lundi 4 décembre 2017

لن أربّي أطفالي على طيور الجنّة وأخواتها

 بقلم: حياة بن بادة




أن أصنع وجبات من الأفكار غنيّة بالفيتامينات تغذّي طفلي وتقوّيه على الحياة خير لي من التصفيق له حين يرقص، يكفيه من الرقصات تلك التي ستلقّنه إياها الحياة، ستطلّ عليه بالمفاجآت وستعلّمه رقصة الزومبا في عشريناته والتانغو إذا شاخ قلبه، ستجهده وستفقده وزنه، لكنّ عمره لن يضيع لأنّي لن أختار له حياة الألم وسأعلّمه أنّ الحياة شدائد، والشدائد تصنع العظماء.
قرأت في موقع عن الطفل راهول ذي 12 سنة حاز على لقب الطفل العبقري لعام 2017 في بريطانيا يتمنّى أن يكون مستشارا ماليّا في المستقبل، وقرأت قصة جيريمي شولر ذي 12 سنة، أصغر طالب جامعي بكورنيل، يقول:"أريد التعلّم"، فخجلت من نفسي. وعلى الرغم من مستوى أبويه العلميّ المتقدم فقد ذكر الموقع أن أمّه الحاصلة على شهادة الدكتوراه في هندسة الطيران علّقت حياتها المهنية من أجل تعليمه، ونحن نعلّق أطفالنا وأرحامنا من أجل عمل يكاد يكون بلا قيمة في مجتمع يتدنّى أخلاقيا وعلميا وماديا يوما بعد يوم.
 إنّي أغار، أغار حين أسمع عن إنجازات طفل وعبقريته كأني أنجبت وفشلت في التربية، وأغبط والديه كثيرا وأحمد الله كذلك أني لم أتزوج بعد، علّني أستفيد من تجارب السابقين، وإنّي لأخشى التربية العقيمة، فالعقم هو أن تربّي العجز في طفل وقد أنعم الله عليه بالسلامة.
في الماضي كان الطفل يرتحل لطلب العلم واليوم نرتحل به لحضور حفل غنائي صاخب أو لتعليمه التعرّي عند شاطئ البحر أو لطبيب نفسي!. اليوم صارت أمّ الطفل طيور الجنّة وأخواتها وبيت الطفل الحضانة ويكاد يكون أطفال حيّ واحد إخوة في الرضاعة. أمّا أنا فلن أربّي أطفالي على طيور الجنّة وأخواتها بإذن الله ولن أخلّفهم في دور الحضانة حيث يفرشون لهم البطانيات على الأرض ليستأنفوا نومهم أو لينوّموا كما يحدث لأطفال حيّنا، أو يفرشون على ظهورهم العصا ليرتاحوا من بكائهم على سعادة سفيرة الحنان والنوايا الحسنة الأم الكريمة التي تخرج يوميا من أجل أن تضع في جيب المربيّة نصف الراتب، وأنا لا أقصد هنا الأّم التي تدفعها الظروف القاهرة لمغادرة أطفالها عند الجدّة ولا أقصد الأمّ التي تسهم في الارتقاء بالمجتمع العربي الذي لم يرتق، بل أقصد أّمّهات يهمن يوميا في الشوارع والأسواق ومقرّات البطالة المقنّعة وما أكثرهنّ. أمّا أنا فمهما كانت شهاداتي وإنجازاتي فلن تخلف طيور الجنّة وأخواتها مكاني ولن أخلّفهم عند أمّي ولا عند جاراتي، فأنا لا أثق إلّا في نفسي عندما أحمل حبّا وأمانة ما ثمّ في شريكي الذي سيحاسب معي عليهما، حسابا قد يسوقنا إلى الدمار أو الجنون أو الاختلال أو النار.
ما قيمة الشهادات التي أحملها والتعليم الذي حظيت به والمواهب التي أنعمها الله عليّ إن لم تنفق في تربية صالحة مُصلِحة؟ ما قيمة كلّ سنوات الأخذ من عمري إن لم تنفق في عطاء ثري لمن أحبّ؟ ما قيمة الدنيا حين أضع طفلي، أبو الإنسان وما أدراك ما أبو الإنسان مثلما سمّاه شكسبير في درج شأنه في ذلك شأن أداة. وما قيمتي أنا إن صدّرت للمجتمع المجرمين أو الراكدين والسلبيين والطالحين والحمقى؟
ليس هنالك أجمل من امرأة ورجل، كوّن كلّ واحد منهما نفسه ليؤسّسا معا بيتا دافئا يقوم على المودّة والرحمة ويستعدّا لاستقبال وطن صالح من الأطفال هيّآ له جميع الظروف المناسبة للعيش وجوّا مفعما بالسلام والاحتواء والاطمئنان والأمان، فيقوم هذا الوطن بدوره باحتوائهم على مدى العمر وفي القبر. ليس هنالك أجمل من أمّ وأب يعدّان رجالا ونساء لله، وكما قال مايكل لوفين:"أن يكون عندك أطفال لا يجعل منك أبا، تماما كأن يكون عندك بيانو لا يجعل منك موسيقارا". وليس هنالك أجمل من طفل إيجابي أنجز ما لم يفلح فيه الكبار، ليس هنالك أجمل من طفل يرتّل القرآن بصوت بريء حتى قبل أن يفطم، معطّر فمه بالذكر، مدوّر وجهه بنور يفوق نور البراءة المطبوع فيه، أليس هذا أعظم من قنابل الشتم التي يفجّرها ليضحك الجميع؟!
سأعلّمه وسأسخّر له من يعلّمه، سأعلّمه حبّ الله وسأحفّظه القرآن وسيقتدي به، سأعلّمه أن يقرأ أمهات الكتب، وسأعلّمه مختلف العلوم واللغات والأدب ولن أقصي لا الموسيقى ولا الرياضة من حياته، سأربّيه كما أريد وباقتناعي أنا، وسأجعله يتذوق فنون الكتابة والرسم ويتقنها وسأعلّمه أن يكون رحيما وذكيّا انفعاليا وسأغرس فيه القوّة والحياة ولن تكون المدرسة سوى واجب إضافي عليه القيام به، "فالطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم" كما قال جورج سانتايانا، كيف لا وأنا من يعارض بشدة أن يكون في الثانوية مثلا فرع أدبي وآخر علمي؟ ما أجمل أن تجتمع كلّ العلوم في فرع واحد وتكون إجبارية على كل التلاميذ وتبقى قضية التخصص للجامعة. وما أقبح أن يتعلّم الطفل علوما ويقصي أخرى فيتكاسل، ما أجمل أن يعلّم الطفل كلّ شيء بحبّ وأن يتعلّم كلّ شيء بإتقان، وما أقبح أن يرهّب الطفل من كلّ شيء. سأعلّم طفلي أن الانترنت والتلفاز شيء واحد يكبر بهما وبكل أصناف التكنولوجيا التي من حوله كي لا يتفاجأ بها عند الكبر، فينصرف إليها مهملا واجباته في الحياة وسأحميه وأعلّمه كيف يحمي نفسه. سأعلّمه أن ذلك العقل بحجم المجرّة وعليه استغلاله، وسيكون عليه تأليف كتيّب لكل رحلاتنا يحيط فيها بجميع جوانب الرحلة، ولن أحرمه من اللعب ولا من الرسوم المتحركة لكن بمقدار، وسأجعله يستفيد من كلّ هذا بطريقة تقدمه لا تؤخره. سأعلّمه أن الحياة جميلة بالطريقة التي يعيشها، سأخبره أنه بطلها وسأصغر لأنمو معه وسيجدني مرجعا في كل لحظة لكنّني لن أعلّمه الاتّكال على البشر ولن أحرمه منّي إلّا بالموت.
مغرمة أنا بأشخاص عاديين لكنهم مذهلون، مغرمة أنا بالطريقة التي تعلّم بها بنجامين كارسون، أوّل جراح نجح في إجراء عملية لفصل توأم ملتصق، مغرمة أنا بعلي عزت بيغوفيتش الذي نهل من دينه ما نهل ومن العلم ما نهل وجاد بالأخلاق. مغرمة أنا بالماضي وتربيته، مغرمة أشدّ الغرام بابن سينا الذي حفظ القرآن كاملا قبل بلوغه العاشرة ونبغ في الفقه والأدب والفلسفة والطبّ، مغرمة أنا بالبيروني وابن حيّان والرّازي، مغرمة أنا بابن النّفيس ومغرمة قبلهم بعمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي، مغرمة بهم أنا فكيف لا أحلم بنسخ مكرّرة؟.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire