بقلم: حياة بن بادة
بعيدا عن الحروب والأوراق والعلب
التكنولوجيّة، في بقعة بعيدة تتغيّر فيها مواعيدك بالزمن عدا الساعة البيولوجيّة
لا زالت تغطّيها الغيوم، ولا تزال عقارب قلبها تدور حسب توقيت إكوزيوم، هنا حيث تتعرّى
الحياة من أثوابها الثقيلة التي لم تحمها يوما من برد الرثاء العربيّ، وهطول
أمطاره لتكتفي بقطعة قماش غربيّ على مقاس جوّ السلام الذي لا يهمّه ما يحدث بالزاوية
الأخرى من العالم المجنون، هنا في هذا الركن الملوّن الذي قرّر منذ زمن أن يعيش
حيّا ويكون، تقف أشجار الساكورا اليابانية في حدائقها تنتظر موسما آخر من نيسان لتتفتّح
فيه زهورها من جديد في أرض ليست باليابان؛ الساكورا التي لطالما رفضت أن تغيّر
التربة وتنثر زهورها في الغربة!
في هذا المكان المتنوّع لا
شيء أصليّ ومع ذلك يبدو كذلك، في هذا المكان شيء قطع تذكرة معطّرة من كارولاينا
تحمله أشجار الماغنوليا، والكثير من القصص الأوروبية والقطع الموسيقية المكدّسة
تحت السنديان ترسل أصابعها لتعبث بشيء من الذكريات التي لا علاقة تربطها بالمكان، تتعاطاها
دفعة واحدة كمخدّر يبعث في صاحبه شيئا من السرور، وتدبّ فيه كالشعور؛ كأنّها تبوح
بكلّ شيء في الوقت الذي تأبى فيه النفس تلمّس القلب واستذكار شيء عدا صدى صوت
أستاذ اللغة العربيّة في أيّام الثانويّة يشرح درس الكناية ويردّد أبيات أبي نوّاس:
فلما شربناها ودبّ
دبيبها إلى
موطن الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو
عليّ شعاعها فيطلع
ندماني على سرّي الخفي
هنا لا شيء يريد أن يعود
إلى الوراء ومع ذلك كلّ شيء يعيدك إليه، التاريخ هنا لا ينسى شيئا ولا يمرّ بشيء
إلّا وتلمّسه وتعرّف عليه وإن بدا مختفيا خلف علَم ولغة رسمية تجلس في جيبها
الداخلي اللهجات وتخرج من بابها الخلفي الحكايات، كلّ توقيع هنا يحكي قصّة وكلّ قصّة
ترقص رقصة تراود القلب عن نفسه وتفوز بمساحة منه، لا شيء هنا يشبه الآخر ومع ذلك كل
شيء يبدو موحّدا كزيّ عسكريّ.
على عكس جسر النسيان الذي
يتوسط الأشجار في فانكوفر ذاك الذي قيل إنّه يداوي الجروح بالفطرة، يتمسّك جسر
بروكلين بمبدئه في إحياء الذكرى، يلتقطها حبّة حبّة، لا ليرتحل بها إلى مانهاتن
فقد تتحرّر هناك أكثر إذا ما اقتربت من سيّدة الحريّة، ولا ليبتعد بها عن الأرض
فالأرض تلاشت بعض الشيء في لقيا نهر الإست بالسماء لولا الأضواء البهيّة وناطحات
السحاب.
كم من ذكرى يستفزها دون قصد
ذلك الغروب القادم مع صوت تشارلي من كاليفورنيا إلى نيويورك ليتبعثر في الأرجاء
وهو يعزّي نفسه في فقيده بول الذي لن يراه أبدا ومع ذلك ينادي بحزن هادئ متحفّظwhen I see you again .
من ذا يقنع ذاك الذي يستعين بأغنية تشارلي على ذكراه هناك على الجسر أنّ الذكريات
فعل ماض اكتمل ليرديه ناقصا؟ من ذا يقنع ذاك الذي اعتزل صخب المدينة وأخذ يحاول
تثبيت قلبه بضجيج ألحان البلوز الرقيقة أنّ البلوز لا يثبّت القلب وإنّما يثبّت
أحزانه ومآسيه، من ذا يقنعه أنّ البلوز لن ينسيه؟ يا حسرة! البعض يهرب من الذكرى
والبعض يدعوها لرقصة على أنغام البلوز والجاز والبعض يراقبها وكلّما قرّرت أن تذبل
سقاها لتتفتّح أكثر وتفوح في ضواحيه وكلّما قرّرت أن تهرب ألقى عليها القبض بيديه وقيّدها
بعينيه وسجنها في وسادته وغذّاها بلقمته فإذا ما طلب النوم جفاه وإذا ما حاول
تقبيل اللقمة أعرضت عنه وإذا ما أجبرها على العبور تيبّست في حلقه. أيعقل أن يحدث كلّ هذا على جسر؟!
يحدث أن تسافر لتنسى فإذا
بك تشدّ الرحال للذكرى، وقد تنسى فعلا! يحدث أن تحطّ في مكان فإذا به يحطّ في
داخلك ويربط حبله بجدار قلبك فإمّا أن تتمنى المكوث فيه وإمّا أن تحمله كما هو معك
فلا تكاد تكفّ عن ذكره. يحدث أن تخون بشرا مع مدينة فتقابلها سرّا كلّما رشقت
نافذة الفؤاد بالحصى الذي يلفظه الغيم ليلا، يحدث أن تجدها بما فيها رفقة فرقة
مرياتشي المكسيكية تحت النافذة تغنّي لعينيك وتنتظر أن تضيء قنديلا وتطلّ عليها
لتخبرها أنّك تبادلها الحبّ وستخرج معها، فما أجمل أن تواعد مدينة عند جسر وتجلس
معها في مقهى وتركب خلفها في درّاجة وتتّكئ على صدرها فوق مقعد طويل بعد يوم شاق
وفي ليلة ماطرة!
مساء بروكلين الذي يبدأ
بصوت "بايبي فيس" يغني No body knows أشبه بمساء غرفة شرقيّة اختارت أن
تنتهي بصوت فيروز، في بروكلين المساء يعلن البداية وهناك يوقّع النهاية باستثناء
غرفة أحدهم لا زالت تحاول إرسال الشرق ببعض الأغاني الشرقية لتمنح باي ريدج شيئا
من الهويّة العربيّة ولروحه نفَسا يقوّيه على رعشة البعد، يا إلهي وهنا أيضا فيروز؟!
ما ألذّ صوت فيروز المنبعث
في ركن غربيّ تفصله عن الشرق البحار والمحيطات ليستفّز مواطن الشوق، لا يكاد يوقف
نزيف الحنين وهو يغرّد "سلّملي عليه وقلو إني بسلّم عليه" لتشتعل
النوستالجيا وفيروز تنادي بحبّ:
"قلّو
عيونو مش فجأة بينتسو
وضحكات
عيونو ثابتين ما بينقصو،
مدري شو
بو وبعرف شو بو
مطبوعة
بذاكرتو ما تبحثوا..
تتساءل حينها ولم حتى نبحث؟
كلّ شيء مكشوف هنا وصار لتلك الذاكرة قوالب كقوالب الحلوى منقوشة بالصور والأسماء
والأحداث والتواريخ، لكن لمن سيُنقل السلام؟ لأرض افتقدت السلام أم للمقاهي التي
جمعتهم فلم يبق منها شيء عدا الركام، أم لتلك العيون التي صارت مستقرّا للحزن لا
للضحكات؟! تنتهي تلك الأغنية لتليها "نسّم علينا الهوى من مفرق الوادي، يا
هوا دخل الهوا خذني على بلادي" تتساءل مجدّدا لِم يهوى قلب يرفض العودة
لبلاده كلّ هذا الوجع؟! تبحر على متن تأمّلك وفجأة ترسو مرّة أخرى عند فيروز
لكنّها الآن تنادي "جيت لقيت فيها عشاق اثنين زغار قعدوا على مقاعدنا سرقوا
منا المشوار". يالله! إلّا الفاتنة باي ريدج كأنها لا تصلح للضيافة! تعكس
قصد فيروز في داخلك، تحدّث نفسك: صحيح، "الطرقات البيوت عم تكبر عم تكبر"،
كلّ الأوطان تكبر "ما في غيرك يا وطني بتضلك طفل زغيّر" يلعبون
به!
مساء بروكلين الذي تختم فيه
آخر سطر من سطور جاين أوستن السعيدة تحت دموع الشجر لا يشبه وجه بروكلين الذي يخفي
شيئا من الشجن كذاك الذي يطير خلف الدرّاجات مع صوت إيفا كاسدي يهمس time after time في ليلة شتويّة بالكاد توقف نزيف
الأغصان من حولها.
كأنها تعشق القديم بروكلين هذه
التي تتمدّد على صدر نيويورك بضجيجها وألوانها، تكاد تكون مقياسا سيكولوجيا متعدّد
القراءات. كأنّها تعشق القديم! بروكلين هذه التي تجلس رواية توم سوير في منتزه
جسرها وحيدة كتب أحدهم على غلافها عبارة "اقرأ ودع غيرك يقرأ"، تتساءل
إن كنت ستجد في كلّ مقعد طويل حكاية طويلة كحكاية مارك توين هذه الهاربة من جنوب
نهر الميسيسيبي إلى بلدة مزدحمة في نيويورك؛ تحمل ذكريات سانت بيترسبرغ التي لم
تكن يومها موجودة إلّا في خيال مارك ومذكرات توم التي تبوح بأشياء من طفولة كاتبها
هناك بهانيبال، تجوب ميزوري وتبحر عبر سانت لويس مع توم وهاك في مغامرات لطالما
لعبت على أوتار طفولتنا فبقت راسخة كما بقت أشعار أوليفيا تحتلّ قلب مارك وعقوبات
العمّة بولي عالقة في ذهن توم الشقيّ لتحطّ فجأة هنا بين يدي شخص لا يريد أن يقرأ
شيئا عدا المساء.
القليل من توم والكثير من
بروكلين هنا على هذا المقعد الطويل الذي يتّسع للمزيد من الذكريات، رحلة عقد وثلاث
سنوات تمرّ عليك وأنت تقرأ عيون بروكلين وتبحر على متنها بصمت بعمر رحلة الجسر وهو
يحاول أن يكون. بروكلين هذه بحدّ ذاتها كتاب رصّ
غلافه بالحجارة البنيّة ورصفت جنبات أبوابه بالمقاهي وزيّنت أرصفة فصوله بالشجر
وسماء معانيه بالجسور، وعطّرت سطوره الجائعة برائحة بيتزا غريمالدي الشهيّة وتغنّت
مواسم حروفه بالحياة.
ترسل خطواتك عائدا، تطلق صدرك
للهواء في محاولة للتنفّس العميق، تتمتم عبارات طويلة: "بروكلين تشبه الشتاء
لولا أشجار الكرز الزهرية التي تعلنها ربيعا يطوف القلب كلّما وقعت العين عليها،
بروكلين تشبه الخريف لولا ضحكة روزالي تطلع كلّ صباح لتنوب عن بقيّة الضحكات
المتعانقة في أحيائها الشعبيّة التي اختارت أن تعيش فيها الشعوب سويّا، فصادقت هي
على مزج الثقافات لتصنع للبلدة بطاقة هويّة، بروكلين تشبه الفراق لولا لقاء عمدي
رتّبه لها جون روبلينغ مع مانهاتن عبر الجسر. بروكلين لا تشبه أحدا! مختلطة هي
مشاعر بروكلين، فيها كلّ شيء ولا شيء يشبهها."
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire