بقلم حياة بن بادة
صارت تصريحات السديس أشبه
بكتاب الأغاني لصاحبه الأصفهاني مترعة بالتضليل ومنمّقة بالسجع لكن "الثقيل"،
وتحوّل السديس من إمام إلى وزير خارجية مكلّف
بشؤون الفتن ما ظهر منها وما بطن، بل تحول عبد الرحمان إلى عبد سلمان في زمن صرنا
نرى فيه مشايخ يظهرون مبدأ الخروج عن الله ولا الخروج عن الحاكم وصار فيه هدى
أمريكا هو الهدى و"العياذ بالله"، كيف لا والسديس وما أدراك ما السديس،
إمام الحرمين الذي يصلي خلفه الملايين من مختلف بقاع العالم، ذاك الذي يتلو قوله
تعالى "ومن أحسن قولا
ممّن دعا إلى الله وعمل صالحا" وقوله تعالى "
فلمّا نسوا ما ذكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كلِّ شيء حتّى إِذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم
بغتة فإذا هم مبلسون" وقوله تعالى "أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم
وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون" وقوله تعالى "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"،
السديس وما أدراك ما السديس ذاك الرجل الذي رزقه الله تلاوة القرآن بأعذب صوت
لطالما اقشعرّت له الأبدان، يا حسرة! ذلك الرجل الذي كنت كلما سمعته يدعو ويبكي
اعتقدت أنه يبكي على ضعفه أمام جور ملوكه والذي عليه أن يبكي من اليوم فصاعدا على حاله
وما آل إليه من طغيان، فقد جنى عليه مركزه.
ما من شيء يبتلى فيه الناس
كأن يتحوّل الإمام إلى آلة تترجم ما يأمر به الساسة، فهذا خطيب حوّل خطبة الجمعة
إلى درس في العلوم الطبيعية يعدّد فيه فوائد الشجرة وذاك خطيب يحدّثنا عن واجب
الانتخاب وآخر عن محاسن الرئيس في الوقت الذي كان عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر الذي أغرق المجتمعات، وآخر "كبّرها وزوّدها" بتصريح يمدح فيه
سياسة أمريكا التي يسخط عليها أمريكيون، ما من شيء أصعب من أن يفتقر الناس إلى إمام
صالح النفس مصلح المجتمع يكون مرجعا لهم. إنّنا لسنا بحاجة إلى شياطين خرس ولسنا
بحاجة فقط إلى أشخاص صالحين وإن كنّا نشهد عصرا غزير الطالحين قليل الصالحين،
إنّنا بحاجة إلى أشخاص صالحين مصلحين، فالصلاح بدون إصلاح كأنبوب تغذية وريدية خال
من أي محلول، موصول بمجرى دم مريض يواجه الموت، "وما
كان ربّك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون".
قبل سنوات روى لي أحدهم قصّة عن
السديس بكلّ فخر، قال لي إن أمّ السديس دعت عليه عندما كان طفلا قائلة:
"اذهب، جعلك الله إماما للحرمين"، قال لي إنّ السديس كان يلعب ويرمي
التراب على طعام أعدّته أمه لضيوف والده فأفجعها بصنيعه، وما أعجبه من دعاء، دعاء
بحدّين، دعاء بوجهين، دعاء سبّب النزال بين حرفين، ولست أدري إن كانت دعت له أم
عليه لأنّني اليوم أدركت جيّدا ماذا يعني أن تكون إمام الحرمين في عهد يقود فيه
ترامب وسلمان العالم إلى السلام وبرّ الأمان.
تعبير الدعاء أحيانا كتعبير
الأحلام، ففي تفسير الأحلام يشترط معرفة حال الرائي لأن حلما واحد قد يعبّر
بطريقتين وهذا يذكرني بقصة حدثت مع ابن سيرين إذ دخل عليه رجل قال: رأيت
في المنام كأني أؤذن فقال له تحج. ثم دخل عليه آخر
فقال: رأيت كأنّي أؤذن، فقال: تقطع يدك. سئل ابن سيرين كيف فرّق بينهما، قال: رأيت
للأول سيما حسنة فأوّلت بقوله تعالى: وأذّن في الناس بالحج، ورأيت للثاني سيما غير
صالحة، فأوّلت: ثم أذّن مؤذّن أيّتها
العير إنّكم لسارقون. وعليه
بما أنّي ولدت في زمن خرافي تقود فيه أمريكا والسعودية العالم ويتحوّل فيه إمام
الحرمين إلى "بان كي مون" صار في اعتقادي أنه من حقّي أن أتبنّى أنا
بدوري الخرافات وأقول إنّ لحال الداعي تأثير على الدعاء كذلك، فما يحدث لإمام
الحرمين لا يبشّر بخير. نعم، أدركت جيّدا الوجه الآخر لـ "اذهب، جعلك الله
إماما للحرمين" حين يمزج بالغضب وذاك حال الداعي.
أن تكون إمام الحرمين حسب ما
استوحيته من تجربة السديس في مدينة ترامب وسلمان يعني أن تكون ناطقا رسميا مكلّفا
بشؤون التملّق الخارق للعادة. أن تكون إمام الحرمين حسب السديس يعني أن تتورّط في
طاعة الملك العمياء وأن تنحرف عن قول المعروف والنهي عن المنكر. أن تكون إمام
الحرمين حسب السديس يعني أن تنتقل من عالم الدين إلى عالم السياسة بتفويض من قادة
السلام والأمن العالميين. أن تكون إمام الحرمين حسب السديس يعني أن تثير سخط وخيبة
الناس المخدوعين فيك من شتى أنحاء العالم، أن تكون إمام الحرمين حسب تجربة السديس
يعني أن تنصاع لأمر الحاكم أو أن تسجن، يعني ألّا تنصر المظلوم ففي نصرته انشغال
عن الدعوة إلى الله أو أن تتدخّل في السياسة بشدّة وتبارك انقلاب السيسي وتدعو على
المتهمين بالإرهاب وتؤيّد حصار قطر وتعتقل الأبرياء وتحرم الناس من الحج وتبارك
جهود السعودية الغريبة في استرجاع الأقصى وتأكل غلّة المقدسيين وتشرب دماءهم. أن
تكون إمام الحرمين حسب تجربة السديس يعني أن تصمت عن الحقّ وتؤيّد الباطل وتجعل
الكثيرين يتمنون تحريم الصلاة خلفك على أنفسهم. أن تكون هذا الإمام يعني أن تفسد
الوليمة على الشعوب العربية المتناثرة آمالها هنا وهناك بسبب من يقودان
العالم والإنسانية إلى مرافئ الأمن والسلام والاستقرار والازدهار، يا سلام.
مسكينة هي الإنسانية يا سديس، مسكينة بمعنى الكلمة
تلك الإنسانية التي دفنتها أمريكا في الشرق الأوسط وإفريقيا وكبّلتها في سائر
أنحاء العالم، مسكينة تلك الإنسانية التي تعذّب في السجون وتجوّع في الصحاري وتقتّل
بأسلحة الدمار، مسكينة تلك الإنسانية التي كسرت ظهرها أفلام "الويسترن" ويسخّر
لعيونها السوداء صفقة 350 مليار دولار من الأسلحة. ويا له من ازدهار ذاك الذي
يقوده بلد رئيسه يكفيه أنّه عدوّ الإنسان، زير النساء ومصدّر الخمور والسلاح،
تاريخه مختوم بوصمات العار، مهاجر يكره المهاجرين والمسلمين والأفارقة والملوّنين،
ويا له من سلام ذاك الذي تقمع به السعودية الحريّات وتكمّم به الأفواه وتستعبد به
الخلق وتنصر به الظلم وتتعدّى به حدود الخالق؟ لا سلام ولا أمن ولا استقرار ولا
ازدهار، فلن تقودوا العالم إلّا للدمار، فأنتم تخادعون أنفسكم ولا تشعرون، مفسدون
ولكن لا تشعرون، سفهاء ولكن لا تعلمون وهالكون لا محال.
يوما ما سيستجيب الله يا سديس وسيدمّر الإرهاب ومموّليه
وسينقلب كلّ دعاء على الداعي وكلّ سحر على الساحر ويظهر الحقّ ويزهق الباطل.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire