jeudi 22 juin 2017

النبات يحبّ ويتألّم ويقرأ أفكار البشر

بقلم حياة بن بادة



"النبات يحبّ ويتألّم ويقرأ أفكار البشر" هو عنوان كتاب قرأته قبل سنوات للكاتب المصري راجي عنايت، وهو من أجمل الكتب التي قرأتها على الإطلاق، خاصة وقد صادفت قراءته انشغالي بالعالم النباتي وعلاقته بعلم النفس عقب موضوع تناقشنا فيه ذات يوم أنا وزملائي في القسم حول ما إن كانت للنبات نفسية. والإجابة كانت نعم حتى قبل أن أكتشف هذا الكتاب، وتجدر الإشارة إلى أنّني أؤمن بالعديد من الأشياء المتعلقة بالنبات والحيوان التي قد يراها البعض ضربا من الخيال والتي لطالما ارتبطت بالإنسان فحسب وسأتحدث عنها في مقال لاحق بحول الله. وكم من طقوس وأقوال وأمثال كنا نسمعها عن قبائل ما أو عن جدّاتنا وأجدادنا أثبت صدقها العلم.
في قسم علم النفس العيادي الذي اخترته كاختصاص ثان، حدّثنا زميلي ذات يوم عن قصة النخلة العقيم التي أمر والده بقطعها كي تستبدل بشجرة أخرى قائلا لأبنائه:" لا أريد رؤية هذه النخلة مع حلول الموسم القادم هنا وعليكم التخلص منها علّنا نزرع في مكانها شجرة مثمرة." استمعت النخلة لما قاله -وأكيد أنّها فزعت- فأثمرت قبل حلول الموسم تمرا لذيذا تفاجأ له الجميع ومنذ ذلك اليوم وهي تثمر.
 تذكرت يومها كيف كنّا نغرس العدس والطماطم والباذنجان والفلفل مع أمي في علب الطماطم المصبّرة بعد كلّ درس لمادة دراسة الوسط وكيف كانت الحبوب تنمو بسرعة وتستشعر حبّنا واهتمامنا وشغفنا بها فأثمرت ما لذّ وطاب رغم ضيق المساحة، وكيف توقفت عن النمو بعد رحيلنا، لكنني لم أكن أعلم أن النبات يحس بوجودنا كما تفعل القطط ويشتاق لنا كما القطط. وتذكرت أيضا بعد حادثة نخلة زميلي بالقسم شجيرة دخيلة كانت تنمو في بستاننا الصغير مع أشجار الليمون والنارنج وغيرها، وكيف كنّا متلهفين لمعرفة صنفها ولكنّ خالي وبحكم خبرته في ميدان الزراعة والفلاحة أمرنا بالتخلص منها وكذلك عمّتي بحكم خبرتها الزراعية، لقد كان كل واحد منهما يرى بأنّها نبتة ضارة ولا تثمر لكنّها أخذت تنمو وتنمو بسرعة فائقة خاصة وقد كانت تثير انزعاج أمّي. رحلنا من ذلك البيت لمدة وعدنا إليه في العطلة فوجدناها شجرة ما شاء الله وفي سنوات معدودات تعدّت جدران الجيران وكادت تكسر جدارنا وتدلّت أوراقها الخضراء في الحيّ، أخذت أبحث عن الفاكهة ذات الأوراق نفسها ولكنّي لم أجد، إلّا أنني كنت متفائلة وقلت لأمي إنها ستثمر بعد سنوات أخرى كبعض الأشجار. عدنا ربيعا فوجدناها أزهرت وبعد أشهر قليلة أثمرت. قال أبي إنّ تلك الثمار تستخدم لصناعة الشكولاطة ولكنّنا لم نأخذ ما قاله على محمل الجدّ، وفعلا، كانت هي ثمار شجرة الخروب التي تستخدم لصناعة الشكولاطة.
وأروي حادثة أخرى متعلقة بشجرة النارنج ببيتنا التي اكتشفنا أنها مريضة وتحتوي ثمارها على الدود، ونظرا لمعاناة أمّي من فوبيا الدود أمرتنا بقطعها وتعهّدت بأنّ شجرة الدود هذه لن تمكث سنة أخرى في بيتنا، عدت بعد برهة إلى الشجرة وقد كان يعزّ عليّ أن تجرح شجرة (حتى أنّني لا أسبب الأذى لأي نبتة مهما كانت ولو بقطف ورقة منها، بل لا أجرأ حتى على قطف وردة وأفضل بقاءها على الشجرة)، عدت إلى النارنج وناجيتها قائلة:" إنّ تهديد أمّي جاد للغاية وسيتخلصون منك، فتعافي." صدّقوني، أثمرت النارنج في الموسم القادم حبّات رائعة لا تحتوي على دودة واحدة.
ومنذ قرأت كتاب راجي عنايت "النبات يحبّ ويتألم ويقرأ أفكار البشر" تعرفت على واقع آخر وعالم آخر وسرّ جديد. وصرت أتعامل مع النبات كما أتعامل مع الإنسان حتى أنّي أسلّم عليه وأناجيه وأصافحه وأقبله وأحضنه ومؤخرا اكتشفت أن أغصان شجرة من الأشجار الباسقة اعتدت على مدّ قامتي ويدي لأصافحها بلطف تتدلّى يوما بعد يوم إلى ما يعادل طول قامتي وامتداد ذراعي كأنّي بها تبادلني المودّة. 
يتحدث راجي عنايت عن نفسية النبات في هذا الكتاب بصبغة علمية مبرهنة وتجارب لكبار العلماء في مجال الزراعة والبستنة ويوضح للقارئ كيف أن النبات بإمكانه أن يقرأ أفكارنا ويتصل بنا ويتذكر ويتألم وينزعج ويمرض ويشتاق ويتعذب ويجنّ وكيف يتذوق النغم ويتحسّس له، ماذا يتقبل وماذا يرفض وكيف يرقص ويتجاوب مع اليد التي تزرعه وهذا يذكرني أيضا بما كانت تقوله أمي لي وهو أن أتكفل أنا بزراعة بعض البذور، كانت دائما تقول إنّ أصحاب القلوب البيضاء الطاهرة ينمو زرعهم، فزادني قولها حبّا للنبات وأدركت أن النبات يشعر بقلب زارعه، فأحببت صداقة الشجر، كيف لا وصداقتها تشفي من العلل شأنها في ذلك شأن أوراقها وأعشابها وبذورها.
عندما كنت طفلة لم أكن أتغنى بالزهر الأصفر رغم إعجابي بجماله لأن الناس من حولي كانوا يرمزون من خلاله إلى الغيرة ولكنني سرعان ما أدركت أنه زهر الحبّ والاحتواء والراحة النفسية وكلما انتابني الكرب استعنت به وازددت حبا له كلما قرأت قوله تعالى:" صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين" فيا ترى كم تبلغ نسبة الألم الذي كان يستقبله الزهر الأصفر حين يمرّ عليه البشر باشمئزاز؟ وكم شجرة حطّمتها العبارات؟ ، فقد قيل لي ذات يوم إنّ إحدى قبائل جزر سليمان في جنوب المحيط الهادي إذا قرّروا قطع شجرة ما يكتفون بالدوران حولها ولعنها فتموت المسكينة واقفة، فهل يحتمل البشر هذا النوع من التعذيب؟
كنت دائما أتوجه لطلابي الذين كنت أدرسهم الانجليزية بقسم الفلاحة في الجامعة قائلة:" بإمكانكم أن تنجزوا أشياء خارقة متعلّقة باختصاصكم، فلا تتوقفوا عند الامتحانات وشهادات التخرج أو الدكتوراه، تستطيعون أن تكتبوا وتدوّنوا وتخترعوا وتنفعوا العالم" وها هو راجي عنايت قد كتب لنا في اختصاصه وأفادنا، فشكرا له. وأدعوكم لقراءة كتابه "النبات يحبّ ويتألم ويقرأ أفكار البشر" لتكتشفوا عالما آخر بيننا و ترأفوا به.

