قال دستويفسكي يوما:
"ففي الساعات التي ينوء فيها القلب بعبء الشقاء، حين تستبد كآبة ثقيلة بالنفس التي صارت من المحن في ظلام، تأتي الذكريات فتنعش النفس وتحييها، مثلها كمثل تلك القطرات من الندى التي تضعها رطوبة المساء على الأزهار بعد نهار خانق، فتبعث الحياة في هذه الأوراق الحزينة التي كادت تمحوها أشعة الشمس المحرقة."
في مثل حجم قلبه "دستويفسكي" الشاعري، وفي مثل حجم كآبة شاعريته، لم أتصور يوما أن له من الذكريات ما يجعله يطلق عليها تشبيها شجيا كهذا، الذكريات لا تليق بهذا الوصف البتة إلا إذا كانت بهيجة ولا أعتقد أن قلم "ديستويفسكي" لقي من البهجة ما لقيته الذكريات بوصف يكبرها حياة ومقاما. أصلا نحن لا نتذكر إلا لنحزن، إلّا لنتحسّر، إلّا لنبكي على الفقد.. متى كانت الذكريات سبيلا معبدا للفرح؟
كان على دستويفسكي أن يتدارك ما كتبه ويقول " ففي الساعات التي ينوء فيها القلب بعبء الذكريات، يأتي الشقاء فيثقل النفس ويخدرها، مثله كمثل تلك الأوحال التي تسد الطريق وتعلق فيها الأقدام، فلا أنت عدت إلى الخلف لتتدارك الأيام، ولا أنت تقدمت إلى الأمام."
حياة