mercredi 24 janvier 2018

برقيّة حبّ وعتْب

بقلم: حياة بن بادة




منشغل أنت عنّي كانشغال الثريا في عنقودها عن الدبران، أتبع خيالك ووهمك في كلّ مكان، ولا زلت أشرق وأغرب بعدك. المسافة بيننا صارت تقاس بالسنة الضوئيّة وبالثانية القوسيّة ولا أزال هنا أنتظرك، كأنّ لا حياة بعدك. هل سمعت يوما بالدبران؟ هل سمعت يوما بعملاق أحمر أكبر من الشمس؟ تلك الشمس التي لطالما وصفتك بها! بالطريقة نفسها التي تكوّن بها الدبران تكوّن حبّي لك! سأخبرك كيف يحدث تفاعل ألفا الثلاثي في داخلي وكيف أعيش بالحرمان والخذلان والألم وكيف أنّ هذا القلب لا يقاوم الحمّى وكيف أنّه بالحمّى استطاع أن يكمل تطوّره ويمدّد حجمه إلى ما وراء الشمس، ولا زلت لا تسمع له الجهر والهمس، فيا حسرة!
سيفتّشون عنك هنا وخارج درب اللبّانة وسيحاولون الكشف عنك في كلّ ركن منّي. وكما كنّا نحاول الكشف في تجارب العلوم عن الدسم سيبذلون قصار جهدهم للكشف عن الاسم، ومثلما كنّا نحكّ المادة على ورقة بيضاء، سيحاولون اغتصاب أوراقي العذراء. في كلّ يوم يا سيّدي يظهر أشخاص روتينيون يحكّون عيونهم في أوراقنا، ليس للكشف عن الدسم وإنّما الاسم، لكنّ هذه الطريقة التقليدية لن تجدي نفعا، فالكشف عن اسمك يحتاج إلى كاشف أحمر سودان ثالث، مسمّم ومسرطن، والجبناء بحاجة لأن يستخدموا الخل والملح ويتحنّطوا تفاديا لمضاعفاته كمومياء، وها أنا قد رفعت سطوري بالفلك وكهربتها بالفيزياء وسمّمتها بالكيمياء. بهذا الشكل ستبدو لهم كلّ سطوري جافّة، وسيعرفونك إن طاردوها إلى الحافّة.
منشغل أنت عنّي كطبيب مقيم في أسى السنوات، خلّف كتبا أدبية في غرفة شرقيّة وغادر الفلك والرسم ليختصّ في الجراحات، فجرح قلبها بملقط غربيّ. منشغل أنت كعلماء الفلك، كمريض نفسي أرهقه القلق، كقلب أصابه الأرق فلم يشهد في حياته الفلق. منشغل أنت في التاريخ وذائب في ماضيك، ومع ذلك تأبى قراءة نصّ أدبي، كتبته بحرف عربيّ. أناني أنت يا سيّدي وممتاز في شطف الأماني، لكن ألم يخبروك أنّ القلب الحديدي يأكله الصدأ كلّما تعرّض لقلب رطب؟ أكره أن تكفل دمعة لك الصدأ!
نسيتني كأنّني لم أكن، كأنّني أنا من رسم فيك ألوان الصيف وألقى بك في ممرّ الراحلين. نسيتني كأنّي ما كنت يوما فيك، كأنّني ما قرأت نصوصي عليك، نسيتني وتركتني فلّة بأحزان سبعة أرصد عودتك، وفي انتظاري بنيت أملا وفتحت نهايات متراصّة حتى صنّفت مع ذوي الاحتمالات الخاصة.
أدور كما الأرض حول نفسي يقابلني نجم الشمال، أسأله أن يعلّمني في أيّ اتجاه أنت. أنا الأرض كلّما غيّرت محوري كلّما تتبّعني لا ليفشي مكانك وإنّما ليشتّت فيّ خلايا الندم وليوجّه ناظري نحو مثلّث عائم في روحي بالخذلان والحرمان والألم، مثلّث كسديم عين القط لا يمكن رؤيته بالعين المجرّدة، لأجله قرأت لبطليموس. أنا الأرض التي كانت تعتقد أنّ لمعانها يفوق وهج الشعرى اليمانية وكوكب الزهرة والقمر والشمس. عرفت أخيرا أن كوكبة الجبّار نفسها لا يمكنها أن تحدّد اتجاهك فإلى أين تمضي بي؟ لم أكن أتصوّر يوما أنّك جرم ملكي لا كنت ملكك ولا كنت ملكي، فالأرض لم تخلق لتُظلَم وما كان بيننا مجرّد حادث غرور، كنت فيه ربّانا جدّ منحرف وشبه محترف فهويت. أنت يا سيّدي الشمس التي نتحت ضياءها خريفا، أتساءل أنا ما تفعل الأرض بقرص أسود؟ ربّما ستعلّم به الأطفال الحساب لكي لا يقعوا كما وقعت في حبّك. منكّد كيميائيا أنت، تحتاج لماء جافيل يبيّض قلبا فيك اسودّ لا يتقن غسل الأحوال ويفرض عليّ الفقر والحرمان، لا أكون فيه طيرا مهاجرا يصطاده النسيان.
أنا لست بطير ولست بخير! احتجت لقطرة من روحك فلم أجدها، احتجت لحضن منك أفلت، احتجت لأضمّ صدرك لأقوى، احتجت لأتكلم في رحابك فارتجفت وتكتّمت، احتجت لأن أكون فيك فلم أكن، احتجت لأن أحتجّ فيك فردعتني.
 كلّ الذين أحبّهم رسمتهم فيك، كنت ألقاهم جميعا في وجهك، وزّعتهم في كلّ الأركان والزوايا ولم أكن أعلم أنّي في وجهك أضيّع أجمل الهدايا. اعتقدت يومها أنّهم سيلمعون فيه كما يلمع نجم النسر الواقع في كوكبة القيتارة الصغيرة، لم أكن أعلم أنّك ستدوس قلوبهم الكبيرة. ويوما بعد يوم أكتشف فيك ملاجئ جديدة تشبه أورانوس الذي اكتشفه هيرشل، كلّها برد وجليد وصخور.
أعلم أنّك لا تقرأ ولهذا قرّرت من اليوم فصاعدا أن أقرأ لك من غربتي هذه، ومن ذا يقرأ تضاريس جدلية تغدو حزينة وتروح أشدّ حزنا، تتناوب عليها الآلام والمحن؟!
إنهم يتسلّلون إلى كتاباتي بصمت كلمّا اقتحمتها أنت بفوضى وكم أخبرتك أنّ هذا الليل الذي نعيشه مثلما تقول الجدّات "سمّاع" وهاهم قد سمعوا أني قلت لك إنّ الأوطان لا تقرأ، هي فقط تسمع فلو حدث وفزتَ بوطن أسمعه. أخاف أن يستمروا في إسماعك ما لا ترضاه وتواصل أنت اللعب على أوتاري بغضب وعنف وقسوة. كم تمنّيت لو كنت فيك كما أنت فيّ كم تمنيت لو فزتَ بي ولم تهجّرني. كتبتك وكتبت فيك لكن كتاباتي على عكس كتابات جاين أوستن لا تنتهي سعيدة، هي تموت كئيبة على ضفافك المسكينة وأرصفتك العارية وبرودتك القارصة وكم كنت أتمنى أن تكون لأجلك زهرة ساكورا تزهر ربيعا وتزهر بسرعة. كتبت إليك لكن كتاباتي ككتابات إدغار آلان بو لا تصل إلّا للقلوب المنكسرة.
أخاف ألّا نلتقي، فأنا لم أعد أطيق النكوص إليك عند كلّ خذلان لاشعوريا. يقال إنّ النكوص عند الطفل مؤشر على نموّه الطبيعي ويبدو أنّ حبّك ينمو بداخلي طبيعيا ولاشعوريا، لكنه يزيد من ألمي ويشعرني بالاغتراب يوميّا وأخاف أن نلتقي وأعيشه فيك مجدّدا.
ارفع رأسك للسماء معي قليلا، سأحدّثك عن سرّ قرأته في أساطير اليونان، قرأت أن الدبّ الأكبر الذي تشاهده الآن هو كاليستو الجميلة التي غارت منها جونو، فاضطّر جوبيتر لتحويلها إلى ما هي عليه وأن الدبّ الأصغر هو ابنها أركاس وأن جوبيتر لم يفعل فيهما ما فعل إلّا ليحميهما من بطش جونو. انظر كم جونو حولنا يا وطني، ألّا فلتكن حكيما كجوبيتر وتحمينا.
إنّي أكره قانون الكيمياء الذي فيه تكسر روابط لإحداث تفاعل وإنتاج روابط وبالتالي مواد جديدة، أريد أن أحتفظ بأصدقائي القدامى ورفاق السوء الأوفياء، لقد كانت أختي الكبرى دائما تقول لي إن تلك الكتب رفاق سوء بالنسبة لطفلة. ألا ليتك تردّني ورفاقي وروابطي يا وطني دون كسور.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire