mardi 27 février 2018

الغوطة الشرقية، معزوفة الصمت!

بقلم: حياة بن بادة




الغوطة الشرقية بصخب يومياتها وأنينها ونوحها وضجيجها، وأوفها الحزينة الطويلة وحنجرتها الجبلية القوية، لا تزال عندنا معزوفة صمت! كأنّ لا صوت فيها ينوح! كأنّ لا طفل فيها يبكي! كأنّ لا أحد فيها يصرخ! الغوطة الشرقية التي أرادوا لها أن تنتهي مع كلّ فاجعة تحلّ بها فلم تنته يقتحمها الموت بجنوده يوميا وبقوّة! الغوطة الشرقية، فيلم الرعب الطويل وحكاية الأسى المملّة التي ما فتئت تعرّي إنسانيتنا وتكشف نفاقنا لم تصنّف بعد ضمن تراث الأمم المتحدة العالمي والتاريخي للذين وقع عليهم الظلم والقهر العالمي! الغوطة الشرقية، جنّة الشرق المريض، وجرح الشام العميق، لا زالت لم تدقّ ناقوس الخطر الدولي! هي فقط تنقر على منبه الساعة السابعة صباحا لشعوب لم تشهد في حياتها الفجر وأجّلت وقت نهوضها إلى ما بعد الموت! الغوطة الشرقية الملتهبة ورواية الألم اللامنتهية معزوفة الصمت العربي لا زال صراخها لم يصل ولا زال العالم يتأمّلها دون حراك، ربّما اكتشف فيها مفتاحا موسيقيا جديدا يزيد نشوة الاستمتاع لديه! الغوطة الشرقية مجرّة الأحزان والمآسي التي لم تنفد بعد ولا تزال تقتحم بيوتنا مع كلّ نشرة أخبار!
يا الله! ألا زال هنالك شيء يسمّى الغوطة الشرقية؟! اعتقدنا أنها انتهت يوم شنّوا عليها هجوما كيميائيا! كنا نخالها رحلت يوم سادتها الأمراض والأوبئة والمجاعات! ظننا أنهم محوها يوم حوّلوها إلى معرض لمشاهد تراجيدية تتسابق فيه الطائرات الحربية والأسلحة النارية وقذائف هاون. الغوطة الشرقية التي فشلت لسنوات في امتحانات الموت الكلّي ورسبت في دورات تكوينه ولا زالت كأشجارها تحترق لتموت واقفة لا زالت لم تنته ولم تفز بموت كلّي بعد رغم الإبادات! الغوطة الشرقية حكاية الريف الأسود ومشهد الدخان! حكاية الحصار والقمع والقصف والدمار! حكاية لا تشبه الحكايات!
يا الله! غابت "أويها" و"زلاغيط" نسوة الشام المتعالية بأفراحها واستبدلت بصراخ الأطفال والأمهات المتناثرة بين النار وتحت الرماد، ولا زالت "أوف" تبكي بعمق وحرقة، ولا زلت أنا هنا، عيني على الشام وقلبي فيها، أقلّب مواجعه بأبيات عقل وصوت فيروز يناديها:
يا شام عاد الصيف متّئدا وعاد بي الجناح
صرخ الحنين إليك بي أقلع ونادتني الرياح
أصوات أصحابي وعيناها و وعد غد يتاح
كلّ الذين أحبّهم نهبوا رقادي واستراحوا
فأنا هنا جرح الهوى وهناك في وطني جراح
ومتى غاب عنك الصيف يا شام؟ متى غاب؟ لا الصيف عنك رحل ولا هو الشتاء فيك بالرحمة التزم. يا شام كل عام يعود الشتاء ويعود الثلج ويتجمّد شادي هناك في الوادي، نتفرج على جثته المتجمدة ونخرس، فنحن الشعوب التي تعزّي ضحاياها بدقيقة صمت وتقف على أرواحهم بسنوات الصمت وتمرّ على جثثهم بالصمت، لا بل على نهج الملاعب أضحينا نمشي وصرنا نعزيهم بالتصفيق كي لا نشوّش على الطواغيت ونبارك جرائمهم الشنيعة ونضع أيدينا فوق أيديهم. ومتى غاب عنك الصيف يا شام، إنّنا بالصدفة نقلّب أوراق الحروب وعمدا تقلّب هي الحرب مواجعنا، مواجع جعلتنا نتوه في مآسي دنيا صارت أحزانا تتخللها لحظات فرح خجولة.
نعم، كلّ الذين نحبّهم نهبوا رقادنا واستراحوا في جنة الخلد، وبقينا هنا نتعذّب بذنوبنا وأعييننا وآذاننا. وها أنا هنا من خشب أشجار ريفك الرمادية أصنع بوجعي ربابة تبكي عليها الأوف والعتابا! ومتى غاب عنك الصيف يا شام؟ ها أنت اليوم كالربابة بوتر واحد لا أوتار أخرى تشاركك الفاجعة، فبقية الأوتار اختارت أن تفرح بعيدا في حفلات الصباح، وحدها الطواغيت اجتمعت فيك لتقتسم أجساد الأبرياء وتحرّق بساتينك وتردي الغوطة الشرقية رمادا.
أوف.. أوف.. أوف.. أووووووف وأفّ من حياة كهذه!
لم أتصوّر يوما أن يسجّل التاريخ أمامي مآسيه، لطالما قرأتها في الكتب وشاهدتها في الأفلام والمسلسلات والمعالم وشاهدت شيئا منها في جسد جدّي، ذاك الجسد الذي سكبت عليه فرنسا غيظها في السجون وظلّ ذاكرة جهادية اكتشفتها قبل أن أبلغ الخمس سنوات ثم ردمها التراب وبقيت لاصقة في مقرّات الذكرى لديّ.
أوف.. أوف.. أوف.. أوووووف وأفّ من شعوب كهذه!
لم أتصوّر أبدا أن أعيش ليوم أتفرّج فيه شريط دمار الإنسانية على المباشر، لم أتصور يوما أن معزوفة الصمت الأخرى التي نظمها "جون كيج" هي نحن، الفرق الوحيد بيننا هو أن أصوات بيئتنا صاخبة بالتخاذل واللامبالاة وأنّ مدّة صمتنا فاقت القرون ونحن معزوفة الصمت التي ينصت إليها الطواغيت منذ زمن.
أوف.. أوف.. أوف.. أوووووف وأفّ من قلوب كهذه!
لم أتصوّر إطلاقا أنّني سأكبر وأعيش ليوم تعمى فيه الأبصار والبصائر والضمائر وأشاهد البشر متناثرين كأوراق الخريف المحترقة هنا وهناك، لم أتصوّر يوما أن تبلغ فينا القسوة ما بلغت وأن نجتاز مسابقة الخذلان بجدارة ونظفر فيها بالمركز الأول!
أوف.. أوف.. أوف.. أوووووف وأفّ من كتابات كهذه!
تمنيت لو كان بإمكاني صياغة أبيات عتابا سورية ترافق وجع الأوف وتصمد إلى الأخير مع آلامه. تمنيت لو استطعت كتابة وجعي وعتبي وغضبي في أربعة سطور. تمنّيت لو رافقت أحزان الأوف إلى بيتها. كم تمنيت لو اعتزلت نشرات الأخبار للأبد واعتزلت العالم وأبقيت على جهلي، وكم تمنّيت لو كتبت عن جمال الريف لا رماده!
ولا زلت أتساءل لمن أكتب ولمن نكتب جميعا هذا الوجع، لمن نكتب هذا الغضب؟! إنّنا نكتب للذين لا يقرءون، نكتب للذين لا يسمعون، نكتب للقاسية قلوبهم، للذين لا يفقهون، للذين لا يشعرون، للذين تزعّمونا ولكنهم لا يتحرّكون، كلهم لا يقرءون. ولأنهم لا يفعلون، نكتب لأننا نرفض أن نقف دقيقة بل سنوات صمت على أرواح ضحايانا، وعلى عكسهم نحن صاخبون بأقلامنا، نحن مثل جماهير كرة القدم صاخبون ولا نحترم دقائق الصمت لهذا قررنا إطلاق صافرات أقلامنا، علّنا بأقلامنا نشوّش على مشروع إبادة شعب كامل، علّنا بأقلامنا نقلّم ذنوبنا، علّنا بأقلامنا نفرّغ سموم غضبنا ونخفف وخز الثورة التي حوّلت قلوبنا إلى ملعب أولمبي تتسابق فيه الآلام.
سئمنا اختبارات التحمّل هذه، سئمنا ماراثون الأحزان هذا الذي لا ينتهي، سئمنا دورات البؤس هذه التي لا تموت، سئمنا أفراحنا وابتسامتنا المحتشمة، سئمنا حياة النفاق الجغرافي، سئمنا السلام الكاذب المزوّر، سئمنا العيش في ضفة الأمن البخيل بينما النار تلتهب في ضفافنا الأخرى. سئمنا التفرج على أشلاء الأبرياء وكم سئمنا البكاء المستمرّ على عجزنا، سئمنا ضجيج الحزن وحياة الألم المنفصل عنّا جغرافيا، المتصّل بنا روحيا، سئمنا كتابات الحزن هذه التي سيسجّلها التاريخ.


vendredi 23 février 2018

نعم، داري يا قلبي

بقلم: حياة بن بادة



في الثانوية روى لنا أستاذ اللغة العربية قصة علّامة جزائري أرسله والده للدراسة في جامع الزيتونة، ذاك الرجل لم يصبر على فراق وطنه فتدهورت صحّته وعندما قرّر مغادرة تونس وعاد ليموت في الجزائر وقف على رجليه سليما معافى ما أن تنفّس هواء الوطن وعادت إليه الحياة. هو لم يكن مصابا إلّا بأزمة الفطام عن الجزائر، فيا لها من أزمة صحيّة. إنّ هواء الوطن لوحده شفاء والفطام عنه داء وأحزان المهجر صعبة!
وكان الاستعمار الفرنسي يعاقب المجاهدين والمناضلين بنفيهم خارج الوطن، الاستعمار نفسه كان على يقين أن الانفصال عن الأرض هو موت بطيء،  موت بسبع أرواح يشتريك بالتجزئة. ذاك عن استعمار كان واليوم أصبح الاحتلال منّا وفينا، اليوم يأخذ الاستعمار أشكالا عدّة، في زمن صارت فيه الهجرة كلّ ما تبّقى من العدّة التي تعيلك على عيش الحياة والانتصار المنهزم في حربها. كم من واحد أخرجته صحّته نفسية كانت أو جسدية من وطنه، كم من واحد أخرجه حلمه من أرضه وكم من واحد أخرجه قومه! "فما أطيبك من بلد وما أحبّك إليّ ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك".
وكم من نبيّ هدّده قومه بإخراجه من أرضه، "وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملّتنا" وعلى نهج الأولين يسير كم من مستبّد!
في الوطن الغالي الذي أحببناه بعمق لم يبق لنا مكان لم نعد فيه نتألّم، في الوطن العزيز الذي لطالما جهرنا له بأحلامنا لم يبق لنا حلم، في هذا الوطن الواسع كلّ شبر صار بنا يضيق وكلّما خطونا خطوة نحو أنفسنا كلّما فخّخوا لنا الطريق. سرقوا أجمل ما فينا ونهبوا زهرة شبابنا وأجبرونا على ما نكره، أوَ ليست الهجرة أحبّ ممّا يدعوننا إليه؟ إنّهم يدعوننا يوميا لنقتسم معهم فطيرة الفساد، ولئن لم نفعل ما يأمروننا به لنسجنّن ولنكونّن من الصاغرين!
نعم، "إحساسك كل يوم يقلّ وتخطي وخطوتك تزلّ، من كثر ما أحبطوك تملّ، فين تلقى دواك؟! بتودع حلم كل يوم، تستفرد بيك الهموم." هذا أنا، هذا أنا في وطني الحبيب ذاك الذي بذلت لأجل البقاء فيه فرحتي حتى لم يبق منها شيء. هذا أنا من شاخت أمنياتي، هذا أنا من ودّعت جميع أحلامي في وطني العزيز، هذا أنا من تحوّلت عشريناتي فجأة إلى سبعينات في وطن ينكص فيه السبعينيّ إلى العشرين، هذا أنا في وطني المسكين الذي يعيش في داخلي ولم يعد يحتملني داخله. هذا أنا في وطني المحتلّ بالطواغيت.
داري يا قلبي لا تعبر فقط عمن عاشوا الثورات ولا حتى عن أولئك الذين ودّعوا الوطن، هي تعبّر عن كل من هاجر أحلامه وحياته التي رسمها في وطنه فأمسى ميتا من القهر واضطر حينها للرحيل، هي تعبّر عن المستضعفين في أرضهم، فمنهم من غادر لوحته الخضراء ومنهم من طار بعيدا عن قوم حلّقت بهم المغرب العنقاء. أخرجوهم لأنّهم كانوا يتطهرون من الظلم والفساد، أخرجوهم لأنّهم رفضوا الذلّ وعبادة العباد.
كلّ المواطنين "الأصيلين" يغادرون الوطن قسرا، لا أحد يغادر الوطن لأنه "شبع" عدا الظالمين والمنافقين والخونة واللصوص. هجرة البعض ليست إلّا جوع بعد تجويع، جوع إلى الأمان، جوع إلى العلم، جوع إلى العدل والاعتراف والعرفان بل وحتى إلى العمل بإخلاص الذي لا يلفّ عنقه بحبل التنكيد أو التهديد ويصوّب نحوه الرصاص، ومع ذلك قد تقتلهم النوستالجيا بين الذكرى والأخرى وقد تحييهم!. لو أنّهم وجدوا أنفسهم وأحلامهم في أوطانهم لما اضطروا للرحيل والبحث عن مكان أقلّ ضغطا وراء البحار. إنّهم وقّعوا عقدا مع الموت يوم قرّروا ركوب الهواء والبحر والبرّ، لم يكن يهمّهم إن غادروا الحياة حتّى، فلا حياة أحلى من تلك التي رسموها ذات يوم بأحلامهم على أراضيهم.
حمزة نمرة إنسان عالمي رغم كونه مصري، لم يغنّ لمصر فقط بل غنى لنا كلنا، هو الذي غنّى للمهاجر "تذكرتي رايح جاي" و"عصفورين"، للمغترب أعاد "يا بحر الطوفان" و"مانيش منّا غير البابور جابني"، هو الذي غنّى لذكريات الطفولة وبراءتها التي عشّشت فينا "مرجيحة"، هو الذي غنّى للحلم والطموح "احلم معايا"، هو الذي غنّى للمظلوم "يا مظلوم ارتاح عمره الحق ما ضاع" وللإنسان "على باب الله" و"إنسان" و"فتّح شبابيك عينيك"، هو الذي غنّى"هنسى" لكلّ من طرقت بابه الهموم. ولأنني أسمع أنين قلبي المكسور، أقوى على سماع داري يا قلبي، لأنّي أقوى على سماع قصص الناس العجيبة، أقوى على الاستماع لحمزة نمرة، لأنّني أقوى على الإنصات لفجائع المجتمع يوميا أقوى على سماع داري يا قلبي وأخواتها دون الخوف من السقوط في فخّ الاكتئاب. إنّني لا أخاف الحزن فالحزن ليس نقيض السعادة ومن الحزن ما أحيا.
في داري يا قلبي تجسّد الوطن والغربة والواقع الحزين، في داري يا قلبي لم يغرينا اللحن بقدر ما أغرتنا الكلمة والحقيقة، ولم تبكينا الكلمة إلّا لأنّها تصفنا وصفا بليغا مؤلما ربّما لم تجرّبوه، فالناس شخصيات وما يؤثر في مجموعة قد لا يحرّك أنملة في أخرى، الناس شخصيات وسمات الشخصية وأنماطها تختلف من فرد إلى آخر، تختلف من إنسان إلى إنسان. قد لا تسبّب لك محطّة الحزن والاكتئاب والغربة وعكة صحية لكنها لدى غيرك تفجّر السرطان، تلك الكلمة ليست بالماجنة ولم أسمع يوما بتحريم الكلمة الحزينة التي استمدّت حزنها منّا. من ينصحنا بألّا نسمع لحمزة نمرة كمن ينصحنا ألّا نسمع لثرثرة قلوبنا. لابأس علينا فنحن لم نغرق في أحزاننا، لا زلنا كالأشجار واقفين نرقص ولو على أنغام همومنا وحتى حمزة نمرة نفسه لا أعتقد أنّه الآن جالس يندب، ستجده يعيش طبيعيا مع أسرته وهذا حقّه، لكن لا أحد ينكر مخلّفات الغربة في قلب المرء. نحن بشر وبعض الحزن مفيد لتصفية حساباتنا مع أنفسنا، يوم نصاب فيه بالحزن ويوم تستولي فيه الفرحة علينا وهذا من كرم الله علينا، العيب أن نفشل في إدارة حزننا.
دع مغتربا لا يشبهك يعيش الحزن بتفاصيله إن أراد علّه يرتاح لا تسكّن آلامه بمرهمك. إنّ الذي استطاع أن يغادر الحبيب ويركب البحر ويحلّق بعيدا في الفضاء لقادر على إدارة حزنه، دعه يحزن، أتركه يمرّ بوطنه وينكص لذكرياته قليلا علّه يستمرّ، دعه يحزن متى وكيفما شاء يكفيه أنّه إنسان مبتور من وطن ينتظر أن ينتصر حلمه يوما ما.

jeudi 1 février 2018

لم تعد الجنّة أقصى ما نتمنّى!

