بقلم حياة بن بادة
أدركت أخيرا أن كل المناسبات المظلمة في حياتي وآثارها
حدثت لأنني بخست نفسي أشياءها، فتجاوزت معها كثيرا ونسيتها مرارا وتجاهلتها غالبا
وأوجعتها بالانتقاد والانتقاص، وهدهدتها بالتسويف، وداويتها بالكتمان، وخدّرتها
بالأوهام والتنازل والانسحاب والاستسلام، ولم أتصرف معها إلا بالأحلام، وكان عليّ أن أكون أول المكرمين لها
والعارفين قدرها، والمدافعين عنها، والصادقين معها، والمعجبين بها، والمحسنين
إليها وتكون هي أول وأكثر الممتنين لي،
ببساطة، أنفسنا ليست ممتنة لنا، لهذا لا زلنا عالقين في
وحل الأزمات، وكيف تكون ممتنة أمام مجازر نرتكبها في حقها يوميا، وكيف تكون ممتنة
ونحن نقف أمامها مكتوفي الأيدي نبكي على الأطلال ونلوم الناس ونتحجج بالظروف ونعتب
على عجز الحكومات؟
أدركت أخيرا أن النفس كالطفل تحتاج للرفق لكي تتطور لا
القسوة التي لن تعود عليها إلا بالأمراض، فماذا نجني من طفل معنّف؟ ماذا نجني من
نفس معنّفة؟
عندما نرحل لن نندم على ما ارتكب في حقنا من سلبيات بقدر
ما سنندم على الركن الذي كان شاغرا فلم نعبّئه بالإيجابيات، أبسطها ركعتان في ظلمة
الليل نشكو فيها الحياة لخالقها والناس نيام،
ما يحدث لنا من أزمات لا علاقة له بالعدالة الاجتماعية
بقدر ما هو جواب العدالة النفسية، فأحسنوا إلى أنفسكم. بقدر المجازر المرتكبة في
حق أنفسنا سنستغرق من السنوات حتى نلج ركن السلام النفسي، وبقدر ما صبرت علينا
سنصبر عليها حتى تتحسن فهذا قصاص نفسي طبيعي. أدركت أخيرا أن السعداء هم من امتنت
أنفسهم لهم.
رباه إنا قدّمنا الخير بحب وفرح وصبر، فآثرنا الآخر على
أنفسنا، غير أننا أيضا سقطنا فآثرنا المستقبل المجهول والماضي الراحل على حاضرنا
المعيش، وأكلنا حقوق أنفسنا فظلمناها وقد قسّمت لها نصيبا من رزقك واستأمنتنا
عليها، ونهيتنا عن أذيتها، وكل فرض كتبته علينا كان لصالح سعادتها فأشقيناها،
رباه إنا أنفقنا الخير ببراءة رباه، فاجعلنا عند كل منعطف
نلقاه..
رباه أما وعدتنا بقولك "وما تنفقوا من خير يوفّ
إليكم" رباه إنا استودعناك الخير فاحفظه لنا، وأنت القائل جل جلالك"وما
تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله". رباه إنك استأمنتنا على أنفسنا فاغفر
لنا وارحمنا.