dimanche 26 août 2018

من نحبّهم بشدّة يختارهم الغياب بدقّة، وأحيانا الشِّجار

بقلم: حياة بن بادة


"البعض نحبّهم، لكن لا نقترب منهم فهم في البعد أحلى وهم في البعد أرقى وهم في البعد أغلى، والبعض نحبّهم ونسعى كي نقترب منهم ونتقاسم تفاصيل الحياة معهم ويؤلمنا الابتعاد عنهم ويصعب علينا تصوّر الحياة حين تخلو منهم." جبران
والبعض نحبّهم فيكثر شجارنا معهم، نسخّرهم جلسات استرخاء لأعصابنا، فيوم نشكو لهم ويوم نشكوهم لأنفسهم، نمارس فيهم رياضة التنفيس، نتدرّب عليهم، وبكلّ ما أوتينا من سلبيات نخرج إليهم؛ واضحين كالشمس. نتعرّى أمامهم من معاطف الوقاية من برد المجتمع وحرّه وكيده، نقف أمامهم بغصوننا المرهقة وأوراقنا اليابسة وثمارنا المتيبّسة، يتساقط سلوكنا أمامهم، نشعل ثورة معهم وحربا ضد رأيهم، نشتعل معهم ولا نخشى شيئا وكلّما صحت الأجواء عدنا نكدّرها بالخلاف ولا نخاف لأننا سنعتذر في آخر اليوم ونتسامح ونتعانق ونضحك. وقد نخصّص لهم كنية نناديهم بها كلّما انزعجنا منهم واسما نلقبّهم به كلّما ثرنا عليهم بل ونذكّرهم بحدث غبيّ مرّ بهم أخجلهم وأضحكنا عليهم فنضحك معا رغم النقاش بل ونتعرّف على بعضنا أكثر ونحبّ بعضنا أكثر وكم نبدو فارغين وناقصين بدونهم. لا نحبّ أحدا أكثر منهم، نغار عليهم ونبيع العالم لأجلهم ونكره أن يمسّهم سوء أو أن تقترب منهم الآلام، نكره فراقهم وليلة من غيابهم تساوي ألف عام! نخصص مواعيد معهم في غيابهم، نواجه الشوق باستذكار لحظاتنا معهم؛ مقولاتهم، أشياء أحبوها، أشياء لم يحبوها، أذواقهم في الطعام واللباس والعطور بل ونقتنيها. وأحيانا نحتفظ بآخر قميص لهم خلّفوه للغسيل، نستخلصه لأحضاننا، نهرّبه من الصابون ونخبّئه في الخزانة لنعود إليه كلما لاح الحنين لا لشيء إلّا لنشمّهم فيه بعمق.
 الذين نحبّهم بشدّة قد يختارهم الشجار بدقّة ونادرا ما نجد مثلهم خارج البيت، الذين نحبّهم بشدّة قد ننتقدهم بحدّة لأنّنا نحبّهم بصدق فنقف أمامهم بذاتنا الهشّة ونطلعهم على تفاصيل أحاسيسنا ومشاعرنا ودموعنا وميولنا، نعود رفقتهم أطفالا ونتحوّل بفضلهم أبطالا، لا أحد سواهم يمنحنا حق تحوّل كهذا ولا ندفع ثمنه عدا الحبّ، حتى إنّنا نناديهم حين نرضى باسم وحين نغضب باسم وحين نتودّد إليهم طمعا في شيء باسم آخر وحين يكون الأمر جادا باسمهم؛ فهم في وقت الصحو عسل وفي وقت الجدال بصل. نريد حضورهم واهتمامهم كلّ مرّة، نتشارك معهم الحزن والمسرّة، نطلب احتواءهم كرّة وكرّة وكم نغار عليهم فكلما توسّطنا عنصر آخر، لبسنا لهم لاشعوريا ثوب الشجار ورفعنا لهم لوحة "قف" و"تمهّل" المرورية لا لشيء إلّا لنقول لهم إنّنا نحبّكم فانتبهوا، الذكي يفهمها والغبيّ يجري وراءنا في دورة الشجار حتى يمرّ الموقف ويتشتّت بالتبرير واستجداء العفو.
لولاهم لما تعلّمنا كيف ندير الخلاف، لولاهم لما اكتسبنا مهارات تؤهلنا للخروج إلى المجتمع ومشاركة الناس، لولاهم لما فهمنا معنى الحوار والاحترام والتفاوض والتسامح والاعتذار، لولاهم لما تعلّمنا كيف نكفّ عن الشجار ونتجاوز عن الأخطاء ونغفر، لولاهم لما تعلمنا الصدق ولولا وجودهم لتكوّنت في داخلنا العقد وفي أجسادنا الأمراض ولما عبّرنا عن مشاعرنا ولما فرّغنا انفعالاتنا ولما كان لنا رأي ولما عرفنا معنى الأخوّة ومعنى أن يكون لك صديق كأخ. هم السند، هم المدرسة النفسية وهم المدرسة الفكرية، هم المدرسة المعرفية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، والفنيّة التي علّمتنا معنى الاختلاف.
والبعض نحبّهم فتخطفهم يد الغياب، يرحلون ويتركون لنا الذكريات في كلّ ركن؛ تحكي عن الماضي ما كان فيه وما ولم يكن. عن بضعة الحروف التي كنّا نكوّرها بأصابعنا على الورق كي تقينا من نزغ الأرق ونتقاذفها صبحا بعيدا عن منطقة العزاء وملاعب الألم، عن كرة القلم تلك التي كانت تدور بيننا كركلات ترجيح لم ترجّح الكفة لأيّ واحد منّا، فأمست كلّ ما تبقّى منّا، عن عصا الحروف السحريّة التي كانت بمفاتيحها السريّة تفاجئ يومنا الرمادي فتلوّنه بشعور غير عادي؛ لا يترك في قلوبنا زاوية إلّا ومارس فيها طقوسه وأفرغ فيها كؤوسه، عن النهايات المفتوحة التي لم يتطوّع أيّ منّا ليوصدها خلف الغياب، عن لحظات الارتياب، وعن الخوف الذي تملّك السطر الأخير من يوميات الحروف.
 عن الشيء واللاشيء الذي كان بيننا، عن إقالة ساعي البريد الذي جوّعنا أطفاله، وصادرنا درّاجته وطوينا حقيبته ورفعنا عنه قبعته وحجزنا ماله، عن المظاريف البريدية التي ماتت فاستبدلناها بقارورة زجاجية يستحيل أن تصل من المتوسط إلى الكورال فظلّت رهن الخيال. عن الحبّ الذي انتظرنا عند باب الحياة الخلفي ودعانا إلى دهليزها الخفي فأعرضنا عنه وأخذنا نشقّ الطريق بين الحجارة لنحظى بترحيبه عند باب أمامي. عن المواعيد التي لم يخلق لها مستقبل، عن بوحنا الأهبل الذي حملته السطور تسعة أشهر وأكثر فتأخّر وما وُلد فتبخّر، عن حبّات الاعتراف الذي لم يصمد وتبعثر يوم صنعنا له بالأبجدية سلّة ورحنا نلتقطه من البريّة ونقطفه من السحب وننقّب عنه في تلّة، عن المشاعر التي افترستنا وخلّفتنا بقايا، عن زهرة الشفاء الضالة التي لم تكن إلّا في الحكايا، واليوم في الذكريات!
عن الأرض التي لم تعد تميل عن محورها ولم تعد تدور فرحى حول نفسها ولم تعد تحتفي بالشمس فتدور حولها، لتمسي السنة فصلا واحدا يستقر فيه موسم الغياب! عن المقاعد الجائعة، عن العيون المائعة، عن الذين تعاطيناهم دون احترام للجرعات وصرنا نتناول ذكراهم كلّ يوم، أثناء الوجبات وقبل النوم، عن الذين كانوا دواءنا فلمّا غابوا صاروا داءنا، عن الذين كنّا في حضورهم زهرات حيّة فإذا بنا في أفولهم أعشاب جبليّة كلّ من رآها حسبها العشبة الطبية الموصوفة في قصص كان ياما كان ولو أنّهم علموا أوجاعها لما قصدوا المكان! عن أولياء الحبّ الذين أجلانا الفراق عن أحضانهم الدافئة وبعثرنا في الأزقة نطق شكسبير ذات يوم فقال "من نحبّهم بشدة يختارهم الغياب بدقة" لأنّ مثلهم أضاف جبران "لا يستحق سوى الحبّ ولا نملك أمامهم سوى أن نحبّ، نرمّم معهم أشياء كثيرة، نعيد طلاء الحياة!" فأيّ طلاء بعدهم يلوّن وجه الحياة؟ إنّ أكثر ما يوجع في الفراق أردف نجيب محفوظ أنّه "لا يختار من الأحبّة إلّا الأجمل في العين والأغلى في القلب"، فيا له من فراق! وكيف يصحو المرء من ضلال قديم تحرّضه الذكريات؟
والآن أيّتها الذكريات، كأطفال القمر هذي الدموع تؤذيها شمسك، كأطفال القمر تخاف وشوشة النور فيك ويرهقها همسك ونكاد نحبّ الليل لأجلها، هذا الليل الذي تباح فيه الدموع والآهات وتمضي في سبيلها دون رخصة، هذا الليل الذي لم تجد سواه فرصة لتعقد معه جلسة وتعلن ثورتها وتقبّل الورق خلسة. هذا الليل الذي قيل إنه ستّار عيوب، هذا الليل الذي لطالما اقتحم القلوب وخرق فيها الجيوب فلم يدع فيها جرحا إلّا وحرّكه بملاعق الذكرى على نارنا وصبّه في وعاء الحروف، هذا الليل الذي كشف جميع عيوبنا بالظروف!
 نخشى ألّا صبح خلف هذا الظلام سيّدتي وكم نخشى أن يخترق الليل غلاف دفاترنا كنيزك ويسقط على سطح سطورنا بعد أن كان في حضورهم كالشهب يحترق في الجو ولا يدوس ركنا منها. نخشى ألّا ترسم الأيام خطّ الغلس في صفحاتنا فلا يتعاقب على وجهها سوى الظلام، ذاك الظلام الذي لا يعرف الرياء، لسنا ندري ألأنه آمن أن طقمه الأسود بحدّ ذاته جيب للكبرياء يُقبِل صريحا علينا لينهينا!
ما تبقّى منّا سيّدتي ليل مجنون يأبى أن يعقل ونأبى أن نرفع عنه القلم، ما تبقّى منّا صبح نائم أبى أن يستيقظ ونأبى أن نرفع عنه القلم، ما تبقّى منّا طفل صغير يأبى أن يكبر فلم نرفع عنه القلم، ما تبقّى منّا قلوبنا وما فيها من عواطف محكمات لا يعلم تأويلها إلّا نحن؛ الراسخون في الألم! ما تبقى منّا عيون نقلبها في أشياء تشبه الحياة ننقّب فيها عن الغائبين، نجوبها كرتين وأكثر ببصر أسير فإذا به ينقلب إلينا خاسئا وهو حسير. ما تبقى منا نافذة ورقية نستعين بسلالم هي أنت لنطلّ عليهم عبرها!
نعم الذين نحبّهم بشدّة يختارهم الغياب بدقّة وأحيانا الشجار، أمّا عن الشجار فصنع منّا المعلّم والمتعلّم الذي لم يفرّقه الاختلاف وأمّا عن الغياب فما أجمل ما قاله أدهم شرقاوي ذات يوم "عندما تعلّق قلب إبراهيم بإسماعيل أمره الله بذبحه وعندما تعلّق قلب يعقوب بيوسف أخذه منه، يبتلي الله الذين يحبّهم بما يحبّون ليجعلهم مخلصين لله." نعم؛ وقد يبتليهم ليريهم ضعفهم، وقد يبتليهم ليطلعهم على نِعم لم يستشعروها فيؤدّبهم وقد يبتليهم ليختبر صبرهم وقد يبتليهم ليمتحن تقواهم فمن تنازل لله عوّضه الله.

lundi 13 août 2018

بروكلين لا تشبه أحدا

بقلم: حياة بن بادة


بعيدا عن الحروب والأوراق والعلب التكنولوجيّة، في بقعة بعيدة تتغيّر فيها مواعيدك بالزمن عدا الساعة البيولوجيّة لا زالت تغطّيها الغيوم، ولا تزال عقارب قلبها تدور حسب توقيت إكوزيوم، هنا حيث تتعرّى الحياة من أثوابها الثقيلة التي لم تحمها يوما من برد الرثاء العربيّ، وهطول أمطاره لتكتفي بقطعة قماش غربيّ على مقاس جوّ السلام الذي لا يهمّه ما يحدث بالزاوية الأخرى من العالم المجنون، هنا في هذا الركن الملوّن الذي قرّر منذ زمن أن يعيش حيّا ويكون، تقف أشجار الساكورا اليابانية في حدائقها تنتظر موسما آخر من نيسان لتتفتّح فيه زهورها من جديد في أرض ليست باليابان؛ الساكورا التي لطالما رفضت أن تغيّر التربة وتنثر زهورها في الغربة!
في هذا المكان المتنوّع لا شيء أصليّ ومع ذلك يبدو كذلك، في هذا المكان شيء قطع تذكرة معطّرة من كارولاينا تحمله أشجار الماغنوليا، والكثير من القصص الأوروبية والقطع الموسيقية المكدّسة تحت السنديان ترسل أصابعها لتعبث بشيء من الذكريات التي لا علاقة تربطها بالمكان، تتعاطاها دفعة واحدة كمخدّر يبعث في صاحبه شيئا من السرور، وتدبّ فيه كالشعور؛ كأنّها تبوح بكلّ شيء في الوقت الذي تأبى فيه النفس تلمّس القلب واستذكار شيء عدا صدى صوت أستاذ اللغة العربيّة في أيّام الثانويّة يشرح درس الكناية ويردّد أبيات أبي نوّاس:
فلما شربناها ودبّ دبيبها إلى موطن الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو عليّ شعاعها فيطلع ندماني على سرّي الخفي
هنا لا شيء يريد أن يعود إلى الوراء ومع ذلك كلّ شيء يعيدك إليه، التاريخ هنا لا ينسى شيئا ولا يمرّ بشيء إلّا وتلمّسه وتعرّف عليه وإن بدا مختفيا خلف علَم ولغة رسمية تجلس في جيبها الداخلي اللهجات وتخرج من بابها الخلفي الحكايات، كلّ توقيع هنا يحكي قصّة وكلّ قصّة ترقص رقصة تراود القلب عن نفسه وتفوز بمساحة منه، لا شيء هنا يشبه الآخر ومع ذلك كل شيء يبدو موحّدا كزيّ عسكريّ.
على عكس جسر النسيان الذي يتوسط الأشجار في فانكوفر ذاك الذي قيل إنّه يداوي الجروح بالفطرة، يتمسّك جسر بروكلين بمبدئه في إحياء الذكرى، يلتقطها حبّة حبّة، لا ليرتحل بها إلى مانهاتن فقد تتحرّر هناك أكثر إذا ما اقتربت من سيّدة الحريّة، ولا ليبتعد بها عن الأرض فالأرض تلاشت بعض الشيء في لقيا نهر الإست بالسماء لولا الأضواء البهيّة وناطحات السحاب.  
كم من ذكرى يستفزها دون قصد ذلك الغروب القادم مع صوت تشارلي من كاليفورنيا إلى نيويورك ليتبعثر في الأرجاء وهو يعزّي نفسه في فقيده بول الذي لن يراه أبدا ومع ذلك ينادي بحزن هادئ متحفّظwhen I see you again . من ذا يقنع ذاك الذي يستعين بأغنية تشارلي على ذكراه هناك على الجسر أنّ الذكريات فعل ماض اكتمل ليرديه ناقصا؟ من ذا يقنع ذاك الذي اعتزل صخب المدينة وأخذ يحاول تثبيت قلبه بضجيج ألحان البلوز الرقيقة أنّ البلوز لا يثبّت القلب وإنّما يثبّت أحزانه ومآسيه، من ذا يقنعه أنّ البلوز لن ينسيه؟ يا حسرة! البعض يهرب من الذكرى والبعض يدعوها لرقصة على أنغام البلوز والجاز والبعض يراقبها وكلّما قرّرت أن تذبل سقاها لتتفتّح أكثر وتفوح في ضواحيه وكلّما قرّرت أن تهرب ألقى عليها القبض بيديه وقيّدها بعينيه وسجنها في وسادته وغذّاها بلقمته فإذا ما طلب النوم جفاه وإذا ما حاول تقبيل اللقمة أعرضت عنه وإذا ما أجبرها على العبور تيبّست في حلقه.  أيعقل أن يحدث كلّ هذا على جسر؟!
يحدث أن تسافر لتنسى فإذا بك تشدّ الرحال للذكرى، وقد تنسى فعلا! يحدث أن تحطّ في مكان فإذا به يحطّ في داخلك ويربط حبله بجدار قلبك فإمّا أن تتمنى المكوث فيه وإمّا أن تحمله كما هو معك فلا تكاد تكفّ عن ذكره. يحدث أن تخون بشرا مع مدينة فتقابلها سرّا كلّما رشقت نافذة الفؤاد بالحصى الذي يلفظه الغيم ليلا، يحدث أن تجدها بما فيها رفقة فرقة مرياتشي المكسيكية تحت النافذة تغنّي لعينيك وتنتظر أن تضيء قنديلا وتطلّ عليها لتخبرها أنّك تبادلها الحبّ وستخرج معها، فما أجمل أن تواعد مدينة عند جسر وتجلس معها في مقهى وتركب خلفها في درّاجة وتتّكئ على صدرها فوق مقعد طويل بعد يوم شاق وفي ليلة ماطرة!
مساء بروكلين الذي يبدأ بصوت "بايبي فيس" يغني No body knows أشبه بمساء غرفة شرقيّة اختارت أن تنتهي بصوت فيروز، في بروكلين المساء يعلن البداية وهناك يوقّع النهاية باستثناء غرفة أحدهم لا زالت تحاول إرسال الشرق ببعض الأغاني الشرقية لتمنح باي ريدج شيئا من الهويّة العربيّة ولروحه نفَسا يقوّيه على رعشة البعد، يا إلهي وهنا أيضا فيروز؟!
ما ألذّ صوت فيروز المنبعث في ركن غربيّ تفصله عن الشرق البحار والمحيطات ليستفّز مواطن الشوق، لا يكاد يوقف نزيف الحنين وهو يغرّد "سلّملي عليه وقلو إني بسلّم عليه" لتشتعل النوستالجيا وفيروز تنادي بحبّ:
"قلّو عيونو مش فجأة بينتسو
وضحكات عيونو ثابتين ما بينقصو،
مدري شو بو وبعرف شو بو
مطبوعة بذاكرتو ما تبحثوا..
تتساءل حينها ولم حتى نبحث؟ كلّ شيء مكشوف هنا وصار لتلك الذاكرة قوالب كقوالب الحلوى منقوشة بالصور والأسماء والأحداث والتواريخ، لكن لمن سيُنقل السلام؟ لأرض افتقدت السلام أم للمقاهي التي جمعتهم فلم يبق منها شيء عدا الركام، أم لتلك العيون التي صارت مستقرّا للحزن لا للضحكات؟! تنتهي تلك الأغنية لتليها "نسّم علينا الهوى من مفرق الوادي، يا هوا دخل الهوا خذني على بلادي" تتساءل مجدّدا لِم يهوى قلب يرفض العودة لبلاده كلّ هذا الوجع؟! تبحر على متن تأمّلك وفجأة ترسو مرّة أخرى عند فيروز لكنّها الآن تنادي "جيت لقيت فيها عشاق اثنين زغار قعدوا على مقاعدنا سرقوا منا المشوار". يالله! إلّا الفاتنة باي ريدج كأنها لا تصلح للضيافة! تعكس قصد فيروز في داخلك، تحدّث نفسك: صحيح، "الطرقات البيوت عم تكبر عم تكبر"، كلّ الأوطان تكبر "ما في غيرك يا وطني بتضلك طفل زغيّر" يلعبون به!
مساء بروكلين الذي تختم فيه آخر سطر من سطور جاين أوستن السعيدة تحت دموع الشجر لا يشبه وجه بروكلين الذي يخفي شيئا من الشجن كذاك الذي يطير خلف الدرّاجات مع صوت إيفا كاسدي يهمس time after time في ليلة شتويّة بالكاد توقف نزيف الأغصان من حولها.
كأنها تعشق القديم بروكلين هذه التي تتمدّد على صدر نيويورك بضجيجها وألوانها، تكاد تكون مقياسا سيكولوجيا متعدّد القراءات. كأنّها تعشق القديم! بروكلين هذه التي تجلس رواية توم سوير في منتزه جسرها وحيدة كتب أحدهم على غلافها عبارة "اقرأ ودع غيرك يقرأ"، تتساءل إن كنت ستجد في كلّ مقعد طويل حكاية طويلة كحكاية مارك توين هذه الهاربة من جنوب نهر الميسيسيبي إلى بلدة مزدحمة في نيويورك؛ تحمل ذكريات سانت بيترسبرغ التي لم تكن يومها موجودة إلّا في خيال مارك ومذكرات توم التي تبوح بأشياء من طفولة كاتبها هناك بهانيبال، تجوب ميزوري وتبحر عبر سانت لويس مع توم وهاك في مغامرات لطالما لعبت على أوتار طفولتنا فبقت راسخة كما بقت أشعار أوليفيا تحتلّ قلب مارك وعقوبات العمّة بولي عالقة في ذهن توم الشقيّ لتحطّ فجأة هنا بين يدي شخص لا يريد أن يقرأ شيئا عدا المساء.
القليل من توم والكثير من بروكلين هنا على هذا المقعد الطويل الذي يتّسع للمزيد من الذكريات، رحلة عقد وثلاث سنوات تمرّ عليك وأنت تقرأ عيون بروكلين وتبحر على متنها بصمت بعمر رحلة الجسر وهو يحاول أن يكون. بروكلين هذه بحدّ ذاتها كتاب رصّ غلافه بالحجارة البنيّة ورصفت جنبات أبوابه بالمقاهي وزيّنت أرصفة فصوله بالشجر وسماء معانيه بالجسور، وعطّرت سطوره الجائعة برائحة بيتزا غريمالدي الشهيّة وتغنّت مواسم حروفه بالحياة.
ترسل خطواتك عائدا، تطلق صدرك للهواء في محاولة للتنفّس العميق، تتمتم عبارات طويلة: "بروكلين تشبه الشتاء لولا أشجار الكرز الزهرية التي تعلنها ربيعا يطوف القلب كلّما وقعت العين عليها، بروكلين تشبه الخريف لولا ضحكة روزالي تطلع كلّ صباح لتنوب عن بقيّة الضحكات المتعانقة في أحيائها الشعبيّة التي اختارت أن تعيش فيها الشعوب سويّا، فصادقت هي على مزج الثقافات لتصنع للبلدة بطاقة هويّة، بروكلين تشبه الفراق لولا لقاء عمدي رتّبه لها جون روبلينغ مع مانهاتن عبر الجسر. بروكلين لا تشبه أحدا! مختلطة هي مشاعر بروكلين، فيها كلّ شيء ولا شيء يشبهها."