samedi 28 avril 2018

أبغض الحلال عند نساءٍ تعدّد الزّوجات!



بقلم: حياة بن بادة

كتبت امرأة لطليقها رسالة فيها ما يلي:
" أيّها العاقّ، لو استطعت أن تعدل لعدلت بيني وبين أمّك، أَمَا وقد كسرت قلبها تعتقد أنّني سأمكث في بيتك لتحطّم قُلَيْبي كما قطّعت قلب أمك الكبير؟ الإبل أرقى منك، لا تنسى موطنها الأصلي! لكنك تناسيته مرّات عدة وها أنت تعد العدة لتتمادى في نسيانه، كنت يوميا أذكّرك به فتعود إليه كسلانا وتأتي إليّ نشطا، وإنّي لأتمنّى ألّا تفعل الثانية وتلهيك فتبوء بإثم العقوق وتتذكر فضلي عليك لأتشفّى من غيظي الذي صنعته بيديك.
 أيّها الأنانيّ البخيل، لو كان ما فعلته كرما لتكرّمت على ابن جارك نبيل وسدّدت مهره ليكمل نصف دينه ولربحت الأجر الذي تبغي أضعافا مضاعفة فيه، لكن زيّن لك حبّ الشهوات من النّساء، فبدلا من أن تزوّجه زوّجت نفسك ثانية وبدل أن تعوّضني عن خاتم زواجي الذي بعته لأجلك اشتريت به خاتما آخر ختمت به الميثاق الغليظ الذي كان بيننا، فيا حسرة! أصبحت فجأة زوجا قادرا على الإنفاق يا ناكر المعروف والعيش والملح، وليكن! نسيت أن ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب.
أيّها البارّ بالتعدّد، ليتك حقا عدّدت ابتغاء وجه الله، في حيّنا ثلاث فتيات متديّنات ينتظرن نصيبهن في الزواج، لو أخبرتني لزوجتك الثلاث دفعة واحدة، ومع ذلك لم تفكر في واحدة منهن يا مريض القلب ورحت تركض خلف الحسن والجمال والشباب ولبّيت زينة دعتك "هيت لك"، أَمَا وقد وقعت في شركهم وتبدّد سحر وجهي وفتون جسدي في عينك، تحلّيت أنا بعقلية جمل فحل شديد الغيرة وكرهت أن تشاركني امرأة فيك، أتساءل أنا ألا تخشى معارك الفحول في بيتك، ألا تخشى أن ينقلب السحر عليك؟! معك كنت زوجة صالحة، أمّا الآن فقد انتهت صلاحيتي ونضب صلاحي وجنّ جنوني. أَمَا وقد حوّلت قلبي إلى قطع واستهنت بعِشرة السنين وقسمت بيتي إلى نصفين فلن أصلح لعيش بالمناوبة ولا أنت تصلح لأن تعيش بين البرّ والبحر كفقمة، لا الماء بيننا قسمة ولا هي اللقمة، لا البنصر الأيمن قسمة بيننا ولا هو الأيسر. وتريدني أن أبقى؟ وتريد أن نظلّ رفقة؟ ونكوّن في البيت فرقة؟ ونتوهم أن ليس بيننا فرقا؟ لا تقنعني أن أبقى، أنا امرأة متحولة كما نساءٍ، أتحوّل من ثمرة طيبة إلى حنظلة مُرة، جرّب أن تدخل عليّ ضرّة، جرّب ولو مرّة، سأستحيل بانكسار قلبي ضرّا! وما أبرّئ نفسي إنّ النفس لأمارة بالسوء إلّا ما رحم ربي! أَمَا وقد كسرت خاطري وجرّحت قُلَيْبي تراودني عن نفسي لأبقى الزوجة الرصينة، أما وقد أفجعت وحرّقت قليبي تراودني عن نفسي لأبقى الزوجة العاقلة؟ أما وقد تحملتك وليدا ورحلت فيك ومعك بعيدا ولبثتّ في كنفي من عمرك سنينا وفعلت فعلتك التي فعلت إنّي بك يا هذا لمن الكافرين. وإنّي لأؤمن أشد الإيمان بقوله تعالى "وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا"، فكيف أعود؟ وكيف أطْمَئّن؟ هذا قليبي يا رجلا كان، يا رجلا لم تكن تفصلني عنه القضبان، لم يكن يفصلني عنه الزمان ولا المكان، فيا رب وقد أبَحْتَ ولم تُلزِم، لا تلمني فيما تملك ولا أملك، إنّي لملمت دموع طفلتي وغضب طفلي وابتعدت، إنّي قد أطعته فيك ما استطعت، أطعته لسنوات، وتعلم أنت أن أبغض الحلال عند نساءٍ تعدد الزوجات، وأنا اليوم اخترت أبغض الحلال عندك، فلا تردّني إليه..
أ يا رجلا غادرا يتخفّى في رداء الدين أين أنت من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في خديجة؟ يا رجلا لم يستشر حتى نفسه إن كان بمقدوره أن يعدل، يا رجلا لم يستفت حتى قلبه إن كان سيخاف أن يظلم ما دهاك؟ لا المال باق ولا النساء ستشاركنك ثراك، ومهما تخفيت لكيلا تلتقي بدموعي أنت عند الله مكشوف، ستميل لأنك بالفطرة ميّال، وستخطئ لأنّك بالفطرة خطّاء، ولو عرفتك في الزواج مشركا لما تزوجتك. ستقول عني إني نسيت الفضل بيننا وسأقول لك إني لا أريدك أن تأتي يوم القيامة وشقك مائل حين تذر إحدانا كالمعلقة، وكيدي عظيم! وإنّي لم أعد أطيقك، فلا تسألني العودة إليك.
أما وقد فعلت فعلتك التي فعلت فإنّي لابنتي لناصحة، سأوصيها "بنيّتي لا تحزني فالرجل العادي مؤمن أنك امرأة حياته، المرأة التي بحث عنها والتي تناسبه وتحافظ عليه إلى أن يثبت العكس فيرميك والرجل المعدد مؤمن أنك المرأة الفاتحة وستليك نساء. إذا تزوجت الأول فكوني عند حسن ظنه وإياك أن تتزوجي الثاني إلّا إذا كنت لا تأبهين فإن كنت كذلك تزوجيه وإياك أن توجعي رأسه عندما يوجعك قلبك، النوع الثاني هو أبوك واعلمي عزيزتي أنني قد ورثّتك حساسيتي فاختاري ما شئتِ ولكِ في قصتي عبرة." وإنّي أخشى أن تنتف ذكراي شاربك وتعود تسألني أن أعود وقد قرأت الآن ما قرأت، وإن عدتم عدنا."
هذا كل ما جاء في نصّ الرسالة، أمّا أنا فلا دخل لي!
قيل لي إنّ حكما من أهله وحكما من أهلها تدخّلا مرات ومرات، فساعدا الزوج على نتف شواربه وعادت على عكس أخريات بعد أن سكت عنها الغضب وغفر زوجها لها لأنه اعتقد ألّا غضب سيخرج منها بعد ذلك الغضب ما دامت على قيد الحياة، لكنّ حرب الفحول اشتعلت فعلا وصار الزوج يتردد على طبيب في الأمراض العقلية ولم يغفر لنفسه. وفي رواية أخرى هرب من البيت! وفي الحقيقة كلاهما هروب، هروب سايكوسوماتي! المصيبة أنه لم يستطع أن يعدل حتى بين مكونات جهازه النفسي.
وفي بيت آخر أراد زوج أن يعدّد فاستشار زوجته، فاحتسبت وقبلت، قالت "بالسماح والقلب الصافي أبارك زواجك من امرأة ثانية" دخلت الثانية واقتسمتا الرجل بينهما بسلام، لكنّ الأولى في بادئ الأمر كانت كثيرا ما تقضي الليل في غرفتها باكية، وصباحا تتزيّن وتبتسم ولم تجعل زوجها يحسّ بألمها وجرحها النرجسي حتى تعوّدت على الأمر وربط الله على قلبها وصار زواجه عاديا مع الأيام، خاصة مع الزيجتين اللتين تلتا.

vendredi 20 avril 2018

ممنوع على أصحاب القلوب الضعيفة!


بقلم: حياة بن بادة
 
وفجأة صرنا كلّنا أصحاب قلوب ضعيفة، شأننا في ذلك شأن زعمائنا. قلوبهم ضعيفة إلى درجة أنّهم يعيشون الحياة كأنّ لا همّ فيها عدا همّ ارتفاع الأسعار، أمّا نحن فقلوبنا ضعيفة إلى درجة أنّنا نحيا كأنّ الحياة غرفة شخصية مغلقة لا نافذة فيها تطلّ على الآخرين، يا لنا من أنانيين! ضعفت قلوبنا المسكينة حتى انقطع عنها الإحساس، لا نحن رحما أنفسنا ولا نحن رحمنا الناس، قلوبنا ضعيفة لدرجة أنّنا نرفض مشاهدة ضحايا الحروب متناثرين في نشرات الأخبار، نستجيب بالهروب، نستبدل قنوات الأخبار بقنوات الرقص واللهو والترفيه والدعابة والرياضة والنسيان، نقتل ما تبقّى فينا من إنسان، على خطى زعمائنا نمضي، وعلى أوراق موت الحياة فينا نطبع بصماتنا ونمضي، نعم متنا ولا رحمنا الله، الراحمون فقط يرحمهم الله.
 زعماؤنا لا يقرؤون رسائل مواطنين مستضعفين، هم لا يستلمونها حتّى، زعماؤنا لا يترجّلون في الشوارع الفقيرة، لا يجوبون الوجوه الحزينة، لا يحتملون العيون الكئيبة، زعماؤنا لا يشاهدون نشرات الأخبار، لست أدري أحسّاسون هم أم منعدمو الإحساس! فهم لا يهتزّون لمقتل مئة طفل يتلو القرآن في أفغانستان ولا لإبادة شعب في سورية، زعماؤنا يتظاهرون بالتخاذل ويتظاهرون بالمعرفة، زعماؤنا لا يعرفون شيئا عن اليمن الحزين ولا عن العراق المنكسر ولا عن تاريخ جرح فلسطين ولا عن موقع أركان منّا ولا عن الصومال. لزعمائنا قلوب ضعيفة تمنعهم عن التجوال في ساحات الأخبار، هم لا يقومون إلى نصر المستضعفين وإذا قاموا قاموا كسالى يراءون الناس ويحملون أكياس الخذلان، هم لا يسمعون إلّا إذا دقّت صفارة مجلس الخطر، أقصد مجلس الأمن ذاك الذي لم يوفر يوما لنا الأمان، والأمم المتحدة التي لم تتّحد إلّا على تعاسة الشرق الأوسط ومع ذلك يبقى ما يحدث ممنوع على قلوبهم الضعيفة لكنّهم يتحركون سريعا لو حدث هجوم إرهابي على مرحاض في أوروبا.
هل صرنا مثلهم؟ ألم نتعاهد كما تعاهد منظّفوا المداخن، ألم نتعاهد ونحن الصغار، نحن الأبرياء، نحن الأصدقاء، نحن الذين تشاركنا لقمة الظلم والعذاب والفقر والتعاسة والتففنا حول قصعة الذين وقع عليهم الاستبداد، ألم نتعاهد أن نتقاسم الوجع ونتشارك الألم والدمعة والشهقة والهموم؟ ألم نتعاهد ألّا نكون منهم ونكون منّا فكيف صرنا مثلهم ومنهم؟ كيف صرنا حزبهم؟ كيف نلنا من بعضنا ونسينا وتناسينا وتغافلنا وتخاذلنا ورحلنا وقفلنا على أنفسنا وتركنا نصفنا في الخارج يموت، يقصفه ويخنقه الطاغوت؟ لا لم نتعاهد يوما، كأنّنا كذلك!.
أيّها الشعب ليتني كنت حطّابا، فأهوي على الجذوع بفأسي
ليتني كنت كالسيول إذا ما سالت تهدّ القبور رمسا برمس
ليتني كنت كالرياح فأطوي ورود الربيع من كل قنس
ليتني كنت كالشتاء أغشّي كل ما أذبل الخريف بقرسي
ليت لي قوة العواصف يا شعبي فألقي إليك ثورة نفسي
ليت لي قوة الأعاصير إن ضجّت فأدعوك للحياة بنبسي!
                                       (أبو القاسم الشابي في قصيدة النبي المجهول)
البارحة سألت أم طفلتها مازحة، "ماما؟ من أكثر شخص لا يرتاح؟" ظنّت الأم أن طفلتها ستجيب "ماما" أتدرون ما قالته طفلة تشاهد لأول مرّة نشرة الأخبار؟ قالت "ملك الموت، ملك الموت هو أكثر شخص لا يرتاح" استغربت الأمّ إجابتها، أخذتها بفزع في حضنها، ضمّتها كما يضمّ القبر صاحبه، قالت "ماذا تقولين يا ابنتي؟" تربّصت بها جميع وساوس الكرة الأرضية خشية أن تموت ابنتها ومخافة أن يكون ملك الموت محدّثها!
يا ماما قبل أيام مات كم من طفل في أفغانستان وقبله بأيام مات كم من طفل في الغوطة ومات كم من طفل بالكيماوي ومات كم من شاب في غزّة وكم من شاب في الجزائر ويوميا يموت الناس، يموتون في كل مكان، يموتون في كل وقت، يموتون تباعا، واحد هنا والآخر هناك، ألا يستحق ملك الموت المسكين أن أشهد له بأنّه لا يرتاح؟! لست أدري لو كنت أمّها ما أجيب، فمن أين تأتي طفلة بكلام كهذا عجيب، رهيب!
أنا التي كتبت للفلسطينيين في مقال "لن نبكي بعد اليوم" على خلافهم عليّ أن أبكي كلّ يوم، أبكي عنّي وعن زمني، أبكي لأنّي أخجل من عيشي، أبكي لأنّني أخجل من ضحكتي وتخمتي ونومي الهنيء، أبكي لأنّني مع ما يحدث في دوما أخجل من استنشاق الأوكسجين، أبكي لأصحّح موقعي في الحياة، أبكي لأشوّش على صمتي، أبكي لأجلد ذاتي، أبكي لأعصر غيوم حزني، أبكي لأنكسر معهم، أبكي منّي ومنكم ونيابة عنكم، أبكي لأتعلّم البكاء في ساحة الصمت، أبكي لأعبّر عن هشاشة نفسي، أبكي لأن دموعهم ترشني رشّا، وأبكي لأنّني لا زلت طفلة هشّة وأبكي كي لا أصاب بأمراض الزعماء وأبكي لأشارك الأبرياء وأبكي لأنّي لم أستطع أن أضمهم وأنا أعظّم أجرهم، وأبكي لأني أخشى النظر في عيونهم وأبكي لأني لا أدري ما أقول لربّي.
أنا التي عزمت ألّا تكتب مجدّدا عن الحزن، عليّ أن أكتب عنه، عليّ أن أخطّه في كتاب لأطفالي كي يشهدوا شيئا من التاريخ خطّته يدي ويصدّقوا ما كتبته يدي يوم يقال لهم إن التاريخ مزوّر أنّ يد الأم كقلبها لا يكذب وأن الأمّ لا تتقن التزوير، وليعلموا ويتعلموا من دموع الأبرياء أن يكونوا مددا وعونا لهم، أكتبه وأكتب فيه وصيّتي، أكتبه لا ليرثوه بل لكي لا يسمحوا للناس في زمانهم أن يرثوه أو يورثوه، أكتبه كي لا يكتسبوا قلوبا قاسية، كي يحسّوا بغيرهم، كي يسهموا في نجدتهم ويقطعوا الطريق على كلّ من يفكّر في قتل الحياة.
سأخبرك يا بنيّ أنّني أعيش في زمن الناس فيه لا يخافون الله إلا من رحم ربي، سأعلمك أن في هذه الأيام الغوطة ودّعتنا كما ودّعتنا سورية كلها بسبب كرسيّ، وأن دوما اختنقت بهجوم كيماوي، وأن فلسطين تناضل في مسيرات العودة وتشيّع شهداءها كالعادة، سأخبرك أنّ أطفالا كانوا يحتفلون بختم القرآن قتلوا في ولاية قنذوز شمال أفغانستان ولو تعلم يا بنيّ كم كانوا مشرقين، كأنهم كانوا يعلمون أنهم منتقلين إلى الجنّة باذن الله، وأن اليمن تغرق في حزنها، والعراق في كآبتها وبورما في مصائبها وليبيا في تشتّتها، سأخبرك أن السعودية أكبر ابن سلول عرفته في تاريخي وأنّي أخشى الصلاة خلف السديس.

lundi 16 avril 2018

لن نبكي بعد اليوم



بقلم: حياة بن بادة

"الذي يجبرنا على أن نزغرد في جنازات شهدائنا هو ذلك الذي قتلهم، نزغرد حتى لا نجعله يحسّ لحظة أنّه هزمنا وإن عشنا سأذكّرك أننا سنبكي كثيرا بعد أن نتحرّر، سنبكي كلّ أولئك الذين كنّا مضطّرين أن نزغرد في جنازاتهم، سنبكي كما نشاء ونفرح كما نشاء وليس حسب المواعيد التي يحدّدها هذا الذي يطلق النار عليهم وعلينا الآن." ابراهيم نصر الله في رواية أعراس آمنة، الصفحة 98.
بكت وانتهى! كلّ القرى المغتصبَة، كلّ الشجيرات المعذَّبَة، كلّ السواقي المرعبَة، كلّ النصوص المتعبَة، بكت وانتهى! ونال الدمع ما اشتهى، رسم في الوجوه طريقه وفي القلوب خريطة واضحة المعالم والآثار، وحفر لنفسه فيها بيتا من آبار، لم يعد ينادي هل من مزيد، الآن لم يعد يريد، مزيدا من العبيد، مزيدا من الثريد المصنوع من فتات الورق والعرق والقلق، هو يريدنا أن نقبل ورقة الطلاق بروح رياضيّة وألّا نجرّه مجدّدا في محاكم الحزن، هو يريدنا أن نبدأ وأن ننتفض وأن نغضب لنتحرّر لا لنكتئب، يريدنا من الآن فصاعدا ألّا نفكّر فيه، ألّا نرضخ له، ألّا نركض خلفه، أن نبعده عن واقعنا، أن نكدّسه وندّخره لأفراحنا وأن نخفيه، وأن ننتصر لأحلامنا ونجافيه.
بكت وانتهى! البلابل والبيادر والسنابل، وتعرّفت على الرصاص والقنابل، كلها استحالت أشياء معتادة، لا ليست بلادة، هي فعلا هكذا أصبحت، أشياء معتادة، نتناولها مع فطور الصباح، نتبّل بها الغداء ونأخذها مقبّلة مع العشاء ودون دعوة تشاركنا هي الأفراح. بكت وانتهى! شجرة اللوز وأوراق الجوز التي كانت تستأنس بأغنيات شعبيّة (طاق طاق طاقيّة) لطفل كان حولها يدور، بكت وانتهى! كلّ حكايات الذاكرة التي لملمت الرفاق في مقهى قديم مقاعده من ورق وفناجينه من سطور. بكت وانتهى! كلمات كانت تتوجّع كالنساء، بكت وانتهى! ليلات باردة من شتاء، أثواب النسوة السوداء، زهيرات تكسوها مشكّلة من أبيات رثاء. بكت وانتهى! الأثواب المقدسية وصدّرت للغد والحريّة ألوانها الزاهية البهيّة، كلها تحلّت بمشاعر أثواب جبليّة لم تخدش صدرها إبر التطريز ولم تخترقها خيوط الحرير الطريحة، بما فيها الثوب السبعاوي والتلحمي وفساتين أريحا. بكت وانتهى! كلّ البيوت العتيقة، كلّ المشاوير التي أضاعت الطريقَ. بكت وانتهى! كلّ حبّات الزيتون التي تراقصت مع برد نيسان، وتباكت على صوت فيروز يغني "خذوني إلى بيسان"، بكت وانتهى! كلّ العيون وكلّ الصبايا وكلّ الحكايا وكلّ الأغاني، بكت وانتهى! حنجرة فيروز وقصائد الرحباني.
لن نبكي بعد اليوم، بكينا بما فيه كفاية، بكينا الرواية، بكينا السبب، بكينا كم من لقب، بكينا من الجليل إلى النقب، بكينا وانتهى! نريد اليوم أن نرافق البارود إلى بيته وأن نزغرد، لأن الذي ذرفنا الدموع عليه يريدنا أن نزغرد، لأنّ الذي سقيناه بالدماء يريدنا أن نزغرد، لأن الذي شطف قلوبنا بالحزن يريدنا أن نفرح ونزغرد، لأن الذي جعلنا نكتب الشجن والألم والذكرى يريدنا أن نزغرد، ولأن الذي زرعهم أو أراد أن يزرعهم فينا حين شنّ علينا حربا نفسيّة يريدنا أن نبكي ونعجز وننتهي، لهذا علينا أن نجعله يحصد انتصارنا على أحزاننا وبالتالي انتصارنا عليه.
لن نبكي بعد اليوم، بكينا بالأمس وانتهى! سنبتسم كما يبتسم الشهداء حين يقابلون ملك الموت، سنبتسم كما يبتسم الرضيع النائم، سنبتسم للملائكة التي أمدّنا الله بها، سنبتسم لأعدادنا التي لم تنتهِ يوم أرادوا إبادتها، سنبتسم لقدر هذه الأرض السعيد، قدر الانتصار، قدر العودة للديار، لن نبكي بعد اليوم ولن نجعلهم يطربون لشهيقنا ودموعنا، لن نمنحهم فواصل ليخططوا لدمع جديد وحزن جديد واكتئاب شديد واغتصاب آخر، ولو شيّعنا شهيدا وراء شهيد. "إنّ من يبكي على شاب يستشهد لا يستطيع أن يوقف هجرة اليهود لفلسطين أو يطرد الانجليز منها"، على حدّ قول اليوغسلافي في رواية زمن الخيول البيضاء، الصفحة 321. ها هم قد دخلوا وسيخرجون، لن نبكي على الشهداء، فالشهداء أحياء عند قبض الروح لا يتألّمون.
هم يريدوننا أن نرث الحزن ونورّثه حتى يغدو وباء مزمنا، هم يريدوننا أن نصاب بالدموع وراثيا وأن نكتسبها تلقائيا كما المرض، كيميائيا بسلاحهم، بيئيا بحصارهم، اجتماعيا بتفرقتنا، ونفسيا بالكآبة وغنائيا بآلام الدلعونا والعتابا، لهذا سننسى، سننسى الدموع ولن نبكي بعد اليوم. سنشرق كشمس آذار ونتفتّح كوروده ونكتسي بإصرارنا على الحريّة كأرض يكسوها الاخضرار. سنعود كالزهور وكالسرور، سنعود كالشمس صباحا توزّع نورها هنا وهناك، تنشر الدفء في الشتاء وتلفح صيفا من تشاء، سنعود بصيفنا وشتائنا، سنعود بنارنا ودخاننا يا آذار.
كالزهور يا آذار ستشرئبّ عيداننا لتلقاك ربيعا في الفضاء، كالزهور سنقوم من جديد، سنمرّ مع الذرّات في الهواء، سنحلّق كما الطيور، كما الغيوم في السماء، سنعبرها كما البريد. سنشد ساق حمام زاجل ونسقط كالخبر العاجل، على رؤوسهم، على رشاشهم، في رصاصهم، في أوكارهم، وسط أعصابهم، نخرج في منامهم، في حمّامهم، من خلفهم، من أمامهم، عن يمينهم، عن شمالهم.
سنعود يا أرض التين والزيتون والعنب والليمون، سنعود يا أرض الأخضر والأحمر والبيلسان والزعتر، سنعود يا أرض البرتقال والنضال، سنعود كالمطر، كخيوط الشمس وضوئها المسافر في وجه القمر، نمسح من وجه يومك الشاحب عينا شاردة ونغطّي بأحضاننا ظهر ليلة باردة. سنصطّف كنغمات ضربات أرجل دبّيكة، كصفحات تاريخنا المشكّلة بخيوط القزّ الملوّنة في فستان الحجّة رقيّة، كمربّعات كوفيّة. سنعود من اللاحياة إلى الحياة، سننفض الموت عن صدورنا، سنمزّق أكفاننا وسنسمو، نسطع، نتسرّب، نزحف، نشرق من قبورنا. يا أرض قلت لك سنعود، إنّا سنعود، وربّي سنعود وسننتشر مع رائحة البارود. سنشرع نوافذنا إلى الدروب الخضراء وسنفتح أبوابنا الخشبيّة، أبوابنا العربيّة بمزهريّة فلسطينيّة.
لن نبكي بعد اليوم، عِدني ألّا نبكي بعد اليوم، عِدني أن يرحل هذا الحزن من وجهك وألّا يدوم، عِدني أن تحدّثني كلّ ليلة عن الأفراح، عدني أن تذكّرني بأحلامنا مع كلّ صباح، أن تشدّ يدي وتمضي بي إلى كلّ شبر من أرضنا اغتصبوه لنحرّره. عِدني ألّا نبكي بعد اليوم وأن نقوم كالسّاعة، وأن ننتشر كالإشاعة وأن نتكاثر كالوعود وأن نشتعل كالوقود في أجسادهم وخيالهم. عِدني ألّا نبكي بعد اليوم وأن نطير بأشلائنا إلى الحريّة، عدني أن نشتدّ كالحرّ وننتشر من حولهم كالضرّ، أن نرفع أشرعتنا كالبحّارة أن نتشكّل كالحجارة ونصمد ونتّحد، وأن نصطفّ كالبنيان المرصوص وأن ندوس مشاريعهم بإصرارنا ونضالنا وكفاحنا. عِدني ألّا نبكيَ بعد اليوم، أرجوك عِدني!

vendredi 13 avril 2018

حكايتي مع الثورة السورية



بقلم: حياة بن بادة

كان عمري سبعة عشر، وكنت في الجامعة أدرس الترجمة، يومها توجهت إلينا أستاذة الحضارة الفرنسية بسؤال استغربناه، قالت: "تخيل نفسك في سنّ الثلاثين، كيف ستصبح وأين ستكون؟" كنت أراه بعيدا، بعيدا سنّ الثلاثين هذا، لكن كان من السهل على صبيّة حالمة مثلي أن تتصوّر حياتها وكيف ستغدو في ذلك العمر. بلغة فرنسية كتبت مستقبلي في سطور، لم يكن يشوب ما كتبت الظنون. كتبت أنني بعد أربع سنوات سأسافر إلى سورية لاستكمال درجة الماجستير، ففي سورية يمكنني أن أدرس هذا الاختصاص بإتقان، في سورية سأجد من يحترم اللغة العربية وفي سورية سأجد من يحترم الشعر الحرّ، وفي سورية سأجد نفسي، وفي سورية سأتعلّم!
كتبتُ يومها كلّ شيء إلّا الحقيقة! لم أكتب أنّني في البيت لا أغادر المسلسلات السورية، وأنّني كثيرا ما أدخل بيت جارتنا العجوز لأشمّ عطر الشام ولأتلمّس حوضها الزهري، لقد كان بيتها كلّ ما تبقّى من الذاكرة الشامية في حيّنا، لم أكتب أن حوض الدار لوحده في نظري أغلى من قصور لويس الرابع عشر، لم أكتب أنني أعشق شجرة النارنج العتيقة في بيتنا وزهور الياسمين لأنّها تذكرّني بسورية، لم أكتب أنّني مشتاقة لها، وأنّي أشعر أنّني مقتطعة منها وكيف أنّي أحسّ أنّني أعرفها جيّدا، لم أكتب أنّني غبت عن امتحانين بسبب مسلسل سوري وأنّ ورقة العطلة المرضية التي سلّمتها لإدارة القسم دفعت مقابلها مبلغا ماليا للطبيب، لم أكتب أنّ قلبي مبرمج منذ الطفولة لاشعوريا على حبّها، لم أكتب أنّني أحبّ سورية لحدّ الجنون ولن أدّخر حبّي لأكثر من أربع سنوات!
كان عمري عشرين، يوم وصلتني أنباء عن وجع سوري متجدّد، ولم أكن قد تخرّجت بعد، كنت يوميا أنتظر أن تخمد نيرانه لكن بلا جدوى، ثار الشعب السوري لإسقاط النظام الجائر وثرت أنا في البيت لأجل استكمال دراستي في أمريكا بعد التخرج!
مع الثورة السورية، تعلّمت شكلا جديدا من أشكال الحياة، وتغيّرتُ كثيرا، انكسرت أحلامي وضحكتي واصفرّ وجه كتاباتي! كانت أحلامي تسقط واحدة تلوى الأخرى كلمّا سقط في سورية جدار، تسقط تباعا كلمّا أغلقت فيها دار، تسقط صرعى كلّما اشتعلت فيها النار وتسقط جزافا كلما أسرها الحصار. مع حلب سقطت كم من أمنية، مع درعا سقطت كم من دمعة، مع حمص ماتت كم من ضحكة، ومع سورية ذبلتُ أنا مليون مرّة ومن يومها لم أعد أرى سورية إلّا في العطل الكبيرة في نشرة الأخبار وأحيانا أدخل الغرفة التي افتقدتني كثيرا فأجد أختي تتهيّأ لتشاهد "باب الحارة" أقف خائرة القوى أذرف الدموع على تتر المسلسل وبالكاد أسكت، في البداية كانت تضحك على حالي لكنها سرعان ما تعوّدت وأصبحت تشفق عليّ!
مرّت السنوات، نضجت وركّزت على ما آتاني الله، كنت كلّما شاهدت مغتربا سوريا يشكو الوجع السوري، قلت له في نفسي حتى أنا أعيشه مثلك وخسرت بسببه الكثير، خسرت قيمة الأشياء! وبعد أن درست العلوم النفسية أصبحت أركّز على الحلول، أفكّر في الذين أُخرجوا من ديارهم، أتابع الصفحات الإنسانية، أناقش عائلتي في شأن التكفل بطفل سوري يتيم، أحدّث أخي عن مشاريعي الإنسانية التي لم أستطع تحقيقها، أخبره أنني أحلم بشراء قطعة أرض كبيرة أبني فيها المنازل والمدارس والمحلات للسوريين الذين أخرجوا من ديارهم تكون لهم سورية مصغرة يمارسون فيها حياتهم الطبيعية، أتصفّح موقع أطبّاء بلا حدود، أحاول التواصل مع من عاشوا التجربة لأنضمّ فيتّهمني أصدقائي بالجنون، وبين الحنين والآخر أنزوي في ركن أتناول صوت لينا شاماميان ينادي "شآم أنت فتاتي وأمّي حضنت صباي فهل فيك أكبر فما أفعل كي أنال رضاك وفيك بذرت صباي وأبشر" أذرف دموعا وأكتب خربشات شعرية.
أصدقائي يشبهون ثورتهم السورية!
إدلب والغوطة تشبهان كثيرا عبد الله، هما محاصرتان بقصف الصواريخ وعبد الله محاصر بالغربة وعصف الذكريات، وبقدر ما كانت الغوطة تحاول أن تتجدد بعد كل قصف كنت أحس أن عبد الله يحاول أن يتجدد عقب كل ذكرى تستيقظ في قلبه، أحسّه دائما ينزف شوقا ويحاول الهروب منه رغم أنه غارق فيه. في الغوطة بنى الأبرياء أقبية تحت الأرض ليعلنوا ارتباطهم بالحرية ويستمروا, أحيانا أحسّ أن منشوراته كحياة الغوطيين التي قرأت عنها في التقارير الصحفية تجعلهم يضحكون على أشياء لا تثير الضحك، صموده وتحايله على الحياة أقوى من صمودنا في أوطاننا الآمنة.
سلمى، حاصرتها وعائلتها الصغيرة الحرب كما حاصرت حمص وحلب ودرعا، هي أم مكافحة تحاول ترميم الحياة وحياكة الأمل من جديد ورسكلة ضحكة الشام في وجه أطفالها.
مروة، الطفلة السورية التي تقف في المنتصف تنتظر موعد انتصار الحلم. هي لم تهاجر ربما لأنها آمنت بمقولة الرافعي "لا تتم فائدة الانتقال من بلد إلى بلد إلا إذا انتقلت النفس من شعور إلى شعور" إنها في كل مرة تتحايل على الألم بالأمل ويا له من أمل، إنه أمل مكسور القلب.
خولة، قلبها الذي صار يكتب عن سورية ليس نفسه الذي كان يتردد بالهتاف على "سان سيرو" عندما كانت رجلاها مثبّتة في دمشق، سطورها اليوم مثل أقبية الغوطة الشرقية مفروشة بالحصى كلما جلس عليها حرف توجّع وأوجع! خولة حكاية المهاجر الجزائري الذي نشأ في سورية وتعلق بها فأصبحت أمّه وما أصعب الفطام!
ياسر، لا تزال عيناه تردد بثقة "لا يهم إن حملت ذراعك الأيمن بيدك اليسرى، المهم أن تحمل حريّتك ولو بنصفك"، كثيرا ما يذكرني بمقولة والاس "يمكنكم القضاء عليّ لكن لا يمكنكم القضاء على الحرية". ياسر يشبه سورية المبتورة من الحياة ومع ذلك تقاوم. الحرية قد تكلفك ما كلفت وليام والاس يا ياسر ومثلما علقوه على جسر لندن ووزّعوا أطرافه في "نيوكاسل" و"ستيرلينغ" يعلقونك بالذاكرة ويوزعونك في كتاباتنا، نسيت أن أخبرك أنهم علقوا شيئا منها في "أبردين" التي صارت تحتضن تمثاله اليوم! إصرار شاب في الثلاثينات لم يكن إلا سببا في حرية شعبه.
سأختم بأحمد لأن في أحمد سرّ الحريّة، يتجدد أحمد كما يتجدد اشتعال النار وكما يتجدد القصف، هو يؤمن بالتجدد مادام فيه نفس لأن الحرية تعشق المتجددين هو يعلم جيدا خبايا الأمل والصبر الجميل والإصرار على الانتصار، هو لا يؤمن بالفشل، يؤمن بالكفاح ذاك الذي يخبره أن الثورة منتصرة بإذن الله، ورغم أنه عالق في الحرب إلّا أنّنا نتمسّك به  لنقوى، كتاباته العنيدة عن الكفاح تجعلنا نتنفّس لنستمرّ.
علمتني الثورة السورية أن الثورة تصحّح النظرات كما تصحّح المفاهيم، فقد تفاجأت بأخلاق السوريين العالية وتعلقهم بالله. علمتني أن الحلول البشرية إن توفرت في كلّ مرة فما محل الحلول الإلهية من الحياة؟ علمتني أن ننتظر حلّا إلهيا وألا ننكسر، علمتني أن الحلول البشرية تتطلب منا زيادة أعداد الجنود والأسلحة والحلفاء ولا تكون إلّا بإذن الله، لكن الحل الإلهي لا يستدعي إلا قلبك السليم ليستقر النصر في واقعك "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُم فَاسْتَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُم بِألْفٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُرْدِفِين ومَا جَعَلَهُ الله إلّا بُشْرَى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُم ومَا النَّصْرُ إلّا مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ". علّمتني أن الحرب تمنح كلّ حواء شرف الأمومة حين توزّع اليتامى في الزوايا إلّا من أبَت. علّمتني أنه عليّ تحويل حلمي الذي حدثت أخي عنه لمن يستطيع إليه سبيلا إن لم أستطع طالما يمكن إنقاذ روح وأرجو أن يبادر القادرون.
سينتصر أحمد وستبني سلمى وسيعود عبد الله وخولة وستضحك مروة وسنكتب بذراع ياسر ذاكرة جسد جديدة ولن تغني فيروز بعدها "سنرجع يوما إلى حيّنا".
ضاعت أحلام السبعة عشر وماتت لكن حبّي لسورية لن يموت! بضع سنوات وأبلغ الثلاثين فيا ربي اقلب الموازين!