بقلم: حياة بن بادة
وفجأة صرنا كلّنا أصحاب
قلوب ضعيفة، شأننا في ذلك شأن زعمائنا. قلوبهم ضعيفة إلى درجة أنّهم يعيشون الحياة
كأنّ لا همّ فيها عدا همّ ارتفاع الأسعار، أمّا نحن فقلوبنا ضعيفة إلى درجة أنّنا
نحيا كأنّ الحياة غرفة شخصية مغلقة لا نافذة فيها تطلّ على الآخرين، يا لنا من
أنانيين! ضعفت قلوبنا المسكينة حتى انقطع عنها الإحساس، لا نحن رحما أنفسنا ولا
نحن رحمنا الناس، قلوبنا ضعيفة لدرجة أنّنا نرفض مشاهدة ضحايا الحروب متناثرين في
نشرات الأخبار، نستجيب بالهروب، نستبدل قنوات الأخبار بقنوات الرقص واللهو
والترفيه والدعابة والرياضة والنسيان، نقتل ما تبقّى فينا من إنسان، على خطى
زعمائنا نمضي، وعلى أوراق موت الحياة فينا نطبع بصماتنا ونمضي، نعم متنا ولا رحمنا
الله، الراحمون فقط يرحمهم الله.
زعماؤنا لا يقرؤون رسائل مواطنين مستضعفين، هم
لا يستلمونها حتّى، زعماؤنا لا يترجّلون في الشوارع الفقيرة، لا يجوبون الوجوه
الحزينة، لا يحتملون العيون الكئيبة، زعماؤنا لا يشاهدون نشرات الأخبار، لست أدري
أحسّاسون هم أم منعدمو الإحساس! فهم لا يهتزّون لمقتل مئة طفل يتلو القرآن في
أفغانستان ولا لإبادة شعب في سورية، زعماؤنا يتظاهرون بالتخاذل ويتظاهرون
بالمعرفة، زعماؤنا لا يعرفون شيئا عن اليمن الحزين ولا عن العراق المنكسر ولا عن
تاريخ جرح فلسطين ولا عن موقع أركان منّا ولا عن الصومال. لزعمائنا قلوب ضعيفة
تمنعهم عن التجوال في ساحات الأخبار، هم لا يقومون إلى نصر المستضعفين وإذا قاموا
قاموا كسالى يراءون الناس ويحملون أكياس الخذلان، هم لا يسمعون إلّا إذا دقّت
صفارة مجلس الخطر، أقصد مجلس الأمن ذاك الذي لم يوفر يوما لنا الأمان، والأمم
المتحدة التي لم تتّحد إلّا على تعاسة الشرق الأوسط ومع ذلك يبقى ما يحدث ممنوع
على قلوبهم الضعيفة لكنّهم يتحركون سريعا لو حدث هجوم إرهابي على مرحاض في أوروبا.
هل صرنا مثلهم؟ ألم نتعاهد
كما تعاهد منظّفوا المداخن، ألم نتعاهد ونحن الصغار، نحن الأبرياء، نحن الأصدقاء،
نحن الذين تشاركنا لقمة الظلم والعذاب والفقر والتعاسة والتففنا حول قصعة الذين
وقع عليهم الاستبداد، ألم نتعاهد أن نتقاسم الوجع ونتشارك الألم والدمعة والشهقة
والهموم؟ ألم نتعاهد ألّا نكون منهم ونكون منّا فكيف صرنا مثلهم ومنهم؟ كيف صرنا
حزبهم؟ كيف نلنا من بعضنا ونسينا وتناسينا وتغافلنا وتخاذلنا ورحلنا وقفلنا على
أنفسنا وتركنا نصفنا في الخارج يموت، يقصفه ويخنقه الطاغوت؟ لا لم نتعاهد يوما،
كأنّنا كذلك!.
أيّها
الشعب ليتني كنت حطّابا، فأهوي على الجذوع بفأسي
ليتني كنت
كالسيول إذا ما سالت تهدّ القبور رمسا برمس
ليتني كنت
كالرياح فأطوي ورود الربيع من كل قنس
ليتني كنت
كالشتاء أغشّي كل ما أذبل الخريف بقرسي
ليت لي
قوة العواصف يا شعبي فألقي إليك ثورة نفسي
ليت لي
قوة الأعاصير إن ضجّت فأدعوك للحياة بنبسي!
