بقلم: حياة بن بادة
في الثانوية روى لنا أستاذ
اللغة العربية قصة علّامة جزائري أرسله والده للدراسة في جامع الزيتونة، ذاك الرجل
لم يصبر على فراق وطنه فتدهورت صحّته وعندما قرّر مغادرة تونس وعاد ليموت في
الجزائر وقف على رجليه سليما معافى ما أن تنفّس هواء الوطن وعادت إليه الحياة. هو لم
يكن مصابا إلّا بأزمة الفطام عن الجزائر، فيا لها من أزمة صحيّة. إنّ هواء الوطن
لوحده شفاء والفطام عنه داء وأحزان المهجر صعبة!
وكان الاستعمار الفرنسي
يعاقب المجاهدين والمناضلين بنفيهم خارج الوطن، الاستعمار نفسه كان على يقين أن
الانفصال عن الأرض هو موت بطيء، موت بسبع
أرواح يشتريك بالتجزئة. ذاك عن استعمار كان واليوم أصبح الاحتلال منّا وفينا،
اليوم يأخذ الاستعمار أشكالا عدّة، في زمن صارت فيه الهجرة كلّ ما تبّقى من العدّة
التي تعيلك على عيش الحياة والانتصار المنهزم في حربها. كم من واحد أخرجته صحّته
نفسية كانت أو جسدية من وطنه، كم من واحد أخرجه حلمه من أرضه وكم من واحد أخرجه
قومه! "فما أطيبك من بلد وما أحبّك
إليّ ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك".
وكم من نبيّ هدّده قومه بإخراجه
من أرضه، "وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أو لتعودنّ في
ملّتنا" وعلى نهج الأولين يسير كم من مستبّد!
في الوطن الغالي الذي
أحببناه بعمق لم يبق لنا مكان لم نعد فيه نتألّم، في الوطن العزيز الذي لطالما
جهرنا له بأحلامنا لم يبق لنا حلم، في هذا الوطن الواسع كلّ شبر صار بنا يضيق وكلّما
خطونا خطوة نحو أنفسنا كلّما فخّخوا لنا الطريق. سرقوا أجمل ما فينا ونهبوا زهرة
شبابنا وأجبرونا على ما نكره، أوَ ليست الهجرة أحبّ ممّا يدعوننا إليه؟ إنّهم يدعوننا
يوميا لنقتسم معهم فطيرة الفساد، ولئن لم نفعل ما يأمروننا به لنسجنّن ولنكونّن من
الصاغرين!
نعم، "إحساسك كل يوم
يقلّ وتخطي وخطوتك تزلّ، من كثر ما أحبطوك تملّ، فين تلقى دواك؟! بتودع حلم كل يوم،
تستفرد بيك الهموم." هذا أنا، هذا أنا في وطني الحبيب ذاك الذي بذلت لأجل
البقاء فيه فرحتي حتى لم يبق منها شيء. هذا أنا من شاخت أمنياتي، هذا أنا من ودّعت
جميع أحلامي في وطني العزيز، هذا أنا من تحوّلت عشريناتي فجأة إلى سبعينات في وطن
ينكص فيه السبعينيّ إلى العشرين، هذا أنا في وطني المسكين الذي يعيش في داخلي ولم
يعد يحتملني داخله. هذا أنا في وطني المحتلّ بالطواغيت.
داري يا قلبي لا تعبر فقط
عمن عاشوا الثورات ولا حتى عن أولئك الذين ودّعوا الوطن، هي تعبّر عن كل من هاجر أحلامه
وحياته التي رسمها في وطنه فأمسى ميتا من القهر واضطر حينها للرحيل، هي تعبّر عن
المستضعفين في أرضهم، فمنهم من غادر لوحته الخضراء ومنهم من طار بعيدا عن قوم
حلّقت بهم المغرب العنقاء. أخرجوهم لأنّهم كانوا يتطهرون من الظلم والفساد،
أخرجوهم لأنّهم رفضوا الذلّ وعبادة العباد.
كلّ المواطنين "الأصيلين"
يغادرون الوطن قسرا، لا أحد يغادر الوطن لأنه "شبع" عدا الظالمين
والمنافقين والخونة واللصوص. هجرة البعض ليست إلّا جوع بعد تجويع، جوع إلى الأمان،
جوع إلى العلم، جوع إلى العدل والاعتراف والعرفان بل وحتى إلى العمل بإخلاص الذي
لا يلفّ عنقه بحبل التنكيد أو التهديد ويصوّب نحوه الرصاص، ومع ذلك قد تقتلهم
النوستالجيا بين الذكرى والأخرى وقد تحييهم!. لو أنّهم وجدوا أنفسهم وأحلامهم في
أوطانهم لما اضطروا للرحيل والبحث عن مكان أقلّ ضغطا وراء البحار. إنّهم وقّعوا
عقدا مع الموت يوم قرّروا ركوب الهواء والبحر والبرّ، لم يكن يهمّهم إن غادروا
الحياة حتّى، فلا حياة أحلى من تلك التي رسموها ذات يوم بأحلامهم على أراضيهم.
حمزة نمرة إنسان عالمي رغم
كونه مصري، لم يغنّ لمصر فقط بل غنى لنا كلنا، هو الذي غنّى للمهاجر "تذكرتي
رايح جاي" و"عصفورين"، للمغترب أعاد "يا بحر الطوفان" و"مانيش
منّا غير البابور جابني"، هو الذي غنّى لذكريات الطفولة وبراءتها التي عشّشت
فينا "مرجيحة"، هو الذي غنّى للحلم والطموح "احلم معايا"، هو
الذي غنّى للمظلوم "يا مظلوم ارتاح عمره الحق ما ضاع" وللإنسان "على
باب الله" و"إنسان" و"فتّح شبابيك عينيك"، هو الذي غنّى"هنسى"
لكلّ من طرقت بابه الهموم. ولأنني أسمع أنين قلبي المكسور، أقوى على سماع داري يا
قلبي، لأنّي أقوى على سماع قصص الناس العجيبة، أقوى على الاستماع لحمزة نمرة،
لأنّني أقوى على الإنصات لفجائع المجتمع يوميا أقوى على سماع داري يا قلبي
وأخواتها دون الخوف من السقوط في فخّ الاكتئاب. إنّني لا أخاف الحزن فالحزن ليس
نقيض السعادة ومن الحزن ما أحيا.
في داري يا قلبي تجسّد
الوطن والغربة والواقع الحزين، في داري يا قلبي لم يغرينا اللحن بقدر ما أغرتنا
الكلمة والحقيقة، ولم تبكينا الكلمة إلّا لأنّها تصفنا وصفا بليغا مؤلما ربّما لم
تجرّبوه، فالناس شخصيات وما يؤثر في مجموعة قد لا يحرّك أنملة في أخرى، الناس
شخصيات وسمات الشخصية وأنماطها تختلف من فرد إلى آخر، تختلف من إنسان إلى إنسان. قد
لا تسبّب لك محطّة الحزن والاكتئاب والغربة وعكة صحية لكنها لدى غيرك تفجّر
السرطان، تلك الكلمة ليست بالماجنة ولم أسمع يوما بتحريم الكلمة الحزينة التي
استمدّت حزنها منّا. من ينصحنا بألّا نسمع لحمزة نمرة كمن ينصحنا ألّا نسمع لثرثرة
قلوبنا. لابأس علينا فنحن لم نغرق في أحزاننا، لا زلنا كالأشجار واقفين نرقص ولو على
أنغام همومنا وحتى حمزة نمرة نفسه لا أعتقد أنّه الآن جالس يندب، ستجده يعيش
طبيعيا مع أسرته وهذا حقّه، لكن لا أحد ينكر مخلّفات الغربة في قلب المرء. نحن بشر
وبعض الحزن مفيد لتصفية حساباتنا مع أنفسنا، يوم نصاب فيه بالحزن ويوم تستولي فيه
الفرحة علينا وهذا من كرم الله علينا، العيب أن نفشل في إدارة حزننا.
دع مغتربا لا يشبهك يعيش
الحزن بتفاصيله إن أراد علّه يرتاح لا تسكّن آلامه بمرهمك. إنّ الذي استطاع أن
يغادر الحبيب ويركب البحر ويحلّق بعيدا في الفضاء لقادر على إدارة حزنه، دعه يحزن،
أتركه يمرّ بوطنه وينكص لذكرياته قليلا علّه يستمرّ، دعه يحزن متى وكيفما شاء
يكفيه أنّه إنسان مبتور من وطن ينتظر أن ينتصر حلمه يوما ما.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire