jeudi 30 janvier 2020

قانون

بقلم حياة بن بادة


يتّهمني الحبّ والعشّاق بخرق القانون
لأنّي هنا أغطّي المقامات كقانون
ولأنّي في السنة الثامنة من عمري بعد السبعين
لا زلت على شيخوختي ببذلة شاب أستعين
دون استحياء أغنّي للحياة و بمفخرة
وأقراني صاروا من سكان المقبرة
في الجانب الأيمن من الوطن
في الشام والقدس وبغداد وعدن
ولأنّي على عكس الذين أغروا الحبّ بملهى
بالحبّ لا أتلهّى
ولأنّي أدلي من صدريَ الحبَّ
كلّما أُنزِل يوسف الجبَّ
ونادى في الظلمات يا إخوتي
ونادى في الغيابة يا أمّتي
أجدني من حوله حاضرة
كالملاك ساهرة
لا كالغيمة العابرة
الحبّ في سنّتي
ليس مجرّد غزل وشجن
والعشق في سنّتي
شعب ووطن

lundi 27 janvier 2020

مقام البعد



بقلم: حياة بن بادة

نختفي معا؛ دون أن نحجز في منشور صالة أبجدية، نقيم فيها عزاء فيسبوكيا، يليق بمقام البعد كما جرت هي الموضة، دون أن نحدث من حولنا فوضى، دون أن نكشف عن تذكرة الذهاب والإياب في العلانية، دون أن ننسج من حروف الشجن جدرانية، نزيّن بها حائط العالم الأزرق، نلقي من خلالها خطابا مؤثرا؛ يحيلنا دون الجميع إلى الأرق، نعزف فيها شيئا من البيات وكثيرا من الصبا وبعضا من الحجاز والرصد، نتمرّن فيها على شعور الفقد، نفسخ بها مؤقتا ما لم نبرمه بيننا في عقد.
نهوّل الدنيا من حولنا، ثمّ ندّعي أنّه مجرّد فاصل وبعد مروره حتما سنواصل، نعلن فيه غيابنا مسبقا للأصدقاء. الناس من حولنا يا شبهي يعشقون البقاء، لهذا هم دائما ينسحبون كما الجنود من أرض محتلة، يحدثون صخبا وضجّة، الناس من حولنا يا شبهي يرسمون لوحاتهم بالطباشير، لم يصنعوا أنفسهم خارج المناشير، نسوا أنّ كبسة زرّ واحدة قد تسدل ستار المسرح وأنّ كلّ شيء من بعدها سيُفضح، يخشون أن يبقي البعد منصّاتهم دون صديق وأسماءهم دون بريق وأعناقهم دون ربطات عنق وحقائبهم دون ثياب، يحسبون ألف حساب للغياب، يخشون الأفول، يرهقهم الفضول، تضنيهم ثرثرة الصدور، يرهبهم طول الصمت، يعتقدون أنّ العالم سينتهي من بعدهم إلّا أنا وأنت، كنا نعلم يقينا مذ حفرنا لأرواحنا في تربة هذا العالم حفرة أنّنا لن نتّخذها كما الجميع من حولنا قبرا، الناس من حولنا ينسحبون مجبرين كالجنود المنهزمين في معركة ونتسّلل نحن منه كاللصوص، نتلّمس جدار الباب في عتمة هذا العالم الذي لم نستطع الانتماء إليه كالضرير، ونغلق بابه دون أن نحدث فيه الصرير، لطالما رطّبت لوحاتنا الزيتية خاطر الباب لهذا كان يطلقنا دون حساب.
مقام البعد يا شبهي في سلّمنا الحقيقي بسيط، ذو أصول طبيعية ليس يتخلّله تعقيد! إنّنا نختفي معا كحبّات المطر وكخيام الغجر، كألوان قوس قزح وكوميض الفرح، كوخز الأحزان ونهايات الألحان، كأسراب الطيور وبراعم الزهور، كالسفن في المحيطات وكالدلافين في الأعماق وكالظلال وكالقطرات في التراب. ونختفي فجأة كالنبض وكالقمر وكالحلم وكالطيف وكالسراب، كأبطال الحكايات وكرجال المخابرات وكالهتاف وكالكنز المسروق والمفاتيح المنسية. روحي لو تدري يا شبهي في غيابك اليوم مهملة، من فقدك تعود إليّ مساء بالشوق مثملة، روحي لو تدري تحتاج لشحن، فهل سنظهر معا في واقعنا نحن؟ هل سنودّع البلد البعيد ونبزغ كالشمس فجأة من جديد وحيثما نريد لا حيث يريد البريد وحيث الحرية تحيط بنا لا العبيد؟

jeudi 16 janvier 2020

كلّنا تحت القصف!


بقلم: حياة بن بادة

في جدول الحرب؛ طرح وقسمة وضرب. أنت تطرح من مجموع أسرتك، وتضرب بالصواريخ في بلدتك، وتقسمّ إلى أشلاء، ثم تذوب شهيدا.. وتقسّم على الأرجاء، حين تنفى بعيدا. وتغذّى بالعذاب لو نجوت، ومهما صرخت فلن يُسمع لك في الدويّ صوت. الطرح في الحرب يدعى الموت، والضرب فيها يسمى قصفا والقسمة فيها تلقّب باللجوء، والحياة بعدها تغدو أرقاما وتمسي كلّها أسقاما. ستتعقبّك ظلال الأمس الماكرة، والتوقيت حينها سيحبو بأمر الذاكرة، سيحرّك عجلاته إلى الخلف، ستستعيدك وتبقيك مأكولا كعصف، وفي عزّ الصحو ستظل تحت القصف. الذاكرة لا ترحم أحدا، وطيف الوطن لا ينسى ولدا!
جلست مع نفسي في غيابة الحرب، وبحذر تلمّست أسنان الزمام المنزلق الذي أقفلت به صدري، سحبته للأسفل في محاولة مني لتهويته. عبثا أحاول سحب قلبي من صدري لأستريح، كما يستريح العنق من ربطة، أحاول تقشير الماضي الذي علق فيه. عبثا أحاول استئصال لبّه وتمزيق جناحيه؛ حتى لا تطير بي من جديد إليه، أعود إلى رشدي وقد أهلكني الجنون، أتساءل من أين له بلبّ يقوده وقد استنزِف وقوده! ومن أين له بجناح يحلّق به من اليمين إلى اليسار، ولم تعد السماء تصلح إلّا لطيران الحديد والنار.
جلست أواسي نفسي في بضع كلمات، تلك التي لم تجد حلّا لما يحدث في داخلي من أزمات، جلست وأنا بحاجة لثقب دودي ينقلني من هذا الزمن الرهيب لآخر أقلّ شراسة، أردت كتابة سطور وديعة، تأخذ بيد قلبي فتنسيه الفجيعة، تشاركني الـ آه والـ أي، تمحو من ذاكرتي كلّ حدث حيّ. أردت إفراغ سطور ليس فيها ثورة، أسترها بالتشطيب كلما تعرّت فيها عورة، ألفّق على ضريحها أطراف قميص الورق حتى لا تنتهك لها حرمة، ودون أن يسمع بها أحد أسدّدها لمرمى. أردت تفريغ أحشاء الذاكرة فوق النار، أردت أن أسند على الحروف كتفي المنهار. أردت كتابة سطور ليس فيها أيّ ذنب، سطور لا تترك على خدّ الورق أيّ ندب.
 آه يا أنا.. من أين لنا بجهاز تحكم يحرّك صور الحياة لنا، ليس بيني وبين الأمس غير عيون مشلولة، من الضغط لم تشفَ، تعطلت ونحن في طريقنا للمنفى، فتوقفت عند الصورة الأخيرة؛ بينما أبت الأقدام إلّا أن تكمل المسير. لا شيء تغير في تلك الشاشة، الصور التي كان يجب أن تتوقف بشكل مؤقت، تتوقف هنا في ذاكرتي بشكل دائم، تتعمد الدوس على حاضري النائم.
في جدول الحرب، يضرب بيت فتسقط مئات البيوت، يكسر قلب فتهتزّ آلاف القلوب، في جدول الحرب، يكفي أن يضرب قلب في الزاوية، ليشحن الحزن شظاياه في حاوية، ينقلها من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ويوزعها في إنسان، الإنسان فينا يتلقاه بعيون عارية، إلّا الوحوش الضارية، فهي التي تمارس القصف وبدويّه تحتفي، ترقص حينا وحينا تصفّق، لا تتخفّى ولا تختفي.
كلّنا تحت القصف، كالجسد إذا ما أصيب فيه عضو، كالغابة إذا ما أحرقت فيها شجرة، كقطع لعبة البولينغ العشرة، إذا ما صوّبت نحوها كرة. كلنا تحت القصف، كلنا تعني أنا وأنت وكل من يشبهنا. كلنا تحت القصف، تنثرنا ريح شديدة العصف! يقصف بيت في غزة؛ يهتزّ له القلب هنا هزّا، يقصف بيت في سوريا؛ فنبكيه سويّا، يرسل صاروخ إلى اليمن فيسقط كتفنا الأيمن، يئن جريح في العراق، يتأوّه له القلب هنا، يذبّح جسم بأركان يتطاير دمه إلى هذا المكان، يعذّب آخر من الأويغور يشتعل بركان الصدر ويثور، تقيّد معاصم الأبرياء في مصر، تقتّل الأرواح في ليبيا، تباد في السودان، يعلو أنينها في لبنان، يفرّغ الرصاص في ظهور وصدور المصلين في نيوزيلندا، يجوع بطن في الصومال، يحارب الحقّ في السعودية، نتجرّع الهمّ والحزن والأسف والذلّ سويّا. كلنّا تحت القصف، يطالنا كالحمم البركانية، كالزلازل التكتونية، كالثقب الأسود هذا القصف لا أحد يفلت منه.. إنّه يمتصنا معا وكالتيّار يجرفنا سويّا!

dimanche 5 janvier 2020

قلوب تعقّ

بقلم: حياة بن بادة


لو كنت أعلم أنّ قلبي سيموت فيما يهوى
 بكلّ ما أوتي من إحساس
لما فتحته بالأزرار ليلقى الناس
كنت طيّنته بالسدود أو كنت
خيّطته من الأساس
كنت جنّدت له الحرّاس
و كلّلته بالأجراس
كنت حرمته من الشدو
و الرقص في الأعراس
و صادرت مشاعره
و أضرمت النار
في عزفه الميّاس
ما كنت أضرمت الناس
في ركنه الحسّاس
أجل، لو علمت أنّ قلبا كهذا
سيهرب من متناول يدي
لما تبنيته..
كنت تركته عند أمي تربيه للغد
كنت في البحر رميته
قلوب تعقّنا، قلوب تعقّ
قلوب تعقنّا حينما تعشق!
قلوب تغيّرنا عندما تقلق
قلوب تتغذّى علينا دون أن تشفق 
قلوب تغرقنا حينما تغرق