(أبو
القاسم الشابي في قصيدة النبي المجهول)
البارحة سألت أم طفلتها
مازحة، "ماما؟ من أكثر شخص لا يرتاح؟" ظنّت الأم أن طفلتها ستجيب
"ماما" أتدرون ما قالته طفلة تشاهد لأول مرّة نشرة الأخبار؟ قالت
"ملك الموت، ملك الموت هو أكثر شخص لا يرتاح" استغربت الأمّ إجابتها،
أخذتها بفزع في حضنها، ضمّتها كما يضمّ القبر صاحبه، قالت "ماذا تقولين يا
ابنتي؟" تربّصت بها جميع وساوس الكرة الأرضية خشية أن تموت ابنتها ومخافة أن
يكون ملك الموت محدّثها!
يا ماما قبل أيام مات كم من
طفل في أفغانستان وقبله بأيام مات كم من طفل في الغوطة ومات كم من طفل بالكيماوي
ومات كم من شاب في غزّة وكم من شاب في الجزائر ويوميا يموت الناس، يموتون في كل
مكان، يموتون في كل وقت، يموتون تباعا، واحد هنا والآخر هناك، ألا يستحق ملك الموت
المسكين أن أشهد له بأنّه لا يرتاح؟! لست أدري لو كنت أمّها ما أجيب، فمن أين تأتي
طفلة بكلام كهذا عجيب، رهيب!
أنا التي كتبت للفلسطينيين في
مقال "لن نبكي بعد اليوم" على خلافهم عليّ أن أبكي كلّ يوم، أبكي عنّي
وعن زمني، أبكي لأنّي أخجل من عيشي، أبكي لأنّني أخجل من ضحكتي وتخمتي ونومي
الهنيء، أبكي لأنّني مع ما يحدث في دوما أخجل من استنشاق الأوكسجين، أبكي لأصحّح
موقعي في الحياة، أبكي لأشوّش على صمتي، أبكي لأجلد ذاتي، أبكي لأعصر غيوم حزني،
أبكي لأنكسر معهم، أبكي منّي ومنكم ونيابة عنكم، أبكي لأتعلّم البكاء في ساحة
الصمت، أبكي لأعبّر عن هشاشة نفسي، أبكي لأن دموعهم ترشني رشّا، وأبكي لأنّني لا
زلت طفلة هشّة وأبكي كي لا أصاب بأمراض الزعماء وأبكي لأشارك الأبرياء وأبكي لأنّي
لم أستطع أن أضمهم وأنا أعظّم أجرهم، وأبكي لأني أخشى النظر في عيونهم وأبكي لأني لا
أدري ما أقول لربّي.
أنا التي عزمت ألّا تكتب
مجدّدا عن الحزن، عليّ أن أكتب عنه، عليّ أن أخطّه في كتاب لأطفالي كي يشهدوا شيئا
من التاريخ خطّته يدي ويصدّقوا ما كتبته يدي يوم يقال لهم إن التاريخ مزوّر أنّ يد
الأم كقلبها لا يكذب وأن الأمّ لا تتقن التزوير، وليعلموا ويتعلموا من دموع
الأبرياء أن يكونوا مددا وعونا لهم، أكتبه وأكتب فيه وصيّتي، أكتبه لا ليرثوه بل
لكي لا يسمحوا للناس في زمانهم أن يرثوه أو يورثوه، أكتبه كي لا يكتسبوا قلوبا
قاسية، كي يحسّوا بغيرهم، كي يسهموا في نجدتهم ويقطعوا الطريق على كلّ من يفكّر في
قتل الحياة.
سأخبرك يا بنيّ أنّني أعيش
في زمن الناس فيه لا يخافون الله إلا من رحم ربي، سأعلمك أن في هذه الأيام الغوطة
ودّعتنا كما ودّعتنا سورية كلها بسبب كرسيّ، وأن دوما اختنقت بهجوم كيماوي، وأن
فلسطين تناضل في مسيرات العودة وتشيّع شهداءها كالعادة، سأخبرك أنّ أطفالا كانوا
يحتفلون بختم القرآن قتلوا في ولاية قنذوز شمال أفغانستان ولو تعلم يا بنيّ كم
كانوا مشرقين، كأنهم كانوا يعلمون أنهم منتقلين إلى الجنّة باذن الله، وأن اليمن
تغرق في حزنها، والعراق في كآبتها وبورما في مصائبها وليبيا في تشتّتها، سأخبرك أن
السعودية أكبر ابن سلول عرفته في تاريخي وأنّي أخشى الصلاة خلف السديس.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire