dimanche 29 décembre 2019

غبار من روح

بقلم حياة بن بادة



يا غبارا فيّ تكدّس، يا غبارا بالروح تقدّس، يا غبارا شقّ صدري فتنفّس! يا غبارا دسّه الكتمان في إطار، ولمّا هبّت ريح الحياة طار، وحلّق بالروح ضدّ الريح، حيث الأوراق تحطّ بساقها الجريح، والحروف كالمحارب تضع سيفها وتستريح. وحدي تُرِكت من حسابه في جيب الأرض بقيّة، وحدي بقيت كطفل يلاحق طائرة ورقية، أشدّ أنامل قدري بيديّ، لست أدري إلى أين سيمضي بعينيّ، ومتى وفي أيّ مرأب سيُركن قدميّ. أترجّاه أن يحملني بعيدا.. بعيدا حتى إذا ما أسقطني؛ التقطني، حتى إذا ما أفلت يدي؛ ضمّ بسرعة صدري، وفرش لي في حضنه خيمة، تحميني من بطش أطفال الغيمة، تلك التي لطالما اعترضت طريقي في زوايا الحيّ والمدرسة، واتخذت لرماحها من جسمي النحيف مرسى، وأنا الطفل الذي كبّله الأسى، فلم يزل لمصابه يتأسّى، ولم يزل يفتح لأولياء الحب ذراعيه، وهو الذي لم يحتمِ يوما تحت ذقن أبيه، ولم يذق طعم النوم العميق بين جناحيه!
 يا غبارا من روحِ ماضٍ مات، حمّمتها وألبستها الكلمات، ثمّ أخرجتها في شكل جسيمات، وبدّدتها حيث البشر؛ أحدهم ينفضها وآخر يستنشقها حتى أصيب بها. أحدهم يدرسها باحترام، وآخر يمرّ عليها مرور الكرام. تلك الروح التي خفّفتُ كلماتها صيفا برداء، ولففتها بالمعاطف في الشتاء، وغذّيتها بفتات تساقط من زوايا قلبي المنكسرة، ومن ثمار أشجاره التي خرجت من معارك الرّيح منتصرة.
في دولاب الأبجدية رصفت عددا من الكلمات، فيها التي احتشمت في جلباب، وغلّقت من حولها الباب، لكن بقدر ما ضجّ قلبها وامتلأ، لم تكن لتبوح بسرّها على الملأ، وفيها التي تبرّجت دون قصد، ومع ذلك كنت أستر عوراتها في قطعتين، كلّما عرّيتها في حرفين. لهذا كانت كالغبار لا تعلق إلّا في الحنين، ولا يشمّها إلّا قلب شجين؛ لامست شغافه الحسّاس فأرسل جوابه في عطاس.
في خزانة الأبجدية رتّبت عددا من الكلمات، فيها القديمة التي لم تفقد بعد بريقها، وفيها العتيقة التي لم تعد تستعمل ومع ذلك أحييتها في تصميم جديد، وفيها التي تواكب العصر وتخرج لشارع المعاني كما تريد، فيها المتناسقة ألوانها، وفيها التي تحلّت بفوضى زيّ طفل شريد، وفيها الجديد وفيها المزيد!
بالحبّ حمّمت روحي وطهّرتها، لم يكن يهمّني أين ستستقر، ومن بها سيقرّ، فالحياة ملأى بالقلوب الجاهزة، تلك القلوب المستعدة لتحبّ ولتشارك ولتشجّع ولتبكي ولتنتفض وتعتصر، لتحضن ولتغنّي ولتحتوي وتنتصر، لهذا نثرتها وسط الفضاء واحدة تلو الأخرى في طقم من حروف، صمّمته لعينيها الظروف، خيّطته المشاعر وعلى صدر حياة من خشب كوته الصروف. لم يكن يهمّني بمن ستصطدم في آخر الطريق، وما إن كانت ستجد الصديق، وفيمن ستعلق، وإن كانت ستتألّق، ومن بطرف فستانها سيتعلّق، "فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"! كباقة ورد كنت أرميها خلفي، لم يكن يهمني من سيلتقطها من بعدي وأنا أشدّ يد القلم، كالبسمة من وجهي أطلقتها حين شدّتني أصابع الألم. كالعروس كنت أرميها خلفي وبعيدا كنت بحبري أختلي، عن الناس أختفي، وببوحه كنت كالطفل أحتفي.
وزّعت الرّوح حيث يجب أن تكون، حيث الفوضى والسكون، حيث الدموع والضحكات والجنون، وحيث الحياة والمنون. لم أكن أعلم أنّ الرّوح كما الأرحام ولّادة، وفي كل موطن تضع حملها حتى جرّبت الكتابة، لم أكن أعلم أن الرّوح كالسّحاب كلما عصرتها جاءني منها كتاب، لم أكن أعلم أنّ الرّوح كالنّساء، تمرّ بلحظة إخصاب ومخاض، لم أكن أعلم أنّ الرّوح كذلك حتى شاهدتها تخرج تباعا في ثوبها البهيّ، كأسراب الطيور التي لا تنتهي! وزّعت الروح حيث أنت وأنا، نتناوب على الهناء والضنى. وزّعت الروح حيث لا يشعر أيّ منّا أنّه غريب؛ يحمل وطنا في ذاكرة، وذاكرة في لسان، والحبّ في إنسان، والإنسان في إحسان. وزّعتها حيث لا يمكن لأحد منا أن ينفرد بألم، وحيث الرؤوس على الأكتاف تسكن، والألسن معا تتكلّم، والقلوب لمصاب بعضها البعض تتألّم.

dimanche 15 décembre 2019

المُقيَّدون بالماضي!


بقلم: حياة بن بادة

مَثلُ الماضي في حياة الناس كمَثل الصخر في حياة الأرض، يحتاج التأريخ الجيولوجي للصخر في عملية تحليل الحقائق العلميّة، ويحتاج الفحص النفسيّ للماضي ليكتشف نوعية السلاسل التي تكبّل القلوب قبل أن يدرك أنّها مصابة بمتلازمة اجترار الذكريات، وارتفاع ضغط الماضي المزمن فيها. هناك من يتمنّى العودة للماضي كي يصحّح، وهناك من يتمنى العودة ليعانق. الماضي في حياة البعض مثل مشروب غازي داخل قارورة، رجّة واحدة تهزّ مشاعرهم، هزّة واحدة تكفي لتجعلها تثور كالحمم. ولطالما عملت الذكريات في النفس عمل ثاني أكسيد الكربون في المشروب، بعض القلوب كعلبة مشروب غازيّ تحتاج للرجّ لكي تتنفّس، يمكنك رجّها بقوّة لتسمع ضجّة قلبها الفوريّة، ويمكنك سحبها بلطف وجرّها للبوح تدريجيّا!
في كلّ إنسان يحنّطه الماضي ويؤمّه، يوجد نجم نيوتروني قد يؤول إلى ثقب أسود كلما زاد عليه الضغط وضعفت قدرته على التحمّل ليلزم بعدها صمتا أبديا. والبعض كالقزم الأبيض مكدّس بالذكريات؛ ينتهي به الهمّ في آخر العمر إلى قزم يكتم ضغط الحياة في قلبه وينطوي كالمكتئب على نفسه. بعض الناس كالثقب الأسود مثلما يجذب الأجسام يجذبون هم الفضول والبعض كالثقب الأبيض يدفعونه بعيدا. يا إلهي، كم يجعلنا الماضي مدعاة للفضول كلما دهننا بالغموض! تتآكل القلوب بفعله شيئا فشيئا وتظلّ بقايا صوت فيروز فيها يبعث حزنا نديّا.. يغنّي:
يا سنين الي رحتِ ارجعيلي، ارجعيلي شي مرة ارجعيلي
وانسيني ع باب الطفولة، تا أركض بشمس الطرقات
يا سنين الي رحتِ ارجعيلي، ارجعيلي شي مرة ارجعيلي
ورديلي ضحكات الي راحوا، الي بعدها بزوايا الساحات
يأتي الماضي في شكل وجوه قديمة؛ تعيد ترتيب الصور في جيوب شفّافة، ويأتي في شكل مآقٍ عقيمة؛ لم تعد تمتصّها جفّافة، ويأتي في شكل قلوب سقيمة؛ وصل دمعها إلى الحافّة. يأتي الماضي في شكل قلب خبيث وآخر نقيّ، يأتي الماضي في صورة إنسان سعيد وآخر شقيّ، يأتي ليشكّل نفسه من جديد، ويغلّف الحاضر كما يريد. هكذا هو يأتي ظاهرا ومستترا!
يأتي الماضي في شكل قصيدة بالمشاعر مخمَّرة، ويأتي في شكل خلايا مدمَّرة. يأتي الماضي في شكل أوراق صفراء قد لا تسرّ أيّ ناظر، وأخرى بيضاء وجهها ناضر؛ تعانقها أذرع كتاب. ويأتي في شكل عذاب وعقاب وحساب وعتاب. يأتي الماضي في شكل عَرَض، ويأتي صريحا مشكّلا في مَرَض. يقضي الأطباء أعمارهم في دراسة الماضي وهم يجهلون أنهم يحاولون بعثه وإعادة تدويره ومعالجته ومعاملته بإحسان، ليقوم مرة أخرى في صورة إنسان؛ تعاقد مع الدواء ليشفيه، يحمل ملفا طبيا ليس إلّا كشفا لرصيد الماضي فيه. وحدهم أطباء النفس ينقّبون في الناس عن الماضي ومعانيه، وحدهم يفهمون شدّة هذا الذي تعانيه.
 يأتي الماضي في هيئة شعور، وفي صورة كلام مسعور. يأتي الماضي في شكل حروب وصراعات، وفي شكل بنايات واختراعات، وأحلام وآلام. يأتينا الماضي في شكل شجرة ثكلى، وأخرى فضلة، استحالت رفاتا؛ ومن ثمّ أثاثا. يأتينا في شكل بذور وعطور وبخور، وداء ودواء، ومهد ولحد. يأتينا الماضي في هيئة طفل حلو كالثُمُر، وفي هيئة شيخ ردّ لأرذل العُمُر. يأتينا في وجه وصوت شخص يشبه الحبيب الغائب، يأتينا في عربة تقلّ الحقائب، يأتينا في شكل سلوك وانفعال وذلّ وثأر وجريمة، وقد يأتينا في شكل غنيمة وحياة كريمة. يأتينا الماضي في كلّ الصور، منها ما هو ضمنيّ ومنها ما هو صريح، وما الذاكرة إلّا مزار وضريح، وإن كانت كذلك صندوق حفظ النفائس ومستودع الذكريات، تحفظ ما خلّفه المُقيَّدون بالماضي المتعثرون على الطريق والعالقون في قاع الأمس من حكايات. يا صديقي؛ قيود الماضي لو تدري ممتدّة، كلما تفحّصتها؛ اتّضح أنّها إلى الوراء مرتدّة. بعيدة هي إلى الأعماق، ملتفّة كالطوق حول الأعناق! يا صديقي ما أنت إلّا أثر، والماضي ها هنا يقطر منك كالمطر.
كم مرة شاهدت الماضي فيك عاريا، كم مرة شاهدتك في بحره جاريا. كأستاذ التاريخ أراك تدخل قسم الحياة، محكوم عليك بتقليب دفتر الحكايات، لا شيء يربطك بالحاضر غير تاريخ مبشور، خطّه تلميذك بطبشور. وأنت في طريق العودة للخلف؛ تتسلسل كالماء بين الصفّ والصفّ، تضع الحاضر على الرفّ، تضرب الكفّ بالكفّ؛ تغلق النوافذ المطلّة على السّاحة، تمحو بالماضي ماضٍ راقصته مسّاحة. تنفض ما علق فيك من هباء، وشيء ما في داخلك ينادي "يا للغباء، عمرك كتاب تاريخ أبتر، ألبوم صور لا أكثر! فلم هذا العناء؟ أنت أيها الوجه الرمادي، أنت لا تزال معلقا في حبل الماضي!" سوى أنك تخاطب نفسك كما لم يخاطب معلّم التاريخ نفسه يوما، ولا تزال في كلّ مرّة تجبرها على الردّ! مقيّد أنت بالماضي يا صديقي إلى أبعد حدّ!
كم مرّة شاهدت الماضي مكتوبا بخطّ واضح في فحوصاتك الطبيّة، يتحدّث بلغة الأرقام، يتمركز في زوايا جسدك الخفيّة، يشيّد غرفة بين العظام، يقفز من ركن لآخر، يجوبه إلى الآخر، يبتسم بثغر ساخر، يخرج في تحاليلك، يلتقط صورة تحت الأشعة، يلعب ويقفز بالحبل في رأسك، يحمل الأثقال في صدرك، يقلّب أتربة القلب بفأسه، يدور كالأطفال حول صحن الدار في الأحشاء، ليتفجّر من حيث شاء، يسميه الطبيب مرضا بينما هو تراكمات الزمان فيك، تلك التي لم تترك للسلام مَعْلما يحييك، ولم تنمُ خلاياها طبيعيا، فانقسمت تدريجيا، واخترقت نسيج جسمك كالسرطان؛ لتنتشر في كلّ مكان. يأتي الماضي يا صديقي في شكل مرض، وما الأمراض يا صديقي أمام الماضي سوى مرايا؛ تصنعها الهموم والحكايا! مبالاة وأمل ويأس وخذلان، إهمال وتأجيل وأحزان، فقدان وانتظار وكتمان.
يا من تجلس أمامي بقلب حزين، يقيّدك الماضي كحقد دفين، يعيد بثّ أشرطته فيك، يسألك عن أيام مرّت، عن علاقات ما استمرّت، عن حبّ تسلّل منك في لحظة إنفاق، عن وجوه أخرجها النفاق، وأخرى لم تدرك قيمتك، خدعتها المظاهر، فاختارت موطنا آخر. يستوقفك الماضي في حيّ قديم، في موقف أليم، في حديث عابر يناقش فكرة، في اسم ماضٍ أخذ يحرّك قلبك بملاعق الذكرى. يستوقفك الماضي في أزقة ضيقة، كنت تتردد عليها رفقة أبيك، يستوقفك في مكتبة عتيقة كانت تغذي فكرك وتسليك، يستوقفك في أحلام الصغار التي انبثقت، تتذكر أحلاما كنت تخيطها تمزّقت، وكنت تستنشقها تبخّرت ولم يبق منها شيء عداك أنت.
يقيّدك الماضي في أوّل فشل، يجعلك تعود إليه كلّما تعثّرت، يقيّدك في أوّل عيون أحببت، في الأغاني الأولى التي بها تعلّقت، في المدن الجميلة التي زرت، في التجارب الأولى التي اختبرت، في الأحضان التي حنّت إذا ما هي في البال عنّت. يقيّدك الماضي في البيت الأول الذي قطنته، في مرارته التي كانت، يذكرك بمحلول صبر خفّفت به الظروف لتهون، ونازلت به الصروف لتكون. يقيّدك الماضي في الحبّ الأوّل والجرح الأول والخذلان الأول والصدمة الأولى، يسدّ عليك الفرص كلما غيّرت المسارَ، يتحايل عليك كلّما تذوّقت الخسارة. يقيّدك الماضي في كلام قيل، لا زال يدوس فؤادك بدلوه الثقيل، يقلّبك في كلّ حرف، يحيط بك من كلّ طرف.
هو الماضي فيك كالقمامة تجمّر، هو ذا الماضي فيك تخمّر، ما فتئ يرفس حاضرك الذي تدمّر! تحرّر من الماضي يا صديقي تحرّر وتخلّص من النفايات، فكلّ ماض أليم ما هو سوى فضلات. قلت لك سابقا إنّ الذاكرة صندوق حفظ النفائس، لا المخلفات والنقائص، قم تخلّص وقلبك كنّس وكالصبح تنفّس. يا صديقي، إن كان الماضي الذي تجترّه قمامة فلتجعل من حاضرك بكتيريا تحلّله وتحوله إلى طاقة، لا حاضرا يعيش في فاقة، وإن كان ما علق فيها من الخشب أو البلاستيك، كن شعاع الشمس الذي يذوبه بمجهودات حارّة قبل أن ينهيك. قم بدفن التي تستحق الدفن، احرق التي يناسبها الحرق، أعد تدوير الأخرى، ولّد طاقتك من مخلفات الذكرى، وتذكر أن فضلات أحدهم يمكن أن تكون غذاء آخر. وما أذكى أن تكون نفايات الماضي الغادر غذاء الحاضر، فتحميك من الألم المكرّر وتنير حاضرك المحرّر. حوّل نفايات الماضي إلى سماد قبل أن يحوّلك إلى جماد، أضف سماد الماضي لتربة حاضرك الصّريع، وأعن زهور الحياة فيك على النموّ السّريع. يكفيك بكاء على الأطلال، فكّ ما عليك من أغلال، كن أنت الضياء يا صديق، دعك من دروب الماضي وكن أنت الطريق. وكفى بالله حسيبا وكفى بالله حبيبا.

samedi 7 décembre 2019

كلّنا بخير لولا الآخرون


بقلم: حياة بن بادة

هو كتب كنّا بخير لولا الآخرون.. كتبها على جدار بأحد مستشفيات الأمراض النفسية في مكان ما من هذا العالم.. كان يعي جيّدا ما كتبه ولم ينطقه، كان يدرك أنّه يعاني ومع ذلك يفهم معنى معاناته وشدّتها ونوعها، معاناة لا تصنّف ضمن الأمراض العصابية ولا الذهانية. هي ليست من الأمراض التي تتسبب فيها مادة مخدرة؛ بقدر ما هي من الأمراض التي يتسبب فيها فيروس فتّاك يدعى الآخر ينتمي إلى فصيلة الناس. نعم، كانوا بخير لولا الناس!
كان عليه أن يكتب كنّا بخير لولا الأقارب، لكنّه كتب الآخرين. لم يحدّد من هم "الآخرون"، كان عاقلا حتى وهو يكتب عن سبب علّته، وحدهم أولئك الذين هم مثلي يدّعون العقل ويرتدون مآزر بيضاء ويستقبلون أشخاصا يطلق عليهم لقب مرضى في غرفة مغلقة؛ ليصفوا حالاتهم في ملفات، ويدوّنوا مهدئاتهم في وصفات؛ يرمونهم بتهمة الجنون خفية ويخفّفونها أمامهم بكلمة تعب، ثمّ يرصفونهم في دولاب مصحّة كما ترصف اللعب، دون محاولة منهم لإزالة السبب.
 جلّ الذين لم يعودوا من الجنون لم يتحمّلوا طاقة عدم القدرة على الغفران التي تجذبهم. جلّ الذين لم يعودوا من الجنون لم يستطيعوا العودة من جرح قديم، جلّ الذين لم يعودوا من الجنون لم يستطيعوا مقاومة الحبّ ولم يتعلّموا السباحة في فضائه، لقد كانوا يرمون بأنفسهم دفعة واحدة دون أن يفهموا قوانين الجاذبيّة. جلّ الذين لم يعودوا من الجنون لم يتخلّصوا من الصدمات ولم تغادر قلوبهم الكدمات.
 لو أنّنا رفعنا تقريرا إلى المحكمة بدل وصفة إلى الصيدلي لكان الكلّ بخير، لو أنّنا اعتقلنا الآخرين بدل اعتقال المرضى في سجون الأمراض العقلية لخفّفنا جرائم التعدّي على النفوس، نعم هي سجون، نرغمهم فيها على الحقن والأقراص ونتحكم في أذواقهم ونفرض عليهم أطباقا معينة وربما لباسا معيّنا. نرصفهم في أسرّة ونحكم عليهم في قفص وقبل هذا نرسل إلى أحيائهم سيّارة مدويّة تدّعي الإسعاف تتولّى القبض عليهم ونكبّلهم كما لم يكبّل يوما مجرم حرب. البعض يقاوم لأنّه دفع ثمن الحريّة غاليا، ابتاعها بعقل باهظ، والبعض يستسلم فلا يناهض، يمتثل أمامك بهدوء كما لم يفعل مجرم في محكمة، يستقبل جميع التهم بصدر رحب، يمرّ أمامه شريط الأحباب والصحب، يبحث في عينيك عن أقراص النسيان ومشروب الأمان، يلتمس من قلمك ترخيصا يجعله يقتني مخدرات شرعية لا تجعله يحسّ بالذنب، تمشي معه على مدى العمر جنبا لجنب. ومساء يتكوّر وسط سريره بصمت كما الجنين في بطن أمه ينصت بحزن لزميله في الغرفة المجاورة يغنّي "همّي همّي جاني من دمّي (أقربائي) ما نظلمشِ الناس، عييت (تعبت) ما نخبّي وتعمّر قلبي وأنايا (أنا) قلبي حسّاس". كأنّ دمّي في هذه الأغنية لا تعني إلّا الآخرين والناس قضية أخرى!
 هو ليس بخير كونه لم يكن يوما مذنبا، كان يتفنّن في الكتمان وكان يتعمّد الخسارة في مباراة العلاقات حتى لا يكسر الخواطر، كان يكسّر نفسه حتى فتّتها كي لا يضطّر يوما لجبر النفوس. لم يكن يصدّ الكرات التي كانت تهاجم مرماه بشراسة حتى تقطّعت شباكه؛ هذه التي نحاول ترميمها اليوم في قفص.
 كلّ حراس المرمى الذين عرفتهم في حياتي كانوا مقاتلين، يرتدون القفاز في الحلبة قبل الملعب كأنّهم أدركوا أنّ اللعب ضرب من ضروب القتال فلم يأتمنوا شيئا على أنفسهم، لم يصدّقوا يوما أنّهم يفنون عمرا لأجل لعبة، لم يشاهدوا كرات الهجوم القادمة نحوهم بتلك القوة إلّا ضربة من ضربات الحياة، لقد كانوا يدخلون الملعب بروح محاربين! كلّ حرّاس المرمى الذين عرفتهم هم خرّيجو العذاب لكنّهم في كل طور من أطواره كانوا يتقنون فنّ التصدي ويدفعون عنهم التحدّي، لهذا هم على عكس المهاجمين نادرون وقلّما يسطع نجم أحدهم، لتصنع حارس مرمى قويا أنت بحاجة لحياة صعبة وأوقات عسيرة وملاكم، حتى أطباء النفس في فترات من أعمارهم كانوا بحاجة لأن يحتموا تحت جناح حارس مرمى!
لو أنّ هذا الذي ندعوه مريضا احتفظ في أحد زوايا نفسه بحارس مرمى، لما رضخ لعقّار، لو أنّه فعل لما افترش رأسَه نقّار. النفوس ليست بحاجة لدواء يهدّئها بقدر ما هي بحاجة إلى حارس مرمى يردّ الأذى عنها، النفوس ليست بحاجة إلى طبيب يداويها بقدر ما هي بحاجة إلى فارس يحميها. كان عليه أن يكتب كنا بخير لولا الأقارب ولولا الأحبّة، لكنه ظلّ محترما متحفّظا وتسامى حين فصلهم عن نفسه فسمّاهم عقب خذلان رهيب الآخرين بعد أن كانوا الأقربين، فالنفس لا تتأذّى إلّا من قريب ولا تنكسر إلّا من حبيب وصعب أن يطبّبها طبيب.
كلنا بخير لولا الآخرون.. فالآخرون طريق من طرقات الجنون، حتى أولئك الذين تربطنا بهم جينات ولو عاشوا قبلنا بقرون، كلنا بخير لولا الآخرون..
- فلانة كانت لتكون بخير لولا أبوها، نكتب في ملفها الطبي حالة فصام، نصف لها رضّاعة من أدوية، ننصحها بالراحة وكلّنا على يقين أنها لن ترتاح، نخبرها أنه مجرّد وسواس حتى لا تضطرب أكثر، ثمّ نودّعها. تعود مساء إلى البيت، ينهال عليها بالشتائم، يسجنها في غرفة لا تخرج منها إلّا للحمّام أو لطبيب نفسي يجدّد لها وصفة الأدوية ويعيد ترتيل صحفه عليها. لقد كانت لتكون بخير لولا طقوس التعذيب هذه!
-توشك فلانة على أن تبلغ الخمسين من العمر، تجلس وحيدة في بيت كبير، انصرف جميع قاطنيه إلى الغرف عداها هي، لا زالت تسرد للموقد شتاء قصة العزوبة وكيف أنها كانت لتكون أمّا لسبعة أطفال على الأقل لو لم تطرد أمّها -رحمها الله- جميع خاطبيها لتمسي بعد عمر طويل ضيفة في بيتها، تتناول أقراص الحسرة صباحا وأقراص الطبيب مساء عساها ترمّم وجهها الحائر. كانت لتكون بخير لولا قرار أمّها الجائر!
-لم يكن يصدّق أنّ السحر موجود رغم أنه مؤكد بالقرآن والسنّة حتى أصيب به، فصار يُحمَل من مكان لآخر كالرّفاة، ثمّ تناوب عليه الرّقاة. ذنبه الوحيد أنّه تميّز ثم وثق! بعد سنوات نشروا صوره على الفيسبوك، إحداها بدت منبوشة مع أشياء غريبة من مقبرة. كان يبدو في الصورة الأولى مثل نجم من نجوم السينما وفي الصورة الثانية ظهر مثل مومياء.. كان ليكون بخير لولا الحسد!
-تجمّع حشد من سكان الحيّ حول جثّته قبل أن تلتحق بالمكان سيّارة الإسعاف ترافقها الشرطة ورجال الإطفاء.. كتبوا تقريرا عن حالة انتحار وأغلقوا القضيّة. دفنه حفّار القبور وشيخ من شيوخ الحيّ لطالما كان شاهدا على أخلاقه العالية، قال إنّه كان رجلا يجيد الصمت، لا يعلو صوته أبدا. حدّثهم عنه مرارا وتكرارا لكنّهم لم يفتحوا تحقيقا حول حالة الصمت تلك التي كان يعاني منها واكتفوا بالصمت؛ عدا في شأن مصيره فقد تحدّثوا كثيرا عن جهنّم التي تنتظره!
-كان ليكون بخير لولا تفجير إرهابي سجّل في ملفه الطبي حالة صدمة.
-كان ليكون بخير لولا تعرضّه للضرب المبرح على رأسه.
-كان ليكون بخير لو لم يفتروا عليه الكذب.
-كان ليكون بخير لو لم يثق.
-كان ليكون بخير لو لم يتعلّق.
-لم يكن ليصاب بالحول لولا الصفعات التي تلقّاها من الآخرين في طفولته.
-لم يكن ليجنّ لو لم يذكّره الآخرون يوميا بعيب خلقي فيه.
-لم يكن ليهاجر بصورة غير شرعية لولا الفاقة.
-لم يكن ليَعق لو لم يُعقّ.
-لم يكن ليسرق لو لم يجوّع.
-لم يكن ليتمرّد لو لم يتعذّب.
-لم يكن ليروّج المخدرات لو لم يروّجوه للفقر.
-لم يكن ليُسجن لو لم يُطرد من المدرسة.
-لكنّه أيضا لم يكن ليجنّ لو لم يتمادَ في ظلم الآخرين!
كلّهم كانوا بخير لولا الآخرون.. كلّهم كانوا بخير لولا الخيانة والحسد ولولا الثقة ولولا الظلم.
أعلم أنّ "لو" تفتح عمل الشيطان وأن ما حدث كان قدرا، لكن أرجوكم لمرة واحدة على الأقل لا تبرّروا أخطاء البشر وذنوبهم بالقدر.. فالله لم يأمر مخلوقا بالظلم.. أرجوكم، يكفي إلى هذا الحدّ!