vendredi 29 avril 2022

مقتبس من رواية "ما سلككم في سفر" لـ حياة بن بادة

 

ذلك أنّه لا أشد صعوبة على امرأة رقيقة تقي هشاشة قلبها وتتستر على ضعفها خلف أقنعة فتبدو للعيان عنيدة وقوية وخطرة وغامضة كمثلث برمودا من رجل جغرافي يستهدفها، يتجرأ على بنية عنادها وقوتها وغموضها وخطورتها، يراود عاطفتها ويراوغ دفاعها ويتحدى سلاح بحريتها ويترصد مكامنها ويرصد تحركاتها ويدرس رياحها ويرفع أشرعته ويعلن ملاحته صوبها ليحتل محيطها.

      رجل جغرافي يرابط على حدودها، يراقب ثغورها، يحدد موقعها واتجاهات روحها وتوجهات وجدانها ببوصلته، يقف عند خط استوائها أطوارا، ويلتفّ حول دوائرها مرارا، جغرافي يرسم خارطتها، ويسير وفق إحداثياتها بهدوء رحّالة، وشغف ربّان وعيون جاسوس وتوق قرصان، وطموح مستعمر وبراءة طفل وجنون مغامر، واهتمام مهووس ووجدان رجل عربي قديم وآداب رجل تقليدي أصيل، رجل تفاجئه بحلولها على أرضه كظاهرة طبيعية من حيث لا يحتسب. رجل يدرس نظام إحداثياتها بدقة ويفهم تضاريسها قبل أن يبحر نحوها بأساطيله ليقيم مستوطنته. رجل جغرافي يقيس أعماقها ويحفظ دوائر عرضها الأساسية ومتى تتحول من الشتاء إلى الصيف، وكيف ينشأ فيها الربيع والخريف، ومتى يتعاقب عليها الليل والنهار، وكيف يحدد توقيتها بسدسه ولحظة بزوغها بأسطرلابه.

         رجل جغرافي يدرس كثافتها الشعورية وحيل التعامل معها، يستكشف معالمها ويصف تحركات قلبها وطرق استجابته، يحدد المواقع على خارطة أنوثتها بألوانه الخمسة، ويعلقها أمام عينيه دون رخصة، ويتتبعها خلسة، ثم يعلنها اكتشافا كقارة مهجورة يحمّلها اسمه وكمعالم منسية وكأجرام مخفية. رجل هو الآخر كالجغرافيا يوزعها في قارات، يظللها كالجبال ويغذيها كالأشجار ويزينها كالمسطحات المائية ويحتويها كالعمران.

لا أشد خطورة على امرأة كهذه من جغرافي يبحر إليها دون الحاجة إلى السانتا ماريا ودون الاستعانة بسفن الفايكينغ الطويلة وخرائط الكابتن كوك، جغرافي يصف ما فيها من عجائب، جغرافي قادر على التأقلم مع جميع التطورات النفسية التي تتناوب عليها، يكشف زيف الحكايات حولها، يوثق في مخطوطاته رقتها وجنونها وذكاءها وكل ما اختبره من حالات في مناطقها الاستوائية الدافئة ومناطقها القطبية الباردة!

 

 

مقتبس من رواية "ما سلككم في سفر" لـ حياة بن بادة

 

يا ليتنا كأمهاتنا وجداتنا، ويا ليت الزمن يعيد الرجال إلى الشارع والنساء لبيوتهنّ. ليته يعود؛ زمن المكوث في البيت وتجمعات حوش الدار، زمن النسيج والحياكة والخياطة والتطريز والألوان، زمن خيوط القز والصوف والفلاحة، زمن المصانع والانجازات المنزلية، زمن فساتين الدار المستديرة، زمن ضفيرة الشعر الطويلة ووجوه النسوة الناعمة بعيدا عن أشعة الشمس ودخان الشوارع وآهات المدينة، ذلك الزمن الذي كانت تتزين فيه المرأة بالكحل وأحمر الشفاه الأخضر والحناء، والرجل بوقاره وشهامته وهيبته، زمن الأعراس البسيطة، زمن التفاف النسوة مساء حول مسلسل الحارات القديمة، زمن النسمات المنعشة ومطر الصيف الفجائي وأوديته الليلية البراقة، زمن الأحواض والخيرات، زمن ضجيج الطفولة في الأزقة وأغانيهم العصرية المجنونة، زمن السطوح والأحواش، زمن الوجبات الطازجة النقية، زمن العفاف والستر والبركة والبساطة، زمن دقات الساعة الرابعة التي كانت مرتبطة بعودة الأب إلى البيت، زمن أذان المغرب الذي كان يدق ناقوس خطر البقاء في الشوارع، زمن الحياء والطاعة والرضوان والقناعة، ذاك الزمن الذي يقدّر كل طرف فيه دوره ويؤديه بحب ومسؤولية أو دونهما دون احتجاج، زمن الأفراح الباكرة والأحزان البعيدة، زمن الحياة والابتهاج.