jeudi 11 janvier 2018

سيلفي مع الخير

بقلم: حياة بن بادة




يقول المثل: "اصنع جميلا وارمه في البحر، فإذا تجاهله السمك فإنّ الله يحفظه"، فما أجمل أن يصنع المرء جميلا والأجمل أن يحفظه الله، وهو القائل عزّ وجلّ "وما تفعلوا من خير يعلمه الله"، وما أكثر القصص التي رويت لنا عن فعل الخير بل حتى تلك التي نشهدها في مجتمعاتنا والتي أحسن فيها الناس فعل الخير بحقّ، وقد حثّنا الله على فعل الخير وبشّرنا بالأجر بقوله "وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون" فالخير واحد من طرق الفلاح الذي هو بساط الجنّة، ويأخذ أشكالا متنوعة، فقد يأتي في شكل مال أو طعام أو صلاح أو إصلاح أو غيرهم.
 ولا تخفى قيمة وأجر الصدقة والزكاة مثلا ومرتبتها عند الله على أحد وهو ما ورد بكثرة في القرآن والحديث، إذ أُمِر المؤمن بالإنفاق سرّا وعلنا لقوله تعالى "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا ممّا رزقناهم سرّا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال" ووعدنا بمضاعفة الأجر في العديد من الآيات، فشبّه الإنفاق بحبّة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء، فقد ننفق مالا وقد ننفق طعاما وقد ننفق عِلما وقد ننفق عطفا أو حبّا أو خدمة أو وقتا أو كلمة حسنة وقد ننصر مظلوما وغيرها. أليس الخير أيضا أن نطالب بإنصاف المظلومين في كلّ مكان من هذا العالم المتآكل صبحه بالثورات والحروب؟
 لكنّ شارعنا صاغ عبارة بليغة لوصف الخير العاري الذي أصبح موضة  تعتمد على نظام تشغيل خاص يحوّل الخير إلى تطبيق على الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي مهمته الترويج لصاحبه تقول "افعل الخير والتقط صورة معه" معبرا بذلك عن أولئك الذين ينفقون لأجل أن يذيع صيتهم بين الناس، فتجدهم ينطلقون من المساجد وصولا إلى شاشة التلفاز يمجّدون أعمالهم.
المشكلة أنّ صنّاع الخير وسفراءه منتشرون في كلّ مكان في هذا العالم وبأعداد كثيرة لكنّ العالم في تدهور مستمر ولم يكد الجوع والفقر يغادراه وبقي الظلم متشبّثا بردائه، أينما تولّي وجهك تجدهم وتجد حولهم المساكين، ويبدو أن المساكين صاروا مصدر كسب العديد من المنظمات والأفراد، لم يكفيهم هموم الحياة ولوعة الحزن ووخز الألم فإذا بهم يجدون أنفسهم مرّة يشاركون في البرامج والحصص لقاء إطعامهم وعلاجهم بل وتزويجهم تحت الكاميرا، ومرّة أخرى في وسائل التواصل الاجتماعي بصورهم المؤثرة ودموعهم المنهمرة يناشدون العالم الإعجاب بالصفحات ومشاركة صورهم كي يصل صيت الصفحات إلى مشارق الأرض ومغاربها ولكي يبلغ عدد المعجبين والمعلقين والمتابعين والمشاركين المليون، حاشى المحسنين الصادقين المخلصين لله. فمن ذا يحفظ ماء وجه المساكين؟ من ذا يحفظ لهم كرامتهم؟ وعلى حدّ قول ديدرو "لا يكفي أن تعمل خيرا بل يجب أن تحسن عمل الخير"، فأين هو الإحسان هنا؟
الكثيرون يستغلون ضعف البشر لخدمة مصالحهم وحبّا في أنفسهم وقليلون هم أولئك الذين يجهرون بالخير حبّا في الخير، قليلون هم أولئك الذين يفعلون الخير ويرسلونه إلى السماء، قليلون هم أولئك الذين يفعلون الخير ابتغاء وجه الله وإخلاصا له، بل هناك من ينفق مالا حراما ابتغاء وجه الشاشات والإعلام وتجده يذكره في كلّ مجلس، كأنّه لم يقرأ قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر" وكأنه لم يسمع أنّ من بين أولئك الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلّا ظلّه رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمنيه. لا بل تجده يعنّف أهله ويحرمهم من خيره ثمّ يخرج للمساجد فيتصدّق أمام المصلّين لبناء مسجد جديد ويخرج إلى الشوارع منفقا ليقال جواد ولترتفع مكانته في أعين الناس بينما أهله بحاجة ماسّة إلى إحسانه، سرّه خبيث وظاهره حسن كأنّه لم يقرأ "يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإنّ الله به عليم".
ليس هنالك أجمل من توجيه ربّاني يخاطبنا "إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم" وما أنقى نصيحة أجدادنا التي لا زالت حاضرة بيننا تهمس في قلوبنا وتنقش فينا برفق عبارة (افعل الخير وانساه وإذا قمت بشرّ فتذكره)، خيرا يذهب في طيّ النسيان وشرّا لا يذهب وخزه إلّا بسؤال الله غفرانا يمحو العصيان.
الكثير من صور "السيلفي" هذا أساسها الترويج لأصحابها وسرد بطولاتهم، فتجدهم أشبه بالوحوش، داخلهم كره وكذب وعنصرية ويتحدثون باسم الإنسانية، هذه الأخيرة التي أصبحت عبارة عن "بريستيج" لدى طائفة من الناس حول العالم وموضة تعبّر عن الفرد المثقّف والمتفتّح الذي يخفي الخبث في سرّه، حتى أنّ العديد من المسلمين أضحوا يخجلون من استعمال عبارة "في وجه الله" واستبدلوها بكلمة الإنسانية وجلّهم حقّا لا يهمّهم وجه الله ولا وجه الإنسان بل يهمّهم وجه الإعلام، فهل سيجني لهم رياءهم هذا خيرا؟
الجواب: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا"
فلنتأمّل.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire