجنسية، وما سيشكله ذلك من خطر مضاعف يهدد الطفولة، ويسمح بتفشّي الاضطراب داخل المجتمعات حتى تغدو الحياة فوضى وكارثة يسبح في بحرها مرضى تهرّبوا من العلاج!
ما هي البيدوفيليا؟
البيدوفيليا Pedophilia ، الغلمانية، اضطراب الولع بالأطفال، اضطراب اشتهاء الأطفال أو مرض عشق الأطفال هو اضطراب نفسي يتميّز بالانجذاب والميول الجنسي للأطفال من كلا الجنسين أو أحدهما؛ وهم الأطفال الرضع إلى الأطفال في سن 13 سنة غالبا. وينقسم المصابون إلى الذين يعانون من خيالات واستثارة جنسية تجاه الأطفال تدفعهم نحوهم دون إيذائهم مع الشعور المستمر بالقلق والخجل والذنب، وبين من يصل بهم الأمر إلى درجة الاعتداء الجنسي والاغتصاب وهم نادرون، وبين من يكتفون بالتحرش بهم من خلال مداعبتهم عن طريق اللمس، والتعرية، والتقبيل للتلذّذ ولإشباع الحاجة الجنسية الملحة التي تتملكهم. ويصنّف هذا الاضطراب في خانة اضطرابات الولع الجنسي Paraphilic Disordres حسب الدليل الإحصائي والتشخيصي الخامس للاضطرابات النفسية. جل المصابين بالبيدوفيليا هم من فئة الرجال وتعد النساء المصابات بهذا الاضطراب من الحالات النادرة.
معايير تشخيص البيدوفيليا:
وفقا لما ورد في الدليل الإحصائي والتشخيصي الخامس للاضطرابات النفسية DSM5 فإنّ معايير التشخيص بالبيدوفيليا تستند إلى الأعراض الآتية:
-         خيالات جنسية مثيرة كثيفة ومتكررة على مدار 6 أشهر على الأقل، زيادة عن رغبات جنسية أو سلوكات تتضمن النشاط الجنسي مع طفل غير بالغ أو الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 13 سنة فما أقل.
-         يتصرّف الفرد وفقا لهذه الرغبات الجنسية، وتسبّب الرغبات الجنسية أو الخيالات ضيقا ملحوظا أو صعوبة في العلاقات الشخصية.
-         يبلغ الفرد على الأقل 16 عاما ويكون أكبر بخمس سنوات على الأقل من الطفل أو الأطفال الذين تم وصفهم في المعيار الأول.
وتجدر الإشارة إلى أن البيدوفيليا لا تشمل الطفل في أواخر مرحلة المراهقة الذي ينخرط في علاقة جنسية مع طفل في سن 12 أو 13 سنة. ويمكن تحديد أنواعها فيما يلي:
-         هناك من ينجذب للأطفال فقط ويدعى هذا بالنوع الحصري.
-         هناك من لا ينجذب للأطفال فحسب، بل حتى الكبار وعلى سبيل المثال قد يتضمن ذلك حسب بعض الحالات الميل للأطفال والرجال من الجنس نفسه. وهذا ما يدعى بالنوع غير الحصري.
-         هناك من ينجذب للذكور فقط.
-         هناك من ينجذب للإناث فقط.
-         هناك من يجذب للذكور والإناث معا.
-         هناك من يميل للمحارم.
أسباب البيدوفيليا:
اتفقّت جميع المقالات والكتابات التي نشرت حول البيدوفيليا على أنّ أسبابها الحقيقية والثابتة لا تزال مجهولة، ومع ذلك قدّمت بعض الدراسات مجموعة من النتائج المتعلقة بالنشاط الذي يحدث في دماغ المصاب والذي يعتبره البعض مبدئيا مسؤولا على أفكاره وسلوكاته الشاذة ويجعله مختلفا عن غيره من الأشخاص الأسوياء، ويرتبط الأمر بانخفاض نسبة الذكاء لدى المصابين بالبيدوفيليا الأمر الذي نفته دراسات أخرى، فضلا عن الخلل الجيني وما يحدث على مستوى النمو العصبي في المرحلة الجنينية والذي يحفّز الإصابة بهذا الاضطراب فيما بعد.
وقد أرجع البعض هذا الاضطراب إلى الاعتداءات التي يتعرّض إليها الفرد في طفولته فتمسي سلوكا متعلما يقوم على تقليد ما اختبره سابقا، وقد برّر عدد من المصابين ما يحدث لهم بما شاهدوه في الصغر من ممارسات جنسية ارتكبت في حقهم فظلت تلك الصورة مرجعا جنسيا لهم.
بما يتّسم المصابون بالبيدوفيليا؟
-         الشعور بالذنب والقلق والخجل ممّا يحدث لهم.
-         الخوف من ردة فعل المجتمع.
-         السرية والتستّر على أفكارهم وأفعالهم وعدم الثقة في الآخرين.
-         الاكتئاب والميولات الانتحارية
-         العزلة وانخفاض تقدير الذات.
-         عدم القدرة على التحمل والمعاناة في صمت.
-         اضطرابات نفسية أخرى كالاضطرابات المعادية للمجتمع والاضطرابات الجنسية الأخرى.
-         معاملة الأطفال بلطف شديد حتى ينجذبوا لهم.
-         حساسيتهم تجاه الخلط بين البيدوفيليا والاعتداء الجنسي المباشر على الأطفال، كونهم يعتقدون أن نسبة نادرة منهم من يتعدى بها الأمر للاغتصاب وأن الاغتصاب ليس من سماتهم بل هو  ناتج عن اضطرابات أخرى.
-         الاستثارة لدى مشاهدة صور عارية للأطفال والسهر على جمعها.
-         التموقع على مواقع الانترنت بحثا عما يشبع رغباتهم الجنسية المتعلقة بالطفل بشكل مجهول.
علاج البيدوفيليا:
العديد من مرضى البيدوفيليا لا يكشفون عن هويتهم ولا يتقدمون لطلب العلاج إلّا بعد تورّطهم في المساءلات القانونية نظرا لوصمة العار التي تتعقبهم، ولما يحمله هذا الاضطراب من خطورة ورفض مجتمعي وديني. وككل الاضطرابات النفسية التي تتطلب تدخلا طبيا وتكفلا نفسيا، يرتكز علاج البيدوفيليا على العلاج الدوائي الذي يعدّل الهرمونات ويقلل الرغبة الجنسية كمضادات الأندروجين، ومضادات الاكتئاب التي تعمل على تحسين المزاج، رفقة العلاج النفسي الذي من شأنه تخفيف حدّة المعاناة وتعليم المريض كيفية التحكم والسيطرة على اندفاعاته ورغباته الجنسية كالعلاج المعرفي السلوكي، فضلا عن مجموعات الدعم التي تسمح للمريض بالتفريغ والتعبير عما يشعر به ومساعدته للخروج من الأزمة لأنّ الكبت أو الإنكار يزيدان من شدّة المعاناة.
كيف تقي طفلك من البيدوفيليا؟
يقول أحد المرضى إنّه تعرّض للاعتداء في طفولته عن طريق مداعبات ارتكبها مجموعة من الأشخاص في حقّه فظلّت تلك الصورة راسخة في ذهنه وأخذت تعمل على تحريضه ليقوم بهذا الفعل مع الأطفال بعد سنوات. وفي هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى أن كل فعل يقوم به الكبار أمام الصغار قد يصبح سلوكا متعلما! ولا يقتصر الوضع على الاضطرابات الجنسية بل العديد من الاضطرابات النفسية الأخرى كالفوبيا والوسواس القهري والقلق وغيرها. ويمكن اختصار بعض التوجيهات الوقائية من الممارسات الجنسية مهما كان نوعها فيما يلي:
-         تعليم الطفل كيف يفرّق بين السلوك الشاذ والسلوك السوي.
-         الحرص على التربية الجنسية وتثقيف الطفل بصورة تناسب مرحلته العمرية.
-         مراقبة الطفل وعدم تركه في متناول الغرباء.
-         الحرص على انتقاء ملابس مناسبة خاصة للأطفال في سنّ المراهقة، فهناك من تزيد جاذبيته حسب ما يرتديه.
-         تعليم الطفل كيفية الدفاع عن نفسه وعدم الالتفات لمن هبّ ودبّ.
-         تعليم الطفل الصراحة والصدق مع الوالدين ونقل انشغالاته لهما مع منحه الأمان حتى أثناء الخطأ.
-         الاستعانة بقصص النمذجة لتحذير الطفل من المخاطر.
-         الإجابة على أسئلة الطفل بكلّ جديّة.
-         الحرص على غرس التربية الدينية والقيم الأخلاقية.
-         الحرص على معرفة كل ما يجول في ذهن الطفل، وتصحيح الأفكار والسلوكات الخاطئة.





lundi 4 février 2019

اضطراب بيكا..لماذا يشتهي البعض أكل الطين والتراب؟!

بقلم: حياة بن بادة


زار (ع) صديقه (ه) في منزله، فانتبه إلى جدرانه المتآكلة ودار بينهما الحوار الآتي:
ع: (ممرّرا يده على الجدار) أشفق على الجدران من عبث الأطفال، كم يكفيها من طلاء!
ه: عمّا تتحدّث؟
ع: (ممازحا) عن الجدران التي أجهزت عليها الجرذان!
ه: (ضاحكا) جرذان؟ بل هو جرذ واحد!
ع: خلته من عمل الأطفال.. أفلا تقضي عليه؟!
ه: (بخجل) لا يمكنني الإمساك عنها
ع: عنها؟
ه: شهوتي!
ع: (متعجبا) شهوة؟!
ه: (يغرز مفتاحه في الجدار) ثم يمضغ ما تناثر منه... اممم، الجدران هي نقطة ضعفي!
ع: (مصدوما) بالله عليك..لا تقل لي إنّك أنت ذلك الجرذ؟!
ه: (ضاحكا) بشحمه ولحمه.. وبعد هنيهة من الصمت طأطأ رأسه بحزن وأردف قائلا: إنّي لم أعد قادرا على التحكّم في الوضع.. أعلم أنّه سلوك غير سويّ ولكن..!
ع: الآن بدأت أفهم مصدر التسمّم الذي أصبت به في المرة الماضية يا صاحبي!
ما يحدث لـ "ه" هو "بيكا"، أو ما يسمى بشهوة الطين أو شهوة الغرائب، وقد سمي ببيكا نسبة لطائر العقعق Pica الذي يأكل أيّ شيء! فيا ترى ما هو هذا الاضطراب الغريب؟!
ما هو اضطراب بيكا؟
يصنّف بيكا Pica  ضمن اضطرابات التغذية والأكل حسب الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للأمراض النفسية، وهو عبارة عن تناول مستمر وغير معقول لمواد غير غذائية يشتهيها الفرد أثناء رغبة ملحّة وشديدة تتملكه تجاهها، إذ لا صبر له على الكفّ عن أكلها، كالطين والترابGeophagia والصابون والطبشور والطلاء، والمعادن    MetallophagiaوالشَّعرTrichophagia والورق Xylophagiaوالقاذورات Coprophagiaوغيرها من المواد غير الصالحة للأكل. يصيب هذا الاضطراب الصغار والكبار معا ويمسّ النساء والرجال على حدّ سواء. يعدّ بيكا سلوكا مرضيا إلّا إذا كان مرتبطا بالعادات المجتمعية الثقافية والدينية التي تجعل من أكل بعض المواد الغريبة سلوكا مجتمعيا لا يدعو إلى تصنيفه ضمن خانة الاضطراب. كما يستثنى منها الأطفال الرضّع باعتبار تناول المواد غير الغذائية لديهم أمرا طبيعيا ومألوفا، فهم لا يفرّقون بين ما هو صحيح وما هو خاطئ.
متى يكون الفرد مصابا باضطراب بيكا؟
لكي يتمّ تشخيص الاضطراب لا بدّ من توفّر مجموعة من المعايير، هذه الأخيرة حدّدها الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للأمراض النفسية DSM5 فيما يلي:
-       أكل مستمرّ لمواد غير غذائية وغير صالحة للأكل لمدّة شهر على الأقل.
-       لا يتناسب أكل المواد غير الغذائية وغير الصالحة للأكل مع المرحلة التطورية للفرد.
-       سلوك الأكل ليس جزء من الممارسات المدعومة ثقافيا أو السوية اجتماعيا.
-       إذا ظهر سلوك الأكل هذا في سياق اضطراب عقلي آخر كالإعاقة الذهنية واضطراب طيف التوحد والفصام أو ظرف صحّي كالحمل فإنّ الأمر شديد بما يكفي ليستدعي انتباها سريريا إضافيا. DSM5 ، ص 329.
تجدر الإشارة إلى أن بعض الحالات لا يتمّ الكشف عنها إلّا بعد تعرّض أصحابها إلى إحدى المشاكل الصحية المتمثلة في المضاعفات التي تنجرّ عن هذا السلوك والتي تشخّص من خلال التحاليل وأجهزة الكشف الطبيّة.
أسباب اضطراب بيكا:
تعدّدت آراء الخبراء حول الأسباب التي تفسّر اضطراب بيكا، حيث أرجعه البعض لمشاكل صحية متعلقة بنقص أحد العناصر الغذائية في الجسم وبعض الأزمات النفسية والاجتماعية التي تعزّز السلوك الخاطئ ونذكر منها:
-       سوء التغذية الذي ينتج عنه نقص في بعض المعادن في الجسم كالحديد والزنك والكالسيوم.
-       الأمراض الجسدية كفقر الدم خاصة لدى النساء الحوامل.
-       الإعاقة الذهنية والتوحد، زيادة عن بعض الأمراض العقلية والنفسية كالفصام والوسواس القهري.
-       قد يكون هذا الاضطراب ناتجا عن سلوك متعلّم اكتسبه الفرد عن طريق التعزيز.
-       الأزمات العاطفية كالحرمان والإهمال التي ينتج عنها القلق والتوتر فتكون هذه المواد بمثابة تعويض عن النقص الذي يعاني منه الفرد ليشعر بالأمن النفسي.
-       الفقر والجوع الذي يدفع بالبعض إلى تناول مواد غير صالحة للأكل لسدّ حاجاتهم الغذائية حتى يتحول الوضع إلى عادة وإدمان.
المضاعفات الناتجة عن اضطراب بيكا:
يتسبّب اضطراب بيكا في تفجير مجموعة من المشاكل الصحية التي قد تؤدي بصاحبها إلى مضاعفات خطيرة، فقد سجّل مستشفى في الهند قبل عامين حالة خطيرة لاضطراب بيكا لشخص يبلغ من العمر 50 سنة اعتاد تناول المعادن Metallophagia، حيث أجريت له عملية جراحية لإزالة 72 قطعة معدنية كان قد ابتلعها على مدار سنوات طويلة بسبب مرض عقلي. ويمكن تلخيص بعض المضاعفات في النقاط الآتية:
-       حالات التسمم والتعفن التي قد تصيب الجسم بسبب تناول مواد مضرة بالصحة ومسممة كالقاذورات.
-       اضطرابات على مستوى الجهاز الهضمي كالإمساك وانسداد الأمعاء والالتهابات.
-       مشاكل على مستوى الأسنان.
-       أضرار على مستوى الدماغ خاصة إذا كان الفرد مدمنا على الطلاء ومشتقاته.
-       مشاكل على مستوى القلب والكلى.
-       تناول المواد غير الغذائية يشكل خطرا على الأم والجنين في فترة الحمل المعروفة بشهوة الغرائب.
علاج اضطراب بيكا:
يقوم علاج أي مرض أساسا على التخلص من مسبباته، فإذا كان -على سبيل المثال- المصاب باضطراب بيكا يعاني من أزمات نفسية كالفقر العاطفي؛ فإنّ الاحتواء يساعد على الخروج من المشكلة، ويجب متابعة الحالات المرضية المتداخلة مع هذا الاضطراب وعلاجها من خلال الأدوية المناسبة والتقنيات النفسية الفعالة، خاصة فيما يتعلق بالوسواس القهري والفصام والإعاقات الذهنية، ويشرف على العلاج طاقم طبي متخصص. وإذا افترضنا أنّ سوء التغذية الذي ينجرّ عنه نقص العناصر الغذائية والإصابة بفقر الدم هو الذي يسبّب هذا الاضطراب لدى بعض الأفراد فمن الواجب تعويض هذه المواد من خلال العلاج الطبي. ويعتبر العلاج النفسي من العلاجات الفعالة لاضطراب بيكا والذي يهدف إلى مراقبة السلوك الغذائي وتصحيحه من خلال الاستراتيجيات السلوكية وبرامج التربية العلاجية. كما تجب مراقبة الأطفال والحرص على عدم تعزيز هذه العادة لديهم حتى تمسي سلوكا متعلما، وتجدر الإشارة إلى ضرورة سدّ الفراغ العاطفي الذي قد يتعرّض له بسبب الخلافات الزوجية والمشاكل الأسرية.