lundi 19 juin 2017

ورقة بنت الحلفاء

بقلم حياة بن بادة


يوزّعون علينا السعادة في كتب، كأنهم فعلا فهموا السعادة. يبيعوننا السعادة في ورق كأنّ سرّ السعادة فعلا في الورق. كيف لا وذاكرتنا ورق وعيشنا ورق وذكرانا ورق، حتى النسب لحّفوه في ورق وحتى الكفن نشتريه بالورق، حتى العرق يقايض بالورق وتلك العلوم تسمّر بالورق وذاك البطن يصقل بالورق وحديثا صار الشرف يبرهن على الورق. ما رأيت في حياتي قطّ أسعد من الحلفاء والقش وألياف السليلوز، بدونها لا يستطيع الورق أن يصنع نسبا وهويّة وعيشا للبشرية، فطوبى لهم.
بدون الورق لن يستطيع والداك بطولهما وعرضهما أن يقنعا البلدية أنّك ابنهما ومن صلبهما ولن تستطيع بشهيقك وزفيرك إقناعها أنّك على قيد الحياة، حتى الشخصية باتت تثبت في ورقة تصدر من بلديّة، بل حتى الجدّ برفاته عليه أن يشهد في ورقة أنّه ميت وأنّه كان ينتمي إلى الوطن نفسه الذي تسعى لاستخراج شهادة جنسية تثبت انتماءك إليه. بدون ورق لن تستطيع الحصول على عيش كريم، فالسعادة مقيدة في ورق وبناء العلاقات مقيد في ورق والقوت مقيّد في ورق والمحاضرات مقيّدة في وابل من الأوراق. أنت بما فيك لحم مرحيّ ملفوف في ورق في متناول معدة الغبار، ذاك الذي يكسو السجلّات والرفوف، أنت بطولك وعرضك غير معروف لولا بطاقة تعريف، فقط كان عليهم أن يستبدلوا المثل القائل:"وجه الخروف معروف" بوجه الورقة معروف. إنّها جلالة الورقة المبجّلة التي لا يرفض لها طلب ويزداد عليها الركض والطلب والشجار والكذب وتقام لها الأعراس وعلى شرفها تفرش المآدب وبسببها قد يجنّ الناس.
عندما كنت في السابعة عشر من عمري أدّيت مونولوجا في مسرح نادي الترجمة في الجامعة بعنوان ورقة، لا زلت أذكر فيه ثلاثية النبراس والورقة والقلم التي رهنت حياتي ولازالت تفعل، لم أقرأ في حياتي مونولوجا أجمل منه  ولست أدري إلى اليوم من كتبه ولم يجد أساتذتي طالبا جريئا فصيحا موهوبا يمكنه عرض حياة الورق غيري، فعرض عليّ الدور وأدّيته بحبّ وإيمان بالخديعة التي نعيش فيها دون أن ننتبه، وكما ذكرت في إحدى رواياتي إنّ عظمة الورق تتجلّى حتى في قدرتها على تقسيم الأرض بين أصحابها وأعدائهم وقصدت بذلك القضية الفلسطينية، و ليتني أجد من يقنعني أنّ مروحة الداي حسين التي لوّحها في وجه القنصل الفرنسي دوفال يوم عيد الفطر واتخذتها فرنسا ذريعة لاحتلال الجزائر لم يكن فؤادها مطمور بالورق. ولكأنّي كنت أعلم أنّي سأعاني في حياتي من أزمة الورق أكثر من زملائي. كأنّي كنت ألقّن الحياة درسا لقّنته لي فيما بعد أحسن تلقين، فقد قالوا إنّ الحياة تسرق ما نفعل أو ما نقول أو ما نكتب لتعيّشنا فيه كما أشارت أحلام مستغانمي ذات يوم. وها أنا قضيت اثنتي وعشرين سنة بين الأوراق ووجدت نفسي أحذو حذو الأمم المتحدّة وأخترع يوما عالميا لي للاحتفاء بالورق وأقرّر موعدا في الصيف من كلّ سنة لتمزيق الأوراق وأنا التي اعتدت التخلّص من الأوراق دون تمزيق تماما كما أفعل مع البشر، أتخلّص دون تمزيق، فالكيس الأسود كفيل بجعل تلك الأوراق مختنقة بقيد الضغط بدل التطاير في الهواء حيث الحريّة.
السيّدة ورقة بنت الحلفاء وإن كانت أيضا بنت القشّ وألياف السليلوز، بنت ثلاثية الأرحام، لديها القدرة الخارقة لأن تجعلك تفقد حياتك ومستقبلك وعلاقاتك ودراساتك وعملك  بين ليلة وضحاها ويمكنها أن تأمر بالحكم عليك سنوات وسنوات في العلبة السوداء حيث الأعمال الشاقة ولن يستطيع حينها عادل إمام أن يلهم محاميا ما ليتطاول على القضاة ويخرجك من شبكتها. ويمكنك أيضا أن تحقّق طموح حياتك بفضلها الكريم.
آه و ألف آه، كم مرّة جعلتني الورقة أعزف موسيقى على مقام الرصد والنهاوند والحجاز والبيات وأغنّي لأعزّي حالي وأنا بين الأوراق، أتساءل كما فعلت في ذلك المونولوج عن سحرها وكيف يمكنه التفريق بين المرء وحياته. والأمر المضحك هو أنّ السحرة أيضا يستعينون بالأوراق مع الشيطان ليخرّبوا البيوت، فيا ويح الورق ويا ويحنا، حتى ذنوبنا وحسناتنا تسجل في الورق فبأيّ نوع من الورق مخلوق هو كتابي؟.
 ربّما كانوا على حقّ وهم يوزعون السعادة في الورق، فسعيد أم شقيّ ستترك بصمتها على ذاك الكتاب.
لك الشرف يا ورقة أن تفعلي و تفعلي فينا، فأنت زوجة القلم، أوّل خلق الله، فقولي يا سيّدتي وانفعلي وانفجري كما قال نزار ولي أن أقف أمامك كالمسمار، فأنت المنطقة الوسيطة بيننا وبين الجنّة والنّار.

jeudi 8 juin 2017

مدينة المطر

بفلم: حياة بن بادة





المساء فرنسي بامتياز هذا اليـــــــــــــــــــــــــــوم
حتى تذكارات فرنسا تخشى النـــــــــــــــــــــــــوم
كلّ شيء في هذا المساء يغـــــــــــــــــــــــــــــرق
في بركات باريس الشتوية ينزلـــــــــــــــــــــــــق
من أرصفة الحبّ انطلـــــــــــــــــــــــــق
و بلسان المطر ينطق
كأنّ باريس طفلة تعشق
و تخبّأ اسم فتاها في جيب قلبها المغلـــــــــــــــــق
اعشقي يا فتاة المطر قدر ما شئت اعشقـــــــــــــي
و على حبّك المستحمّ بالشتاء الأزرق أغلقي
و لا تسمحي لبشر أن يسرق الحبّ من كتابـــــــك
فأنت اليوم بدأت و كتبت و انبثقت من ترابـــــــك
و لن يجرأ نابليون بعد اليوم أن يبعث فيك الضجر
نامي بهدوء كأنّك في قصر لويس الرابع عشــــــر
و استيقظي على أغاني أوغست لصغيره اللوفـــــر
إن أوروبا تنتظر خبرا سارّا عن كــــــــــــــوزات
تزفّه إلى الصفحات و ترصفه في المكتبـــــــــــات
اعشقي يا باريس قدر ما شئت و ارقصـــــــــــــي
كأوراق يانصيب تحلم بإحياء أعـــــــــــــــــــراس
كصكوك غفران لا وجود لها و آمنها النــــــــــاس
المساء ضيّق فيك يا باريس
لا يحو حتى  لقاء بريتوس بأدونيس
المساء ضيّق جدا فيك يا فتاة المطـــــــــــــــــــــر
يموت بسرعة كأنّه تذكرة سفـــــــــــــــــــــــــــــر
و لكنّه جميل كزهور فانسن العــــــــــــــــــــذراء
كشوراع نيس حين تلقي تحاياها على الشتــــــــاء
كأنغام هاربة من أوبرا غارنييه لتطيـــــــــــــــــر
إلى قوارب السين ، إلى مسرحيات مولييــــــــــــر
إلى حكايا كوازيمودو ، إلى بقايا المشاويـــــــــــــر
الشمس تكاد تقبّل أحزان الحي اللاتيني يا باريــــس
و بعدك ترقصين خفية كما يفعل القدّيــــــــس
أعلني رقصاتك وبعثري ابتساماتــــــــــــــــــــــــك
و اعشقي كما تشائين
فغدا صباحا يسكت عزف المطر و ستندميــــــــــــن

mercredi 7 juin 2017

ورّطك النصيب من اسمك يا حمزة.

بقلم: حياة بن بادة


حين حلّ رمضان و أخذ من حولي يستقبلونه على أنغام ماهر زين ينادي "رمضان، رمضان رمضان يا حبيب، رمضان رمضان ليتك دوما قريب" شعرت بالغربة لأول مرّة تجتاحني كغارة شنّها عليّ الحنين لأن أعود طفلة وأستند إلى صدر أمّي بعيدا عن صخب الطموح، تلك الغارة التي تستهدف الاستيلاء على صبري. تذكرت أولئك اللاجئين الذين هجّرتهم الحروب و الفتن و أولئك المساكين الذين قضت عليهم المجاعات والمحن، تذكرت أولئك الشباب الذين سيتهافتون على ديار الرحمة قبيل المغرب ليفطروا بعد أن خذلتهم الرجولة التي عادة ما تفضّل صالات فتل العضلات على المطبخ، وتذكرت أولئك الذين قطعوا البحار يطاردون أحلامهم وتذكرت شخصا كان اسمه حمزة وأنا لم أنس حمزة. ترى كيف يقضي حمزة وأصحاب حمزة رمضان؟.
 ورّطك النصيب من اسمك يا حمزة كما لم يورّط عنترة وكما لا أتمنّى أن يخونني النصيب من اسمي.
لم أنس "حمزة" شأني في ذلك شأن ابتسامة طفل عشق زيارات "روبن هود" المفاجئة ليلا، شأني في ذلك شأن يتيم من طراز "جودي أبوت" لا يعرف حقيقة صاحب الظل الطويل الذي يتذكره في كل عيد. و على عكس جودي التي كانت تراسل "جون سميث" في كل شهر نحن لا نرسل دعاء لحمزة ولو لمرة في العام. لم أنس حمزة كما لم أنس شهداء وطني وأبطال حضارتي ورموز التاريخ البشري الذين أثرّوا في. لم أنس حمزة كما لم ينس العالم أن يردم حمزة وأصحاب حمزة تحت غبار "نفسي، نفسي".
كذلك المبنى الذي لا زال يحتوي ذكريات سكانه الذين ماتوا، كذلك الجدار الذي لا زال يحتفظ بخربشات أنامل صبية الحي الذين غادروا، كتلك الكلمات التي لا زالت تحتفظ بموسيقى النهاوند التي عقدت عليها القران ذات يوم في استديو لتسجيل أغنية، كذلك الشجن الذي يتصاعد في صوت فيروز هنالك حيث لم يبق شيء عدا الذكرى تثرثر في حضرة الماضي لم أنس حمزة.
كأطفال قرية افريقية امتصّت فيتاميناتها كوبرا أمريكا وأوروبا و غادرتها للفقر و التخلف والمرض فلم ينساها التخلف والفقر والمرض، كبرتقال يافا الذي تغيّر و تحيّر لدى تهجير أهالي العجمي و البلدة القديمة والمنشية و بيت دجن، كخيام روبن المشتاقة لأشجار الصفصاف والعليق و كقباب طبريا و رمل عكا الحار المشتاق لأقدام أهله، كعصافير الشط الغربي وكضجيج الأطفال في الطالع الأول، كنبض قلب ساعة السلطان المشتاقة لثرثرات دراويش الحي، كتلك الصور المأخوذة من أعالي جبل الكرمل وكتلك الصور الملتقطة من جبال جرجرة و الطاسيلي وكجدران مسجد كتشاوة البالية التي لم تنس أهاليها لم أنس حمزة وأصحاب حمزة، كجبال الأوراسي أنا كلما ازددت ذكرى ازددت خضرة. وكمشاعر ورق أديب عربيّ حزين، كلما رأيت الظلم يلتهم حقّا ازددت حرقة، و كالانتربول أنا، نعم كالانتربول التي لم تستطع لحدّ الآن القبض على الجماعات البوذية المتطرفة بميانمر والقبض على إسرائيل في مطارات فلسطين أنا أعبر الحدود، غير أنّني لا أقبض على الأبرياء والمجرمين وإنّما أندّد بالظلم في كل مكان.
لن ننتظر جوابا من حمزة ولم يكن على جودي أبوت أن تنتظر جوابا من جون سميث صاحب الظل الطويل و لم يكن روبن هود ينتظر شكرا من أهالي شيروود و طيور غابات نوتنغهامشاير، لكن ماذا لو تذكرنا حمزة بالدعاء؟ لا بدّ أنّ حمزة مشتاق إلى دعاء في ظهر الغيب.
سأخبر الغرب أنّ  حمزة كان واحدا من مجموعة "ميري مان" التي أغرقت غابات شيروود بابتساماتها وأنّه كان بطلا في حياة جودي أبوت وأنّه كان روبن هود في أساطيرهم وجون سميث في رواياتهم وحمزة في واقعنا نحن.
كان اسمه حمزة و كأيّ حمزة يقبع في السجون الظالمة، يحول الظلم بينه و بين مائدة رمضان و مباركات العيد، حيث تلتفّ العائلة حول حبّها واحتوائها ودفئها ويفصل النسيان بينه و بين دعاء في ظهر الغيب.
كان قرصانا يختلف عن "الفايكينغ" و يختلف كلّ الاختلاف عن "فيكي"، هو قرصان لم يبحر على متن السفن والقوارب الطويلة و لم تخلّد ذكراه مدينة يورك. هو قرصان لا يسقط على جسر ستامفورد وإنّما ينكسر عند ذاكرتنا نحن التي اخترنا لها أن تنسى حمزة وأمثاله. أستطيع نسجه لهم في قصيدة انجليزية قد يؤمنون بها، أستطيع سرده في رواية انجليزية يمنعها التاريخ من الاندثار ويطويها أبناء حيّها في سجلّ النسيان، أمّا أنا فلم أنس كلّ حمزة لا أعلم ماذا يفعل الآن في سجن أمريكي أو إسرائيلي أو بوذي أو آخر معدّ للمجاعة، لم أنس كلّ حمزة صنعته حياة الأبرياء.
حمزة لم يسرق وإن سرق فقد حذا حذو روبن هود الذي كان يحاول استرداد ما نهبه سرّاق الإنسانية وعبّؤوا به أرصدة القتلة ودعموا به ظهور الظالمين.
في كل مكان يوجد حمزة و في كل عصر يظهر حمزة، هناك حمزة الهاكر بطل عصر الواي فاي وهناك حمزة الأسير في سجون إسرائيل وهناك حمزة المقتول في بورما والصومال وسوريا واليمن والعراق وغيرهم، فتذكروا حمزة كل يوم، تذكروه بدعاء، تذكروه بحبّ وتذكروه بحقّ.