samedi 5 décembre 2020

"من نحبّهم بشدة يختارهم الغياب بدقة" (مقطع)

والبعض نحبّهم فتخطفهم يد الغياب، يرحلون ويتركون لنا الذكريات في كلّ ركن؛ تحكي عن الماضي ما كان فيه وما ولم يكن. عن بضعة الحروف التي كنّا نكوّرها بأصابعنا على الورق كي تقينا من نزغ الأرق ونتقاذفها صبحا بعيدا عن منطقة العزاء وملاعب الألم، عن كرة القلم تلك التي كانت تدور بيننا كركلات ترجيح لم ترجّح الكفة لأيّ واحد منّا، فأمست كلّ ما تبقّى منّا، عن عصا الحروف السحريّة التي كانت بمفاتيحها السريّة تفاجئ يومنا الرمادي فتلوّنه بشعور غير عادي؛ لا يترك في قلوبنا زاوية إلّا ومارس فيها طقوسه وأفرغ فيها كؤوسه، عن النهايات المفتوحة التي لم يتطوّع أيّ منّا ليوصدها خلف الغياب، عن لحظات الارتياب، وعن الخوف الذي تملّك السطر الأخير من يوميات الحروف.

 عن الشيء واللاشيء الذي كان بيننا، عن إقالة ساعي البريد الذي جوّعنا أطفاله، وصادرنا درّاجته وطوينا حقيبته ورفعنا عنه قبعته وحجزنا ماله، عن المظاريف البريدية التي ماتت فاستبدلناها بقارورة زجاجية يستحيل أن تصل من المتوسط إلى الكورال فظلّت رهن الخيال. عن الحبّ الذي انتظرنا عند باب الحياة الخلفي ودعانا إلى دهليزها الخفي فأعرضنا عنه وأخذنا نشقّ الطريق بين الحجارة لنحظى بترحيبه عند باب أمامي. عن المواعيد التي لم يخلق لها مستقبل، عن بوحنا الأهبل الذي حملته السطور تسعة أشهر وأكثر فتأخّر وما وُلد فتبخّر، عن حبّات الاعتراف الذي لم يصمد وتبعثر يوم صنعنا له بالأبجدية سلّة ورحنا نلتقطه من البريّة ونقطفه من السحب وننقّب عنه في تلّة، عن المشاعر التي افترستنا وخلّفتنا بقايا، عن زهرة الشفاء الضالة التي لم تكن إلّا في الحكايا، واليوم في الذكريات!

عن الأرض التي لم تعد تميل عن محورها ولم تعد تدور فرحى حول نفسها ولم تعد تحتفي بالشمس فتدور حولها، لتمسي السنة فصلا واحدا يستقر فيه موسم الغياب! عن المقاعد الجائعة، عن العيون المائعة، عن الذين تعاطيناهم دون احترام للجرعات وصرنا نتناول ذكراهم كلّ يوم، أثناء الوجبات وقبل النوم، عن الذين كانوا دواءنا فلمّا غابوا صاروا داءنا، عن الذين كنّا في حضورهم زهرات حيّة فإذا بنا في أفولهم أعشاب جبليّة كلّ من رآها حسبها العشبة الطبية الموصوفة في قصص كان ياما كان ولو أنّهم علموا أوجاعها لما قصدوا المكان! عن أولياء الحبّ الذين أجلانا الفراق عن أحضانهم الدافئة وبعثرنا في الأزقة نطق شكسبير ذات يوم فقال "من نحبّهم بشدة يختارهم الغياب بدقة"

حياة بن بادة