بقلم: حياة بن بادة




يعتلي إمام منبره يوم الجمعة، يخطب في المصلين حسب رزنامة السنة، حتّى الإمام وضعوا له برنامجا دراسيا يخطب حسبه في الناس، كأنّه كذلك، فجمعة يخطب فيها حول واجب المواطن نحو وطنه وضرورة الانتخاب وجمعة أخرى يحدثنا فيها عن عيد الشجرة وأخرى عن عيد المرأة وجمعة تليها عن عيد الطفولة واليوم عن الفيسبوك ويوما ما سيحدثنا عن اليوم العالمي لغسل اليدين! لم أسمع يوما الإمام ينصح الزعماء بأن يهتموا بشعبهم وأن يلبوا احتياجاته ويسمعوا مطالبه ويقوموا بتأدية واجباتهم نحوه، ويتّقوا الله فيه، وكان عليه أن ينتهز الفرصة صبيحة العيد ويقوم بهذا على الأقل، فالعيد هو المكان والزمان الذي يسوق الرجل الكبير إلى المسجد الكبير ليجلس في الصف الأوّل.
صارت خطبة الجمعة درسا في التربية المدنية لا الدينية، ولم يعد الإمام يهتم للجهاد في سبيل الله مثلا فكلمة الجهاد وحدها صارت إرهابا حسب سادة العالم، ولا يهمّه إن قام الجلّادون بتبذير أموال الشعب في نشاطات الفسق والفجور واللهو بينما يموت الفقير جوعا وليس من صلاحيته الحديث عن الفساد والسرقة، لا ولم يعد ينهى عن المنكر، فتمثال عار على سبيل المثال هو تمثال الجمال وحرام خدشه وعليه أن يضع يديه فوق يد الثقافة، تنفق لعيونه الملايين وليمت الفقير والمريض. ولم يعد يذكّرنا حتى بالجنّة، فنحن منشغلون في قانون المالية الجديد وهو منشغل في التحضير لخطبة تحرّم الهجرة غير الشرعية. لم يعد المسجد في ربوعٍ مكانا للدعوة إلى الله بقدر ما صار مكانا للدعوة إلى تطبيق تعاليم البشر ولم يعد مكانا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر ما صار مكانا للحتّ على الطاعة والنهي عن العصيان البشري إلّا من رحم ربّي. لم تعد خطبة الجمعة تزعزع النفوس كالماضي وتبكي القلوب وتأجج نار الندم والشوق ولم يعد الإمام مُصلحا إلّا من رحم ربّي.
وبعيدا عن الإمام سأروي لكم قصة طالب علم يخرج صباحا إلى الجامعة، يفوّت صلاة الفجر، فالزحمة المرورية تجبره على الخروج المبكّر. مهلا، عليه أن يمرّ بأقرب مخبزة، فوجبة الإفطار ضرورية ولا يجب التفريط فيها، تبدأ المحاضرات مع الثامنة وقد تدوم إلى الخامسة مساء، لا يوجد وقت مستقطع للصلاة مع الواحدة وإن وجد يستغله في تناول وجبة الغداء والتسكّع. وفي القسم المجاور يُمنع الخروج، فالأستاذ المحاضر يطرد كلّ من يدخل بعده، وعليه، الغياب المتكرر سيؤدي إلى الإقصاء، المهم هنا هو أنّ الدراسة أولا والله غفور رحيم، ويا لها من دراسة، جسر نحو البطالة والاكتئاب! يعود مساء إلى البيت، يأكل ويشرب ويشاهد فيلما أو حلقة من مسلسله المفضل، يمضي وقتا في الثرثرة ثم يجمع الصلوات منتصف الليل أو ينام والله غفور رحيم، طالب العلم هذا يحلم أن يجتاز جميع الامتحانات بتفوق وينتقل إلى السنة المقبلة، أمنيته أن ينجح في دراسته بأيّ طريقة وأن يوظّف في مكان مرموق وأن يظفر بشريكة حياة مثالية وأن يشتري سيارة فخمة وبيتا جميلا ويحجّ إلى جزر المالديف. لحظة، طالب العلم هذا قد يفكر في الانتحار إن لم تتحقق أحلامه!
نعود إلى الحكومات، حتى سعادتها لا تريد من شعبها الكريم أن يفكّر في الجنة، هي تضيّق عليه بأزمة البطالة كي يكون التوظيف أقصى أحلامه، وتضيّق عليه بأزمات السكن لكي يكون البيت والزواج أعظم أحلامه، وتضيّق عليه في المعيشة وبالضغط وبالقانون الظالم لكي تكون الهجرة أكبر أحلامه، ولا يهمّها إن كانت هجرة غير شرعية، وتضيّق عليه بالفقر وتضيق عليه بقوانين السفر وتبني له بالمقابل أكبر السجون، ومستشفيات الأمراض العقلية وتوفر ميزانية ضخمة للأشغال العمومية لكي تتوسع الشوارع والطرقات وتتسع لأكبر عدد من المساكين والمشردين، وتقضي عليه بالاكتئاب والقلق والغضب والمخدّرات حتى لا يعرف المسكين ما يريد سوى أن تتحسن صحته النفسية ويتغلب على الحزن والإدمان أو يتفجّر ليقال تمرّد أو "تدعشش".
زمانا كان الطفل يدعو للكبير عندما يلحّ في طلب شيء منه بالجنّة واليوم تجده يردّد ما أن يلبي طلبه قائلا: "ربي يرزقك وظيفة، ربي يرزقك دارا، ربي يزوجك". زمانا كان الناس يدعون لبعضهم بقولهم "ربي يرزقك الجنّة وما تتمنّى" واليوم تبخّرت الجنّة وبقت الأماني ممثّلة في العيش الكريم، عيش يتركهم يعبدون الله في سلام.
لم تعد الجنّة أقصى ما نتمنّى! ما دمنا ننتحر بسبب غلاء المعيشة وننتحر بسبب البطالة وننتحر بسبب الظلم والقهر والفقد. هناك من ينتحر بطريقة مباشرة وهناك من ينتحر بالتعدّي، كثيرون يشتكون من القنوط، وكثيرون لم يجدوا ما ومن يصبّرهم فحتى أهل الدين يأمرونهم بطاعة المتسببين في اكتئابهم ولا زالوا يدعون لهم ليسمنوا، وليتجبّروا وليتمادوا في الطغيان لا ليعودوا إلى الله. ويفتون للشعب بما يتناسب والسياسة لا بما يرضي الله. وبعيدا، يموت الناس في رحلة البحث عن وطن ولقمة عيش ومسكن.
 لم تعد الجنّة أقصى ما نتمنى ويمكن أن نتأكد من هذا في أخلاقنا وطرق عيشنا، كيف لا ونحن نبتعد يوما بعد يوم عن الله! لم تعد الجنة أقصى ما نتمنى لأننا لا نعيش لأجلها، لسنا نعيش إلّا لأجل هذه الحياة الفانية، حتى إنّنا لنفني أجمل ما فينا لأجلها، نتسارع لاقتناء آخر المنتجات، هويّتنا تتقشر، نتنكّر لديننا يوما بعد يوم، نطارد بعضنا البعض، نحسد بعضنا البعض، نتكبّر، نتجبّر، نتكاسل، نخادع، نتخاذل، جشعون وخاسرون وضائعون ومضيّعون وغافلون وخائفون وعن الحقّ معرضون وميّتون، نتنافس بدلا من أن نتحدّ، ويلعب بيننا وبنا الذئاب يوما بعد يوم.
أكلتنا الحروب والثورات، أكلنا الظلم والاستبداد، قضت علينا الأوجاع وأصبحنا نركز على الألم والكره والانتقام أكثر من تفكيرنا في الحلول، أصبحنا نفكر في الغد وكيف سنعيشه، ننسى أنّنا قد لا نستيقظ، نفكّر في الصباح وكيف يزيح الغطاء عن رؤوسنا، في الأخبار وما ستأتي به من مصائب لا ما ستزفّه من أفراح، في الظالم ومتى تحين نهايته وفي الوطن ومن سيستر عورته، وفي الموت وكيف سيأتينا، بطلق ناري أم بقصف صاروخي أم بالسكاكين الحادة؟ أم بالجوع والبرد والهمّ أكثر من تفكيرنا فيما بعد الموت. لم تعد الجنة أقصى ما نتمنى وأصبح العيش الكريم أقصى أهدافنا وحقوقنا أقصى أحلامنا وكأنّ الفرد لم يعد يجد متّسعا لعبادة الله، كيف لا والاستبداد يدعوه لعبادة مروّضيه، والجشع يأمره أن يدوس مبادئه ويفوز بالحياة. نسينا أنّنا لله وإليه راجعون.