mercredi 27 décembre 2017

2017، منّيتني فلوّيتِ ما منّيتني

بقلم: حياة بن بادة




وجدته الأمس مفجوعا يودّعها وهي تجرّ أمتعتها، كانت لا تزال في أرضه تعبث بأعصابه وتنثر دخانها في رئتيه، لم يحن بعد موعد رحلتها الأبدية إلى التاريخ لتلتحق بسابقاتها اللواتي لعبن بمشاعره. كان يعتقد أنّها بحلولها ستكون الأجمل والأطهر وستجعله يفرح أخيرا، كان صادقا وهو يفتح لها باب حياته لأوّل مرّة، كان مخلصا وهو يلقي أمنيته الصغيرة أمامها، كان جادا وهو يقطع وعوده لها عندما وصلت إلى عالمه الحسّاس فبذل لها نفسه، كان يحملها على ظهره كلّما سقطت بأمنياته أمامه، كان يشفق عليها بالصبر، لكنّه ما عاد يقدر، هي لم تكن لتعطيه، كانت فقط تمنّيه وها هي ذي ترحل.
 بالأمس فقط رأيته يخرج من عقله، كان يعتب عليها ويوبّخ قلبه الذي رسم له بالأمل أحلاما فيها، وجدته يذوّب الأمل الأخير في إناء الشهر الأخير، فبضعة أيّام ضيّقة يستحيل أن تفي بوعد سنة. وجدته ملقى بقارعة فؤاده المكسور، لا شيء يستجمعه سوى الأسى، وجدته جاثما عند بوابة أحلامه المسدودة تمزّقه الخيبة. وجدته كحجر إيليا الصغير يشكو، وجدته كالعبد الذليل، بل وجدته مثل جميل يردّد قائلا:"منّيتني فلوّيتِ ما منّيتني وجعلتِ عاجل ما وعدتِ كآجل"، كأنّه لم يحفظ من الأدب كلّه وقصيدة بن معمر هذه سوى هذا البيت أو ربّما لم يتبقّ في ذاكرته شيء سواه. سألته باستحياء:"من التي منّتك؟" قال:"السنة"، ضحكت في البداية، ضحكت رغم الضنى، خلتها فتاة من المراهقات، لم أكن أعلم أنّه يواعد السنوات منذ زمن ويعتب عليها في كلّ نهاية، فيا لها من سنوات ويا لها من نهايات، كنت أعلم أن لكلّ بداية نهاية لكن ما كنت أتصور أن لكلّ بداية نهاية تشبهها حتى تعرّفت عليه. كان إنسانا واحدا بعدّة أمنيات وجدته في كلّ مكان.
كان يتمنّى أن تصدق تنبّؤات برجه الفلكي ولو لمرّة لكنّه لم يكن يدرك أن النجوم والأجرام السماوية لا تعلم شيئا وأن 2017 سنة شحيحة كغيرها من السنوات التي أفلت. كان يتمنّى أن يجتاز امتحانه وأن يستقرّ في وظيفة يعيل بها نفسه وأسرته لكّنها مضت دون أن يتحقّق نجاحه حتى أنه نجح واستبدلوا اسمه باسم آخر أكثر ثقلا وهيبة. كان يتمنى أن يحظى بسكن يجمع فيه نفسه المرهقة من الإيجار ومن ضغط البيت الكبير الذي لا يتّسع لأسرة جديدة، كان يتمنّى أن يجد امرأة أحلامه ويسكن إليها، كان يتمنّى أن يزدان فراشه بطفل يناغيه "بابا" أو طفلة تهمس في أذنيه "بابا"، لكنّه ظلّ ينتظر "فالمعيشة صعبة" ولا بدّ من تقشّف بشري، كان يتمنى أن يشفى من مرضه وأن يجمع في هذه السنة مالا يسمح له بإجراء عملية جراحية تبث فيه الحياة، لكنّه مات دون أن تخالف 2017 غيرها من السنوات، كان يتمناها عاما بكل بساطة لكنّها أصرّت أن تكون سنة وألّا تستجيب لأمنية.
كان يتمنى أن تخفّف المحكمة عقوبته وأن يُصدر عفو جديد أو يعود العدل لوطنه ويطلق السجّان سراحه ليجدّد حياته ويشمّ نسيم الحريّة، لكنّ 2017 لم تكن كما تمنّى، ها هي ذي تحزم أمتعتها ولا يزال في زنزانته المظلمة يستحضر طفولته. كان يتمنّى أن يكون شتاؤها ماطرا وزرعها وفيرا لكنّ شتاءها كان كالشتاء السابق جافا. كان يتمنى فيها ثوبا جديدا، خبزا طريّا، تفاحة لذيذة، طبقا ساخنا، بطانية دافئة يلحّف فيها جسده المتجمّد، خيمة تستر عوراته، وطنا مشفقا ومنصفا، كان يتمنى قلوبا جديدة، قلوبا طيبة تنظر إليه بعين الرحمة، غير أنّ 2017 عرفته فقيرا وتركته كذلك.
استيقظ في صباحها الأوّل، أطلّ من نافذة دار العجزة البعيدة باسما يتمنى أن يشاهد ابنه متّجها نحوه ليقبّل يديه ورجليه ورأسه ويسأله الغفران. لم يكن يرجو أن يغادر دار العجزة بقدر ما كان يتمنى أن يغادر حضن ابنه إلى أحضانه وتدوس شفتاه خدّيه بلهفة ثمّ يرحل بعدها للأبد، لكنّ 2017 جاءت لتأخذه معها وظلّ ذاك الحضن فارغا إلى يوم يبعثون.
لحّف وجهه بكوفيته الطاهرة وقبّل جبين أمّه ويديها وسألها ألّا تحزن، كان يسأل 2017 أن تلحقه بأخيه الشهيد، كم تمنّى أن ينتهي شهيدا لكّنها فضّلت أن يكون أسيرا، ولا يزال أسيرا.
منّته 2017 بالعودة إلى أرضه ولقاء أهله، كانت تلك الأنوار الساطعة ليلة استقبالها وتلك التهاني المتناثرة هنا وهناك وتلك الأماني المرسلة إلى السماء تمنّيه وتبعث فيه أمل العودة لكنّه لم يعد وظلّت تلك السنة ترفس أحلامه يوميّا كأنّ طريق العودة قد طوي للأبد لولا رحمة الله، ولا زال يحلم. كان يحلم أن تشرق الشمس فعلا فيها من الشرق، كان يحلم أن يرتسم الأخضر في قريته من جديد وترقص أشجار الجوز والسرو هناك في الغوطة الشرقية وأن يصل عبير التوت والدراق إلى تلّ الصالحية وأن ينعم العنب الدوماني فيها بالحريّة، كان يحلم أن يعود ليلقى داريا ويمسح دموعها والرماد من وجه مساجدها القديمة ودورها وأن يسمع صوت البائع الجوّال ذائعا في أحيائها وأن يمرّ بسوق عجم يزيل عن زواياه الألم، لكن من ذا يعمّر داريا والغوطة الشرقية وحلب في بضعة أيام ويغسل وجه ريف دمشق الرمادي؟
كان يحلم أن يعود إلى الموصل ويجوب بسلام شارع النجفي القديم ويقتني أجزاء أخرى من تلك الكتب التي تركها خلفه فاحترقت، كان يتمنى ألّا تمرّ 2017 إلّا وقد تركتها فيحاء وخضراء وبيضاء، فإذا بها شهباء. كان يتمنّى أن ترتاح اليمن ويعود ليلقاها من جديد ترتشف الشاي العدني على أنغام أغنية صنعانية في الأسواق الشعبية غير بعيد عن باب اليمن العتيق حيث يجتمع السيّاح حول أطفال يرقصون البرع في صنعاء القديمة، وأن يتناول الفحسة من يدي أمّه التي امتصّها الوباء فغادرته للأبد. كان يتمنى أن تلوّن 2017 النوافذ من جديد وأن تعيد اليمن السعيد، لكّنها تلاشت ولم تفعل.
كان يتمنى أن يبتهج نهر إيراوادي وأن ينصف العالم ومنظمات الإنسان أهل أركان ويعودوا إلى ديارهم معزّزين مكرّمين لكنّ 2017 فضّلت أن تزيد عدد اللاجئين والمشرّدين والمعذبّين. كان يتمنّى ألّا يقرأ في الصحف أنباء عن اشتباكات في جنوب السودان والصومال وأفغانستان ولا عن مجاعة وأميّة ودمار.
كان يتمنى أن يتحّد الوطن الإسلامي ويناضل لتحرير فلسطين، لم يكن يتمنّى أن يتفرّق إلى هذا الحدّ وأن تنتهي 2017 وقد تركت بعدها وحشا يغتصب القدس ويدمي جراحه، فكيف أصبّره؟.

lundi 25 décembre 2017

اذهب، جعلك الله إماما للحرمين!

بقلم حياة بن بادة




صارت تصريحات السديس أشبه بكتاب الأغاني لصاحبه الأصفهاني مترعة بالتضليل ومنمّقة بالسجع لكن "الثقيل"، وتحوّل السديس من إمام إلى وزير خارجية مكلّف بشؤون الفتن ما ظهر منها وما بطن، بل تحول عبد الرحمان إلى عبد سلمان في زمن صرنا نرى فيه مشايخ يظهرون مبدأ الخروج عن الله ولا الخروج عن الحاكم وصار فيه هدى أمريكا هو الهدى و"العياذ بالله"، كيف لا والسديس وما أدراك ما السديس، إمام الحرمين الذي يصلي خلفه الملايين من مختلف بقاع العالم، ذاك الذي يتلو قوله تعالى "ومن أحسن قولا ممّن دعا إلى الله وعمل صالحا" وقوله تعالى " فلمّا نسوا ما ذكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كلِّ شيء حتّى إِذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" وقوله تعالى "أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون" وقوله تعالى "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، السديس وما أدراك ما السديس ذاك الرجل الذي رزقه الله تلاوة القرآن بأعذب صوت لطالما اقشعرّت له الأبدان، يا حسرة! ذلك الرجل الذي كنت كلما سمعته يدعو ويبكي اعتقدت أنه يبكي على ضعفه أمام جور ملوكه والذي عليه أن يبكي من اليوم فصاعدا على حاله وما آل إليه من طغيان، فقد جنى عليه مركزه.
ما من شيء يبتلى فيه الناس كأن يتحوّل الإمام إلى آلة تترجم ما يأمر به الساسة، فهذا خطيب حوّل خطبة الجمعة إلى درس في العلوم الطبيعية يعدّد فيه فوائد الشجرة وذاك خطيب يحدّثنا عن واجب الانتخاب وآخر عن محاسن الرئيس في الوقت الذي كان عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر الذي أغرق المجتمعات، وآخر "كبّرها وزوّدها" بتصريح يمدح فيه سياسة أمريكا التي يسخط عليها أمريكيون، ما من شيء أصعب من أن يفتقر الناس إلى إمام صالح النفس مصلح المجتمع يكون مرجعا لهم. إنّنا لسنا بحاجة إلى شياطين خرس ولسنا بحاجة فقط إلى أشخاص صالحين وإن كنّا نشهد عصرا غزير الطالحين قليل الصالحين، إنّنا بحاجة إلى أشخاص صالحين مصلحين، فالصلاح بدون إصلاح كأنبوب تغذية وريدية خال من أي محلول، موصول بمجرى دم مريض يواجه الموت، "وما كان ربّك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون".
قبل سنوات روى لي أحدهم قصّة عن السديس بكلّ فخر، قال لي إن أمّ السديس دعت عليه عندما كان طفلا قائلة: "اذهب، جعلك الله إماما للحرمين"، قال لي إنّ السديس كان يلعب ويرمي التراب على طعام أعدّته أمه لضيوف والده فأفجعها بصنيعه، وما أعجبه من دعاء، دعاء بحدّين، دعاء بوجهين، دعاء سبّب النزال بين حرفين، ولست أدري إن كانت دعت له أم عليه لأنّني اليوم أدركت جيّدا ماذا يعني أن تكون إمام الحرمين في عهد يقود فيه ترامب وسلمان العالم إلى السلام وبرّ الأمان.
تعبير الدعاء أحيانا كتعبير الأحلام، ففي تفسير الأحلام يشترط معرفة حال الرائي لأن حلما واحد قد يعبّر بطريقتين وهذا يذكرني بقصة حدثت مع ابن سيرين إذ دخل عليه رجل قال: رأيت في المنام كأني أؤذن فقال له تحج. ثم دخل عليه آخر فقال: رأيت كأنّي أؤذن، فقال: تقطع يدك. سئل ابن سيرين كيف فرّق بينهما، قال: رأيت للأول سيما حسنة فأوّلت بقوله تعالى: وأذّن في الناس بالحج، ورأيت للثاني سيما غير صالحة، فأوّلت: ثم أذّن مؤذّن أيّتها العير إنّكم لسارقون. وعليه بما أنّي ولدت في زمن خرافي تقود فيه أمريكا والسعودية العالم ويتحوّل فيه إمام الحرمين إلى "بان كي مون" صار في اعتقادي أنه من حقّي أن أتبنّى أنا بدوري الخرافات وأقول إنّ لحال الداعي تأثير على الدعاء كذلك، فما يحدث لإمام الحرمين لا يبشّر بخير. نعم، أدركت جيّدا الوجه الآخر لـ "اذهب، جعلك الله إماما للحرمين" حين يمزج بالغضب وذاك حال الداعي.
أن تكون إمام الحرمين حسب ما استوحيته من تجربة السديس في مدينة ترامب وسلمان يعني أن تكون ناطقا رسميا مكلّفا بشؤون التملّق الخارق للعادة. أن تكون إمام الحرمين حسب السديس يعني أن تتورّط في طاعة الملك العمياء وأن تنحرف عن قول المعروف والنهي عن المنكر. أن تكون إمام الحرمين حسب السديس يعني أن تنتقل من عالم الدين إلى عالم السياسة بتفويض من قادة السلام والأمن العالميين. أن تكون إمام الحرمين حسب السديس يعني أن تثير سخط وخيبة الناس المخدوعين فيك من شتى أنحاء العالم، أن تكون إمام الحرمين حسب تجربة السديس يعني أن تنصاع لأمر الحاكم أو أن تسجن، يعني ألّا تنصر المظلوم ففي نصرته انشغال عن الدعوة إلى الله أو أن تتدخّل في السياسة بشدّة وتبارك انقلاب السيسي وتدعو على المتهمين بالإرهاب وتؤيّد حصار قطر وتعتقل الأبرياء وتحرم الناس من الحج وتبارك جهود السعودية الغريبة في استرجاع الأقصى وتأكل غلّة المقدسيين وتشرب دماءهم. أن تكون إمام الحرمين حسب تجربة السديس يعني أن تصمت عن الحقّ وتؤيّد الباطل وتجعل الكثيرين يتمنون تحريم الصلاة خلفك على أنفسهم. أن تكون هذا الإمام يعني أن تفسد الوليمة على الشعوب العربية المتناثرة آمالها هنا وهناك بسبب من يقودان العالم والإنسانية إلى مرافئ الأمن والسلام والاستقرار والازدهار، يا سلام.
مسكينة هي الإنسانية يا سديس، مسكينة بمعنى الكلمة تلك الإنسانية التي دفنتها أمريكا في الشرق الأوسط وإفريقيا وكبّلتها في سائر أنحاء العالم، مسكينة تلك الإنسانية التي تعذّب في السجون وتجوّع في الصحاري وتقتّل بأسلحة الدمار، مسكينة تلك الإنسانية التي كسرت ظهرها أفلام "الويسترن" ويسخّر لعيونها السوداء صفقة 350 مليار دولار من الأسلحة. ويا له من ازدهار ذاك الذي يقوده بلد رئيسه يكفيه أنّه عدوّ الإنسان، زير النساء ومصدّر الخمور والسلاح، تاريخه مختوم بوصمات العار، مهاجر يكره المهاجرين والمسلمين والأفارقة والملوّنين، ويا له من سلام ذاك الذي تقمع به السعودية الحريّات وتكمّم به الأفواه وتستعبد به الخلق وتنصر به الظلم وتتعدّى به حدود الخالق؟ لا سلام ولا أمن ولا استقرار ولا ازدهار، فلن تقودوا العالم إلّا للدمار، فأنتم تخادعون أنفسكم ولا تشعرون، مفسدون ولكن لا تشعرون، سفهاء ولكن لا تعلمون وهالكون لا محال.
يوما ما سيستجيب الله يا سديس وسيدمّر الإرهاب ومموّليه وسينقلب كلّ دعاء على الداعي وكلّ سحر على الساحر ويظهر الحقّ ويزهق الباطل.

vendredi 15 décembre 2017

لكم أوراقكم ولنا فلسطيننا وقدسنا

بقلم: حياة بن بادة




ورقة وقّعها الشيطان لا تعني شيئا أمام إيماننا، هي لا تعني شيئا أمام تهافت قلوب وأرواح وأجساد تلتفّ حول الأقصى وترمّم جراح القدس، تلك الورقة التي وقّعها الشيطان لن تسلبنا قدسنا، هي فقط تفيض غضبنا وقد اعتادت الشياطين استفزازنا بالأوراق، نعم، ومثلما تستفزّنا شياطين بالأوراق تستفزّنا أخرى بالصمت، فنحن الشعوب المسجونة في الغضب وفي الحدود وفي الفقر وفي التعبير المقيّد عن أعماقنا. نحن الشعوب الثائرة لأجل فلسطين منذ زمن فلو حدث وأن فتحوا أبواب معتقلاتنا لحظة صراخها لنصرناها، نحن أسرى لدى حكّامنا وسجناء قراراتهم والباكون على عجزنا وآه من عجزنا.
فلسطين كلّها لنا والقدس قدسنا فلكم أوراقكم ولنا فلسطيننا ولنا قدسنا. ومتى اعترفنا نحن بكم؟ مضت قرون مذ أعلنتم لأنفسكم دولة وعَلما وحلفاء، مضت قرون مذ سرقتهم أراضينا ونهبتم أرزاقنا وقتّلتم شعبنا وقصفتم بيوتنا ولا زلتم تفعلون ولا زلنا ننبعث ولم نعترف يوما بكم، قسّمتم أرضنا لكنكم ما قسمتم ظهر أحلامنا ولا زلنا كلّ ليلة نبشّر باسترجاع كلّ شبر بنيتم على قلبه مستوطنة وسجونا وثكنة، ومع ذلك هل اعترفنا بكم؟ هل اعترفنا بوجودكم؟ فكيف تسلب القدس منّا وفلسطين كلّها لنا؟ ولا وجود لغير كيان صهيوني واحتلال يفجّر ثورتنا وانتفاضتنا وكفاحنا. سننتصر بنضالنا وإيماننا، سننتصر لأنّنا لا نؤمن بأوراقكم المحروقة، إنّنا نؤمن بفلسطيننا.
فلسطين كلّها لنا والقدس قدسنا، فلكم أوراقكم ولنا فلسطيننا وقدسنا وإيماننا ويقيننا الذي صادقنا عليه بقلوبنا وكتبناه في عروقنا وبدمائنا خارطة لأجيالنا، نرحل وتبقى أشلاؤنا تزهر وستطلع الشمس منها بإذن الله.
لنا في فلسطيننا قلوبنا وأرواحنا، لنا فيها تاريخنا ومقدّساتنا، لنا فيها شرفنا وعرضنا وكرامتنا. لنا في فلسطيننا زهرة المدائن وأولى القبلتين ذات القلب الواسع الزاخر بمعالم الحياة والتاريخ، لنا في الطاهرة بيت المقدس المترعرع في حِجْر جبال الخليل. ومن جبل الزيتون يمكننا أن نرصد أخبار القدس ونلقي التحية على المسجد الأقصى، وقد يكتفي المقدسي بإطلالتها عليه من باب سوق القطانين البهيّ المفتوح على قبة الصخرة الشامخة.
لنا في فلسطيننا عاصمة تدعى القدس وأيّ مدينة كالقدس؟ من هنا مرّ التاريخ بل فيها حطّ وهنا استقرّ الأنبياء والرسل وهنا ربط الرسول صلى الله عليه وسلّم براقه عند حائط البراق وفي المسجد الأقصى صلّى بالأنبياء، ومن هنا مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل إليها قدم لينير وجهها بضياء الإسلام وهنا يؤذّن للصلاة من مسجد عمر ذي المئذنة العريقة الباسقة، وهنا اشتعلت حطّين ليستردّ صلاح الدين الأيوبي قدسنا العربية، ومن هنا قاد الحسيني ثورته ضدّ المغتصبين، وهنا سنبقى.
سنبقى في جبل الزيتون، سنبقى في جبل المشارف وغيرهما من الجبال الشاهدة على مجد القدس، سنبقى في عيونها وآبارها وأبوابها وهضابها ووديانها وأسوارها وحاراتها وأسواقها الأصيلة نروي معا هذا المجد ونخرج شبحا لليهود، سنبقى في البلدة القديمة نقيم الصلاة. سنبقى مع الصنوبر والجوز والزيتون نبوح بما تحفظه مذكراتنا التي أفلتت بذكرياتنا من أيدي المخربين عبر التاريخ. وحدها المذكّرات والذكريات الشريفة لا يمكن ليد الشرّ أن تردمها في أعماق الخراب، إنها لتنمو وتنبع حتى من بقايا الحطام والرماد لتنشر أغصانها على الحياة، إنها لتتفجّر كالينبوع الذي يستسقي منه أجيال وأجيال وإنها لتنبعث كما ينبعث النصر من دم محارب والثورة من قلب مجاهد والحريّة من أشلاء شهيد.
سنبقى مع نسمة التاريخ التي تجول أروقتها وتحطّ على قبابها، نجوب بئر أيوب وعين سلوان وبرج القلعة وكنيسة القيامة ونقبّل جبين آثار الأنبياء، ونفخر بما أنجزه المناضلون وما ينجزونه ونرتشف مع الأرض كأس الحريّة من دمائنا لتبقى القدس عربية أبيّة لا تلوّثها أقدام الصهاينة، إننا هنا باقون مع نسمة التاريخ المسافرة في روعة باب دمشق وباب الأسباط ونموره وباب الخليل المتّكئ على ثوب شارع يافا، وإذا ما حلّ نيسان أخذت تشارك المقدسيين احتفالات موسم النبي موسى ثم انطلقت لتزور ضريح السيدة مريم عليها السلام هناك في وادي الجوز. إنّنا هنا باقون، فلكم أوراقكم، أمّا نحن فلنا فلسطيننا وقدسنا، لكم أوراقكم وأوهامكم، أمّا هذه ففلسطيننا وقدسنا فتبّت أوراقكم.

mercredi 13 décembre 2017

وآفة الحبّ يا قدس الخذلان

بقلم: حياة بن بادة




هنا أنا، أقف بين حروفي المبعثَرة يا قدس، لا أجد من يلملمها وما يلملمها، كلّ حروفي من هنا تشتّتت كما تتشتّت وعود العرب وأحلامهم وأجسادهم وأوطانهم. كلّ حروفي هنا خائرة كما خارت قوّة العرب والمسلمين ووحدتهم وعزيمتهم، كلّ حروفي هنا ضائعة كما ضاع إيمان العرب والمسلمين ويقينهم وكلّ حروفي متلاشية كما تلاشت كرامتهم. هنا أنا، أجدني جسدا ضعيفا واهنا، لا أكاد ألتقط نفسي من وحل الفواجع وأحملها عليّ، أحول بين قلبي وقلمي، هذا الذي يخشى أن يكتب اليوم فيك وإليك، هذا الذي لا يستقرّ عند كلمة إلّا وقد نزفت دموعي من مآقيه ومشاعري من ثغره وثورتي من مجراه.
هنا أنا أحملك في صدري حبّا وفي روحي عشقا لا زال يتردّد على دار الخذلان ويرتاد أرض الخيبة ليخيّب ظنّك. هنا أنا يا قدس، أتسمّر بحبّي في هذا المكان، أحمل بين يديّ كوفيّة رماديّة ينام فيها قلبي، أتسمّر بالوضعية نفسها التي يكتسي بها هيكل رجل جاث على ركبته يطلب يد حبيبته للزواج، لا لأطلب يدك الطاهرة التي عذّبناها منذ زمن بالتخاذل والإهمال، وانشغلنا عنها بالمال والأعمال ولكن لأقبّلها وأشمّها، لتلامس عبراتي وشهقتي ولأسألك يا سيّدتي الغفران، فأنت من أترعتني حبّا لكلّ ما فيك، وآفة الحبّ يا حبيبتي الخذلان. فلتغفري ولتصفحي بالله عليك.  
قلمي اليوم يا قدس يا عاصمة فلسطين الأبديّة يعاني من إمساك نفسي حاد ومزمن، ويرتجف في يديّ، إنّه لا يستطيع التركيز في خرائط الأوراق ولا يكاد يلبث في ورقة واحدة، كيف لا وفي كلّ مرّة نبيعك بورقة، ونقسّمك بورقة ونجرّح فؤادك بورقة ونشمّت آمالك وآمالنا معا بورقة ونكسر أنفنا بورقة ولا زلنا نواسيك وننصرك بورقة فنكسر قلبك بها، ألا تبّت أوراقهم وأوراقنا. بالله عليك يا حبيبتي اغفري، ولتصفحي.
يا سيّدتي قيل "ثمّة خذلان لا يكفيه أسف"، وأعلم أنّ كلمة آسف لا تكفيك، أعلم أنّها لا تدفّيك، أعلم أنها لا تمسح ما يضنيك، وأعلم أنّها لا تجفّف مآقيك، ولو كانت تفعل لداوت جراح قلبي أنا وأزالت ما يقاسيه من ضنى. يا سيّدتي خذلناك ونخذلك وسنخذلك، فحكّامنا ومنتخبونا مصابون بداء الاحتيال العاطفي ووباء الوعد الكاذب الذي يستدرجوننا بفضله إلى فخّ حبّ الوطن الآمن والعيش الكريم، ونحن أسرى معتقلاتهم تارة وسجناء هوّنا وتهاوننا تارة أخرى، نحن ذاك الشعب الذي غطّى بتثاؤبه سماه، وا أسفاه.
ونحن إذ نبكي عليك لا نبكي إلّا على عجزنا. نبكي على عجزنا يا قدس وأيّ عجز هو عجزنا! عاجزون عن قول "لا" وعاجزون عن مقاطعة الأعداء والاتحّاد لأجلك ولأجلنا، عاجزون حتى عن تتبّع أخبارك في نشرات الأخبار ولهذا نبكي ونبكي كالرضّع على عجزنا، عاجزون أن نحبّك بإخلاص وصدق، عاجزون أن نهتمّ بك دون تقطّع، عاجزون أن نحبّك دون خوف من الموت وبقاياه، عاجزون أن نحبّك بقوّة وأن نصونك بالعطاء.
خذلناك عندما رضخنا للصمت وخضعنا للخوف والجهل، خذلناك عندما سلّمنا أنفسنا للكسل، خذلناك حينما أذعنّا للنسيان، خذلناك حيثما امتدّ صوتك وحيثما كان، خذلناك لحظة الملل، خذلناك حتى بالأمل، وكم تخدّرنا وسكرنا بالأمل حتى أعييناه وأعييناك. خذلناك بتعليمنا وأخلاقنا وعلاقاتنا، خذلناك وما فتئ الخذلان سيّدتي يمشي في عروقنا وتناسينا وصايا تعلّمناها منذ الطفولة، تناسينا مثلا أنّ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله. ظلمناك وخذلناك حقّا. ألا فلتغفري.
سنخرج اليوم بحبّنا في عشرات المدن نحمل عشرات الشعارات، سنخرج لنتظاهر بأنّنا لم ننس ولن نصمت وسننصرك، سنخرج ليلا ونهارا، نغضب ثلاثة أيّام ولا نتكلّم إلّا رمزا، نغضب أسبوعا وشهرا ثم نسمع للشيطان همزا ونعود، نعود لبيوتنا الدافئة وأمننا الكاذب وسلامنا المزيّف لنمارس فنون الخذلان من جديد، لنعيش حياة العبيد، لنُنفى إلى الجوع ونقدَّم قرابين للروع في أوطاننا، فهذا ما نريد.
يا قدس أ تذكرين يوم تجوّلت فيك قبل أربع سنوات؟ لم أدخلك من باب الأسباط المقوّس ولا من باب حطّة العتيق ولا من باب الساهرة الكريم، لم أدخلك من أبوابك العريقة ولم أقتنِ لوالدي قمبازا من سوق الخواجات ولم أقتنِ لنفسي كوفيّة لأملأ بها صدري أو لألحّف بها وجهي كما يفعل المناضلون الثائرون بالحجارة ولم أمرّ بسوق العطارين لأتداوى بأعشابه، لم تأخذني رجلاي صوب قرية المالحة الجميلة ولم تحملني إلى عين كارم الخضراء لأتوقف وأسمع ما يرويه الناس عن الحسيني أو ما ترويه الجدّات عن حطّين، حتّى أنّني لم أشاهد يومها كنيسة مريم المجدلية الخلّابة ولم أسمع أجراسها. لا ولم  أسلّم على رابعة العدويّة هناك بجبل الزيتون وقد كنت أتمنّى لو قمت بكلّ هذا، لكنّ زمن الرحلة كان ضيّقا لا يتعدّى بضع لحظات.
 كلّ ما فعلته هو التجوّل في شارع من شوارع البلدة القديمة العتيقة بعد العصر، حيث شاهدت الأطفال يلعبون في سلام تام، وشمالا ظهرت قبّة الصخرة  بالمسجد الأقصى أمامي كأنّي بها لم تتألم يوما ولم تعرف الحزن يوما ولم تشهد الأسى يوما، وكنت كلّما خطوت خطوة كلّما اتّسع نور الأقصى. يومها والله لم يكن فيك صهيونيّ واحد وكانت دروبك مشّجرة وشمس أصيلك في غاية الجمال. ويا ليتني ما استيقظت لأتفاجأ أنّنا التقينا في الحلم، نعم يا سيّدتي، في الحلم كان لقاؤنا، ولربّما كانت هي رغبة مكبوتة تلك التي جمعتنا لكنني رأيتك بوضوح وللّحظة لم أنساك.
مع هذا الخذلان يا حبيبتي والتخاذل المستمر الذي يصبّه عليك العالم أتساءل إن كنت سأطلّ عليك من جبل الزيتون يوما ما وإن كنت سأصلي في المسجد الأقصى، وإن كنت سأجوب حارات البلدة القديمة وأبوابها وإن كنت سأنصت لقصص النضال يرويها شيوخ أحيائها، وإن كنت سأحظى بتذوّق حلوى "المطبّق الفلسطيني" من أيادي المقدسيّات ونضحك من أعماقنا، وإن كنت سأرتدي ذلك الزيّ المقدسي الجميل الذي يحوي خارطة تاريخ القدس العربيّة مطرّزا بألوان الفرح لا بألوان الحزن وإن كنت سأرى قدسنا باسمة فأبتسم.