lundi 24 septembre 2018

هل يمكن أن تكون للسرطان أسباب نفسيّة؟

بقلم: حياة بن بادة



استيقظت السيدة (س) مبكرا، يبدو أنّها لم تغف إلّا لسويعات، كانت تشكو من التعب كمن قضى ليلته في سباق الماراثون، لاحظت مؤخرا مجموعة تغيرات على ثديها، فمرّة تتلمس كتلة صغيرة ومرّة تراقب احمرارا وتارة تقشّرا، ويبدو أن حجمه فعلا تغيّر وكلما برزت الأعراض تفاقم القلق وازداد الأرق، لكنّه الألم ولا يبدو الأمر متعلقا بالوسواس! لن يجدي  زيت الزيتون نفعا ولا تلك المرطبات ستفي بالغرض وتداوي ذاك الطفح الجلدي. "صعب أن تعيش الألم وحيدا، فهناك كتلة أخرى محبوسة بالقلب؛ تجمّعت من الكلام المكتوم يكوّنه الخوف في شكل ضغط مزمن حلّه حجز موعد لدى الطبيب! الطبيب سيزيل الشكّ، مهلا! ماذا لو كان هو؛ المرض الخبيث، ماذا لو كان "السرطان"؟"هذا ما استطاعت أن تواسي أو تعزّي به نفسها!
نعم إنّه السرطان هذا ما أسفرت عنه أجهزة الكشف وأثبتته التحاليل الطبية والفحوصات المخبرية وشخّصه أطباؤها، لم يكن وسواسا ولم يكن شكّا، إنّه الحقيقة..
السيدة (س) ليست إلّا حالة من بين الملايين من الحالات عبر العالم التي تبدأ رحلتها مع السرطان بشتى أنواعه ودرجاته وتهديداته، فيدخل حياتها حدثا ضاغطا وقد نقلها من الحالة العادية إلى أخرى تدعى المرض، سوى أنه ليس كأيّ مرض في نظر الكثيرين، هو مرض يحمل معه هوية "السرطان"، هذا المرض "الصدمة" الذي يتصوّره البعض نهاية ما أن يبدأ!
يعرّفه الأطباء "طبيا" على أنّه مصطلح يجمع بين أنواع من الأمراض؛ يتميّز بنمو غير طبيعي للخلايا التي لها القدرة على الانقسام واختراق الأنسجة في الجسم وتدميرها وقد ينتشر فيه بصورة لا يمكن السيطرة عليها، ويعرّفه المريض "نفسيا" على أنّه حدث ضاغط وتحوّل سلبي للحياة يجب تقبله والتأقلم معه، وتارة موت لا داعي لمقاومته، وأخرى قدر لم يكن بالإمكان إيقافه، وأحيانا امتحان لا بدّ من تحدّيه، ولا زال البعض يتساءل ما إن كانت هنالك أسباب نفسية مسؤولة عن تفجيره وتطوّره.
السرطان بين النفس والجسد:
الحقيقة أنه لا وجود لرابط مباشر هنا بين النفس والجسد، بمعنى أنه لا يمكن القول بإمكانية تسبّب مشكلة نفسية بطريقة مباشرة في تفجير سرطان، لكن يوجد عوامل الخطر كالتدخين والتدخين السلبي والخمر والجنس غير الآمن التي قد تحفّز في العملية من خلال العادات الخاطئة التي يقع فيها الفرد من بينها ما ينتج فعلا عن مشكلات نفسية كالقلق والضغط المزمن والاكتئاب، بالإضافة إلى المعتقدات الصحية الخاطئة التي تتسبب في تفاقم المرض، كجرح يعالج باللامبالاة أو بطرق تقليدية خاطئة تؤدي إلى التهابات مزمنة تسهم هذه الأخيرة في انحراف أو تغير جيني، فضلا عمّا يحدثه المرض بحد ذاته من تغيرات نفسية تزيد من حدّة الألم لدى المريض نظرا لتركيزه على نفسيته وبالمقابل التغيرات الجسدية وتركيزه على صورة الجسد التي تؤثر سلبا على نفسيته فيصبح الوضع عبارة عن مدّ وجزر بين النفس والجسد منذ لحظة الإعلان عن التشخيص!
تسهم المشاعر والانفعالات السلبية كالغضب والكره والكبت وكظم الغيظ في تطوّر المرض وتعمل على زيادة هرمونات الإجهاد ما يؤثر سلبا على الجهاز المناعي ويضعفه خاصة وأنّه يؤدي دورا فعالا في مكافحة السرطان حسب مقال نشرته Wendy Myers  "الأسباب الانفعالية للسرطان" شرحت فيه علاقة الضغط بالسرطان، فالصدمة العاطفية على سبيل المثال تؤثر على النوم العميق وإنتاج الميلاتونين في الجسم والذي يعدّ ضروريا لمنع نمو الخلايا السرطانية وأساسيا في ضبط الجهاز المناعي. كما أن الضغط يكبح جهاز المناعة بسبب ارتفاع مستوى هرمونات الإجهاد كالكورتيزول، فاختبار الفرد لضغط عاطفي حاد ومطوّل يجعله منهكا مما يسبب إجهادا للغدة الدرقية والكظرية واستنفاذا لمستوى المعادن التي يحتاجها الجهاز المناعي للعمل، فضلا عن أن المستوى المرتفع لهرمون الإجهاد يسهم في استنفاد الأدرنالين بالجسم ما يسبب ارتفاعا للغلوكوز في الخلايا الطبيعية وهو يعمل أساسا على تحويله من الخلايا إلى طاقة للجسم؛ واستنفاده يؤدي إلى ارتفاع حاد لمستوى الغلوكوز في الخلايا، الأمر الذي لا يترك إلّا مجالا ضيقا للأوكسجين وهذا سبب من أسباب ضعف وخمول الكثير من مرضى السرطان. كما أوضحتWendy Myres  أنّ الضغط يحفّز نمو الخلايا وانتشارها بسبب ارتفاع نسبة هرمونات الإجهاد (النورإبينفرين والأدرينالين) التي تحفز خلايا الورم لإنتاج ثلاثة مركبات مسؤولة عن الانتشار.
كما لا بدّ من الإشارة إلى ما جاءت به الأبحاث حول علاقة نمط الشخصية بالمرض، فيمكن لأشخاص يشتركون في سمات الشخصية وخبرات الحياة أن يستجيبوا بأعراض متشابهة ويصابوا بمرض معيّن.
النمط السلوكي (C):
أظهرت العديد من الأبحاث التي أجريت حول مرضى السرطان وجود علاقة وطيدة بين الشخصية والمرض، حيث وجد الباحثون أن مجموعة من السمات في فئة معينة من الأشخاص تؤدي إلى مرض معيّن. فعلى سبيل المثال الأشخاص الذين يعانون من كبح انفعالاتهم وعدم القدرة على التعبير عنها رغم العواطف الجياشة التي يتمتعون بها هم أشخاص يعانون من الألم النفسي، فهم لا يعبرون عن غضبهم ويميلون للكبت والهدوء والعزلة رغم مشاعر الحبّ التي تميّزهم مما يسبب لهم الاكتئاب والضغط وما يعزز لديهم الإصابة بالسرطان. يتّسم أصحاب هذا النمط بالخضوع والشعور بالذنب واليأس والتقدير المنخفض للذات والكبت فضلا عن الصبر والقناعة واللطف. إنها شخصية تبدو في غاية الطيبة لكنّها مستهدفة للإصابة بالسرطان.
الألكسيثيميا Alexithymia:
تعدّ الألكسيثيميا اضطرابا جادا يؤدي إلى المرض السيكوسوماتي، كون المريض يعاني من الكبت وغير قادر على تكوين صور في خياله ولا عن التعبير عن انفعالاته نتيجة فقر في المشاعر يعبّر عنه جسديا، فالشكوى من المشاكل الصحية عنده لا تنتهي. وترتبط الألكسيثيميا بالألم المضاعف لدى مرضى السرطان وارتفاعها يجعل الاستجابة لبعض العلاجات سلبية؛ خاصة وأن آلامهم الجسدية عادة ما تكون نتيجة معاناتهم الانفعالية.
-تقول السيدة (س) في مجموعة الدعم المتبادل التي انضمت إليها بعد أن أدركت مرضها واقتنعت بضرورة المقاومة والتحدي إنّها تلقّت التشخيص كالصاعقة رغم أن الشكوك كانت متجهة نحو السرطان وقبل أن تصل إلى التعايش مع المرض الذي دفعها لمتابعة الدعم النفسي مرّت بمجموعة من المراحل يمكن تحديدها فيما يلي:
الإنكار: حالة الإنكار اللاشعوري معروفة لدى المرضى عند تلقيهم للتشخيص، فوقع الصدمة تمنع المريض من تصديق ما آل إليه وضعه وقد يعود لممارسة حياته بصورة يوحي فيها لنفسه أنّه على ما يرام ولا شيء ممّا شخّصه الأطباء صحيح، فالسيدة (س) قضت ما يقارب الأسبوع على هذا الحال وهي مقتنعة أنّ ما يحدث في ثديها مجرد طفح جلدي يحتاج مرطّبا فعّالا وعناية أكبر.
عدم التقبل: أدركت السيدة (س) أن ما تمرّ به من أزمة هو فعلا السرطان لكنها لم تكن قادرة على تقبله فلجأت إلى العلاج التقليدي والتداوي بالأعشاب ولم تستجب للعلاج الطبي، "نعم أنا مصابة بالسرطان، أعترف بذلك سوى أنّ العلاج الطبيعي سيقضي عليه". غير أن هذه العلاجات زادت الطين بلّة.
الحداد: مرّ أسبوعان وأنا على هذه الحالة تقول السيدة (س) صدّقت المصيبة وأيقنت أن تلك الأعشاب لن تفعل شيئا، نوعين من الألم عشتهما الأول كان يحدث على مستوى جسدي والأعمق كان يأكل نفسي، دخلت بعدها في فترة من العزلة والحزن الشديد والاكتئاب المختلط بالخوف والقلق والتوتر وعدم التحمل، صرت حسّاسة وهشّة، يتردّد عليّ قلق الموت والبكاء. إنّها نهاية الحياة، خوف عليّ وخوف على مصير أبنائي، ومع شدّة هذه الانفعالات السلبية كنت أحسّ بتفاقم في الألم بجسدي.
التقبل والعلاج:
بعد شهر من الحداد كان لا بدّ لي من المواجهة وتجديد حياتي بهذه الهوية فشرعت في العلاج النفسي أيضا، تأكدت أن الشفاء متوقف عليّ، فجلسات التفريغ الانفعالي مكّنتني من التعبير وتخفيف حدة القلق، قراءاتي حول مرضي وضحت لي الصورة، تقنيات العلاج المعرفي السلوكي أدّت دورا فعالا في تحسّني، ساعدتني في القضاء على أفكاري السلبية، استفدت من العلاج بالتقبل والالتزام، تصالحت مع ذاتي ومرضي، لم تعد كلمة السرطان ترعبني. منحتني النمذجة جرعة من التفاؤل، وتعرفت بفضل مجموعة الدعم المتبادل على أشخاص مثلي تشاركنا المرض والتجربة والمخاوف والمعاناة والأمل والإصرار والحلول، فضلا عن الدعم الذي تلقيته من أسرتي وأصدقائي.
 صحيح أن السرطان صدمني في البداية لكني بفضله اختبرت نمطا جديدا من العيش لم أعرفه من قبل وها أنا أتعرّف على الحياة كأنّني أحظى بفرصة أخرى منها، فورشات النشاطات الترفيهية مكّنتني من التعرف على قدراتي في الرسم والكتابة والموسيقى، ومجموعة الدعم تشعرني بالحرية وتغمرني بالحبّ والرحلات التي صرت أحظى بها تجعلني أسترخي، لم يكن السرطان اختياري لكنّ الشفاء قراري.


dimanche 16 septembre 2018

سيكولوجية العطاء.. "تهادوا تحابوا"

بقلم: حياة بن بادة


يقال إنّ المال لا يصنع السعادة إلّا إذا أنفقته أيضا على الآخرين، فالعطاء لنفسك لا يزرع فيك الفرحة كالتي تعطي فيها لغيرك لأنّ تغيير حياة الآخرين يجعلك تشعر أكثر بالراحة النفسية، حقيقة أثبتتها العديد من الدراسات النفسية من بينها دراسة أجريت في كلية هارفارد للأعمال على مئات الأمريكيين حول العطاء ومدى تأثيره على حياة الأفراد وما يحدثه من تفاعلات نفسية، خلصت إلى أن الأشخاص الذين ينفقون أموالهم على الآخرين مهما كان حجم رواتبهم يتمتعون براحة نفسية عالية أطلقوا عليها مصطلح السعادة مقارنة مع غيرهم ممّن ينفقون أموالهم على أنفسهم فحسب.
كثيرا ما يحدث التضارب بين رأيين أحدهما يقول إنّ المال لا يصنع إنسانا سعيدا والآخر يقول إنّه سرّ الراحة النفسية والسعادة. ماذا لو سألنا الفقراء والأغنياء لنتحقق من الأمر؟ أفترض أنّنا سنخلص إلى أنّ المشكلة ليست متعلقة بالمال بقدر ما هي متعلقة بمنهج الإنفاق سواء كان بالمال أو الطعام أو الكساء أو الكلمة أو الحضور الشخصي وإن كان ينفق في المكان الصحيح والوقت الملائم وللشخص المناسب، فالمال على سبيل المثال ليس غاية وإنما مجرد أداة ووسيلة لبلوغ هدف معيّن وكيفية بذله هي السرّ، ولعلّ أكبر سبب مسؤول عن تعاسة الغنيّ كونه لا يتقن استخدام ثروته ولو أنّه فعل لتحسّنت نفسيته؛ وربما أكثر ما يزعج الفقير أنّه محروم من هذه الوسيلة التي تؤهله ليسعد غيره والمقصود بهذا الغير أسرته قبل نفسه فعادة ما نسأله "لو فزت بالمبلغ الفلاني، ماذا ستفعل به؟" يجيب أنه سيشتري لكل فرد من أفراد أسرته أشياء معينة وقد تكون هدايا، بينما لو أضفنا للغني أموالا على أمواله لأنفقها ربما في المشاريع الاقتصادية التي تزيد من أرباح شركته دون أن تغيّر من نفسيته خاصة إذا كان يعاني من فقد أحبّته ولعلّه كان في غنى عنها.
في هذا المقال سأتناول مجموعة من التفاعلات النفسية الاجتماعية البيولوجية الناتجة عن العطاء، وقبل أن أعرض التأثيرات النفسية تجدر الإشارة إلى نقطة مهمة متعلقة بأنواع الشخصية ومدى تقبلها العطاء للآخرين من عدمه لطبع فيها، فالشخصية النرجسية على سبيل المثال لن تشعر بالآخر بقدر ما تهمها نفسها ومصلحتها وعليه فهي تستفيد من كل مبادرة لترضي نفسها وتبلغ مصالحها الذاتية وقد يدفعها الكبر للعزوف عن العطاء، والشخصية الفصامية أقرب للانطواء وأبعد عن العلاقات الاجتماعية ونشاطاتها حتى إنها باردة الانفعالات ولن تهتم لأمر الآخر فالعطاء عندها غير مهم، بالمقابل تسعى الشخصية الهستيرية للظهور وجذب الأنظار لتحقّق بذلك مصلحة نفسية ممّا يجعل العطاء طبعا فيها وعاملا مساعدا على لفت الانتباه لها وفيما يلي مجموعة من التأثيرات المصاحبة للعطاء:
نفسيا: "وما تنفقوا من خير فلأنفسكم"
الكلمة الطيبة، الضيافة الحسنة، إنفاق المال والطعام واللباس، المساندة بكل أنواعها كلها تسهم في تخفيف الانفعالات الحادة كالضغط والقلق والغضب وتشجع على الدافعية للانجاز وتوفّر الشعور الإيجابي، كما أنّها تجنّب من الوقوع في الأمراض وتسهم في عملية الشفاء، ولك أن تتصور ما تفعله الهدايا في الناس وما تولّده من فرحة تعود على كلا الطرفين المعطي والمتلقي بخير وفير، لك أن تتصوّر ما يفعله غلاف هديّة، علبة مجهول ما في داخلها، وردة خلف الظهر مخفيّة، بل ما تحمله عبارة "جئتك بهديّة" من فرح، فالمطّلع على سيرورة العطاء البيولوجية النفسية البيئية سيلاحظ كيف أن العطاء يؤدي إلى الحبّ، وقس على ذلك عطاء الأمومة والصداقة وغيرها حتى إنّ العطاء يوصف كعلاج نفسي يعزز الصحة النفسية والجسدية للمتقدمين في السن والمتقاعدين في علم نفس الشيخوخة وذلك بإدماجهم في نشاطات اجتماعية وجمعيات بل وجعلهم يشاركون في عملية تربية الأطفال فالعطاء لا يتوقف لأنه دواء طبيعي. إنه يسهم في الرضا عن الحياة وجودة الحياة وتعديل السلوك وتربية النفس ويعمل كمطهّر نفسي وجسدي وجاء في القرآن قوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها" تطهّر الإنسان من الانفعالات السلبية وبالتالي أخطائه وتجعله مخلصا وملتزما.
اجتماعيا: "تهادوا تحابّوا"
العطاء بحدّ ذاته هديّة، يزيد في الدفء الأسري فيقوّي أواصر المحبّة ويحفظ الأدوار في البيت الواحد ويجعل كل فرد مسؤولا عن راحة الآخر باحتوائه ودعمه. يعزّز العلاقات من خلال بناء شبكة اجتماعية ومشاركة الآخرين ومساعدتهم والحرص على سلامتهم من خلال الأعمال الخيرية والتطوعية بعيدا عن الأنانية وحب الذات والسعي فقط وراء المصلحة الشخصية المادية لأن الذي يدرك العطاء سيجد أنه يلبي أكبر مصلحة شخصية ألا وهي النفسية وبالتالي الجسدية، فضلا عن أنّه يضيف تجارب جديدة للإنسان ولا يجعله منطو على ذاته بل يخرجه من عزلته ويقوي الثقة والرحمة بين الناس، كما أنّ العطاء يزيد في الدافعية له من خلال ردة فعل الآخرين المحفزة والايجابية، وانتشاره قد يسهم حتى في تطوير الجانب الاقتصادي والقضاء على الآفات الاجتماعية والحقد وروح الانتقام. ببساطة يؤكد مقولة "لا زال في الدنيا الخير".
روحيا: "يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"
هو استجابة لله وأمره وتلبية لأحد فروضه التي تجعل الفرد مخلصا له فينتج عنه كلّ ما مضى وما سيأتي من نقاط تبثّ الحياة فيه.
بيولوجيا:
يعدّ العطاء مسؤولا عن توليد الانفعالات الإيجابية المنشطة كالفرح والشعور بالحب ويزيد من ارتفاعها كلما قيّمه الفرد وأدركه كسلوك ونشاط إيجابي؛ من خلال عملية الإحساس بمصدر الفرح الذي ينتابه، والذي قد يتمثل في التعبير الجسدي أو اللفظي كابتسامة المتلقي أثناء عملية العطاء التي تعمل كمنبه يفسرها الفرد كردة فعل مُرضية وإيجابية، ويستجيب لها بالفرح والحبّ، مما يترتب عنها تواصل وتفاعل اجتماعي كبير تزداد درجته وشدته كلما تكرّر العطاء، فانفعال الفرد رهن تفاعل بين كل ما هو بيولوجي ونفسي وبيئي.
وينشط العطاء مناطق معينة في المخ، كالمهاد والجهاز الحوفي والمنطقة الجوفية السقيفية والمادة السوداء ونظام المكافئة التي تكون مسؤولة عن إفراز مجموعة من الهرمونات والنواقل العصبية  المتحكمة في الانفعالات كالفرح  من بينها:
 السيروتونين: الذي يعمل على تعديل المزاج والشعور بالراحة النفسية، فعلى سبيل المثال إهداء علبة شوكولاتة لشخص تعلم أنه يحبها فتسعده قد يعادل تناولك لها، فالكاكاو مصدر من مصادره.
الدوبامين: ويعد مسؤولا عن الشعور بالمتعة والراحة والاطمئنان والدافعية والحبّ، فالعطاء والاستمرار فيه وتصفح تعابير الآخرين وقراءة انفعالاتهم والسماع لعبارات الشكر والامتنان والتقدير تجعل الفرد يشعر بالنشوة، فهذه الخبرة السارة تمكّنه من تقييم النشاط إيجابيا وتدفعه لممارسته مرة أخرى لأجل تحقيق ما سبق ذكره من الانفعالات.
الأندروفين: يزيد العطاء من كمية إفراز الأندروفين الذي يخفف من الألم والتعب ويحسّن المزاج ويبعث السرور في الفرد ويساعده على الاسترخاء، فتقديم المساعدات للآخرين والوقوف معهم يقلل من حدة الشعور بالذنب ويعزّز السكينة والراحة النفسية. كما أن رياضة التطوع والعمل الخيري تسهم في زيادة الحركة والنشاط لدى الفرد وبالتالي الشعور الإيجابي الذي يتسبب في إفراز الأندروفين.
الأوكسيتوسين: مشاركة الآخرين والتفاعل معهم تساعد على إفراز هرمون الأوكسيتوسين الذي بدوره يعمل على توليد المشاعر الجميلة وتخفيض نسبة الضغط والقلق والتوتر التي قد يعاني منها الفرد فالاندماج مع الناس ومساعدتهم في انشغالاتهم يشتّت الانفعالات السلبية التي قد تعترضه وتصرف انتباهه عنها. والعطاء قد يكون بحضن فقد أثبتت الأبحاث أن الحضن يساعد على إفراز هذا الهرمون، كما أن الثقة التي تصدر عن ذلك التفاعل الاجتماعي وشعور المرء بأنه محبوب ويحبّ تزيد نسبة إفرازه، ويعرف هذا الهرمون بأنه هرمون الجود والسخاء لأنه يتولد إثر نشاطات العطاء وهو بدوره يساعد على القيام بها ولعلّ البخلاء والأشخاص الذين يشكون من جفاف عاطفي يعانون من نقص في إفرازه!
لقد أصبح للعطاء علم يسميه الغرب علم الجود Science of generosity فما أعظمها من نعمة لا يستشعرها إلّا أصحابها. وعليه إذا كنت تعاني من إحدى المشاكل المذكورة في المقال عليك بالعطاء، إذا كنت تتمتع بثروة مادية وفقر عاطفي فعليك بالعطاء، إذا كنت لا تملك شيئا تأكد أنك تملك الكثير، تملك حضنا، تملك كلمة طيبة، تملك ابتسامة، حتى إنك تملك أقداما تيسّر لك مهمة زيارة مريض في المستشفى أو شيخ في دار المسنّين. يمكنك أن تغلّف كل هذا بالنيّة الصادقة وتقدمه للشخص المناسب وفي الوقت المناسب. جرّب أن تعطي فأنت بحاجة لأن تمارس نشاطات وتختبر أشياء تحسّن من صحتك النفسية والجسدية وبالتالي نمط عيشك. التمس صحتك في جيبك وصحنك وخزانتك ولسانك ووجهك وأقدامك وتحسّسها في يدك.
تذكّر! "وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم".



samedi 8 septembre 2018

أن تختص في الأمراض النفسية

بقلم: حياة بن بادة


كان عليّ التعرّف على الاختصاص قبل ولوجه، لم أفكّر فيه يوما حتى إنّه ثاني اختصاص درسته، فقد ارتبطت قبله بالترجمة وامتدت علاقتي بها لأكثر من ستّ سنوات كانت كفيلة بأن تستوطن قلبي، لكنّه ظلّ عشيقي الذي لو خيّروني بينه وبين غيره لتفرّدت به وحرّقت بقيّة الأوراق من بعده كوني أؤمن بمقولة طارق الحبيب "ما الحبّ إلّا للحبيب الأفضل" حتى ولو لم يكن الأول!
قيل لي مرّات عدّة إنّني أصلح لأن أختصّ في الأمراض النفسية ولأكون صادقة كنت أؤمن بذلك، لكنّه لم يكن حلمي ولم يكن شغفي، واختصاص كهذا لم أكن لأطرقه وأورّط نفسي فيه لو ما وجدته مفروشا في شخصيتي؛ فأخذت أواعده في الكتب كلّما أطلقت الترجمة سراحي في الأربع سنوات الأولى منها في العطل، كمراهقة كنتُ ميّالة للغرب ومن حسن حظّي أنّني انجذبت لدراسته بفضلهم فعشقته. جذبتني الأشرطة والأفلام الأمريكية كثيرا لهذا الاختصاص ورفعت قبعتي لما يولونه من أهمية له فقرّرت ولوجه وأحببته وآمنت به، ولأجله تصالحت مع مادة العلوم يوم تعرّفت فيه على التشريح وعلم الأدوية والأمراض السايكوسوماتية وغيرها.
زمانا كان يهاجم بشدّة في مجتمعاتنا ويكاد المختص لا يجد خبزته إلّا في المصحات العقلية النادرة؛ رغم أنّ الأسر العربية كانت تخفي وجود مرض عقلي في بيوتها في إطار نظرية نظرة المجتمع لها والسوء الذي سيلحق بسمعتها خاصة إذا تعلّق الأمر بالزواج، فضلا عن مفهوم الجنون الذي كان ولا زال يدور في أذهان البعض فيخيّل لهم أنّ كل من طرق باب مختص في التعب النفسي "مجنون" وعليهم أن يبقوا بعيدين عن متناوله ويحرم الارتباط به أو إزعاجه والمشي في ساحته خوفا من أن يثور عليهم فينتّف شعورهم ويخدش وجوههم أو أن يخنقهم ليلا وهم نائمون. إنسان كهذا كان يربط في البيت ولا يخرج منه إلّا لقبره!
لا أزال أتذكّر تفاصيل البداية بحذافيرها، فأوّل طالب في القسم قال له أستاذ التشريح إنّ الاختصاص يليق به كان أنا وكنتُ كذلك أوّل طالب تلقّى توبيخا من الأستاذ نفسه يوم تهت في خيالي فلم أتمالك نفسي من الضحك وهو يتفنّن في سرد تفاصيل حالة وسواس قهري كان يعالجها تحشو أمعاء كبش العيد بماء جافيل والصابون عشرات المرات لتنظّفه؛ كان عامي الأول وكانت المرة الأولى والأخيرة التي ضحكت فيها على حالة؛ كلّ الحالات بعدها تعاملت معها بجدية واحترام. لا أزال أتذكّر أوّل مرّة جبت فيها مستشفى للأمراض النفسية في حياتي عبر فيديو شاهدته مرارا وتكرارا لأعوّد نفسي على تلك الحياة، لا أزال أتذكّر أوّل علاماتي في الأمراض السايكوسوماتية وعلم النفس المرضي والفحص والتشريح ولحسن الحظ كانت ممتازة، لا أزال أتذكر أوّل خدمة طلبت منّي؛ أن أحلّل الشخصية وكم كان الأمر مزعجا لأن من كان يطلبها لم يكن يطلب تحليل الشخصية بقدر ما كان يتوسّل إليّ بأن أقرأ له الفنجان وأسعده. أتذكّر أوّل مرّة ارتديت فيها مئزرا أبيضا بالأكمام وأوّل مرّة وطأت فيها أقدامي مصحة الأمراض النفسية والعقلية للتربّص وأوّل مريض شاهدته فيها، لقد كان المريض شجرة عنب يابسة حبلى بعناقيدها المثمرة، لم أر مثلها في حياتي؛ يوم رأيتها صدّقت كلّ ما قرأته في كتاب "النبات يحبّ ويتألّم ويقرأ أفكار البشر"! أتذكّر أوّل قاعة انتظار مكتظة بالمرضى هناك وأغرب الحالات والأشكال التي لم يسبق وشاهدت مثلها في حياتي، أتذكّر أوّل رعب تملكنّي وأوّل ندم على الاختصاص تلحّفني وأوّل عبارة "ماذا فعلت بنفسي" صدرت منّي وأوّل يوم توسّطت فيه أشخاصا لطالما تحاشيت طريقهم في الشوارع وركضت مع الراكضين هربا منهم، كلّ وحالته، كلّ وشكواه. أتذكّر أوّل حالة فصام قابلتها لشاب في سنّ الـ27 ووجه أمّه الشاحب الحزين. وأوّل مرّة شعرت فيها بالمسؤولية العظمى وأوّل مرة أدركت فيها أن حياة ومصير أحدهم متوقف عليّ.
أتذكّر أوّل مرة تصفحت فيها الدليل الإحصائي التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM)، أتذكر وصايا أساتذتي وحكاياتهم وتجاربهم والبعض أتذكّر ألوان وجوههم كيف بدّلتها مصلحة الرعاية التلطيفية التي كانوا يحضّرون فيها المرضى الأسوياء المصابين بأمراض خطيرة ومزمنة للموت. أتذكّر بحّة القهر وعسر الأحداث الأليمة التي جعلتهم يهربون من الميدان إلى التعليم طمعا في راحة نفسية لما تبقى من أعمارهم. أتذكّر كيف كانت دكتورة تلقي علينا محاضرات متعلقة بالإعاقات والمتلازمات وقلبها علينا حين تستشعر الحزن مختلطا بالخوف في وجوهنا فتخاطبنا قائلة: "أعلم أن فيكم من يقول الآن سأحرّم على نفسي الزواج، خوفا من أن يولد له طفل بمتلازمة ما، فأصحاب الاختصاص هم من يتخوفون أكثر" أتذكر حكاية مختصة تسبّبت في انتحار مريض بكلمة، ذاك المريض الذي جاء يطلب المساعدة فإذا بها لم تحسن الحديث معه وأرعبته بجهنّم فألقى بنفسه من الجسر. أتذكّر أوّل دفتر قيّدت فيه الحالات بأسمائها وتفاصيلها وأوّل فرحة عن قصة زواج قد تبدو لك غريبة جمعت فصاميا كان يعالج عندنا بطبيبة. أتذكّر أوّل محاولة انتحار شهدتها في حياتي لعجوز أرهقها الخذلان وأخرى لطفل عبقري وثائر لم يحتمل الابتعاد عن بلد غربي والعيش في فساد الجزائر. أتذكّر أوّل ليلة قضيتها أبحث عن حلّ لمريضة كانت تعاني من مشكلة عويصة وأوّل مخطّطBASIC ID  رسمته لمريض كان بحاجة إليّ فظلّ يتردّد عليّ، أتذكّر أوّل طفل كان يعاني من فرط حركي وآخر تعاني والدته من مرض نفسي فأسقطته عليه وجاءت به للمستشفى ليداوي وهو لا يشكو من شيء. أتذكّر أوّل مريض شفي على يدي! وأتذكر أنني به تعلّمت معنى التحرّر والحريّة ومعنى ألّا أكون تبعيّة وأن أبحث بنفسي وأتأمّل وأنقد وأتعلم كما يروق لي حتى إنّي بفضله عدت لأتدبّر في القرآن أكثر وفي نفسي وغيري وفي الكون وأحببت أن أتطوّر.
 أن تختصّ في الأمراض النفسية يعني أن تكون عرضة للاحتراق النفسي وللهجوم المجتمعي، فالكل ينتظر منك أن تكون بلسما خارقا للجروح وأن تبعث العقول التي اختلت إلى الحياة من جديد وتتكفل بالمريض كما تتكفل الأم بوليدها وأن تلمّ شمل الأسر وتكافح الانحراف وتعدّل السلوك وتقضي على الإدمان وترفع سيفك في وجه الأحزان وتحلّل الشخصيات وتعمل كمنجّم وتأتي بالحلول السريعة والفعالة، وتطيّن مآقيك في الوقت الذي تفيض فيه عيون محدّثك وتمنحه أحضانا افتراضية، أن تختص في الأمراض النفسية يعني أن تتعرض للخطر وأنت تقابل إنسانا متعبا منفعلا في مكتب مغلق لمدة معتبرة، يعني أن تكتم الأسرار وتطّلع على تفاصيل الناس وتتعمق في العلاقات والأحداث وتسمع حكايات المجتمع بأسرها حتى إنك قد تقابل مجرما يطلب التستر عليه، يعني أن تكون طبيبا ومحقّقا ومهندسا. أن تختص في الأمراض النفسية يعني أن تتهم بالجنون في كلّ مرة وأن تكون في نظر الكثيرين معصوما من العديد من الأخطاء والأحزان والألم والشكوى وأن تنسى أنّك إنسان يحس ويتألم ويتعب ويحترق هو الآخر. أن تختص في الأمراض النفسية يعني أن تخصّص لكل فرد يطلبك مكانا في قلبك وضميرك ونفسيتك، أن تختصّ في الأمراض النفسية يعني أن تستعدّ لسماع الانتقادات الهدامة اللاذعة التي يتلقاها الاختصاص قبل المختص في مجتمعات ما وأن تروح ضحية أولئك الذين وجدوا ليهيموا في أورقة المستشفى ويتجمعوا للثرثرة في ساحاته، أولئك الذين وُجدوا ليرقّعوا فيه وليشخصوا جميع الحالات التي تعترضهم قلقا دون أن يكلّفوا أنفسهم متعة البحث والتعلم. أن تختص في الأمراض النفسية يعني أن تحمل أمانة فإمّا أن تحفظها وإمّا أن تضيّعها فتضيع.
أن تختص في الأمراض النفسية يعني أن تقضي ليال تتصفّح فيها وجوه الناس التي مرّت عليك تطلب النجدة بكلّ تفاصيلها وتغادر الفراش إلى الكتب لتصنع الخطط وترمّم حياة تكسّرت داخل أسرة، أن تختص في الأمراض النفسية يعني أن تمنح نفسك لمجال هو الأصعب من بين الاختصاصات فخطأ صغير فيه قد يؤدي إلى كارثة، سهل أن تقول أنا مختص لكن صعب أن تكون حقّا كذلك. أن تختص في المرض النفسي يعني أنّك نذرت نفسك لتخرج إنسانا من الظلمات التي تأسره إلى النور الذي يتمناه، يعني أن تحتمل وتصبر وتتقدم وترشد وتتعاطف وتهتم وتحتوي وتكسب الثقة وتشارك، يعني أن تبصر وتنصت وتحس بكل ما أوتيت من قوة وبعد نظر وبصيرة، يعني أن تدرك مفهوم المسؤولية وتحملها على عاتقك، يعني أن ترتدي إنسانيتك مع مئزرك الأبيض وبدونه وتغذّي بصرك وسمعك بالذكاء وتغذّي عقلك بالحكمة وتوسّع قلبك وتفرض نفسك بمهاراتك وأبحاثك وجهودك في الوسط الطبي فقد تكون مفتاح الشفاء.

dimanche 2 septembre 2018

متلازمة الألقاب والرتب!

بقلم: حياة بن بادة


يحكى أنّ تاجرا قصد أبا وهب بن عمرو الصيرفي الكوفي الملقّب ببهلول يستشيره في أمر يتعلق بتجارته وسأله باحترام أن يرشده إلى سلعة يشتريها ليحتكرها ويبيعها بثمن باهظ، فأشار عليه بهلول بأن يبتاع حديدا وفحما. أخذ التاجر بنصيحة بهلول وبالفعل عادت عليه بالربح الوفير حتى اشتهر واغترّ ونسي فضله عليه بل حدا حدو قارون في قوله "إنّما أوتيته على علم عندي" ورجع ذات مرة إلى بهلول مستهزئا ومسيئا بلسانه ومع ذلك يطلب منه أن يشير عليه بسلعة أخرى تعود عليه بالرزق المضاعف، فأشار عليه بهلول ضاحكا متغابيا بأن تكون في هذه المرّة بصلا وثوما وما كان على التاجر الغبي إلّا أن خزّن الثوم والبصل طمعا في بيعها يوم حاجة السوق إليها بثمن مضاعف، لكنها تعفنت وخسر على إثرها كل ما ملك، ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال "ما طار طير وارتفع إلّا كما طار وقع". هذا التاجر موجود في كل مكان في عصرنا، فمثلما تجده في السوق تجده في الجامعة والمستشفى والإدارة بل وتلتقيه في المسجد وفي المؤتمرات السياسية والملتقيات الأدبية والعلمية والدينية وفي شتّى المحافل.
وصدق ابن العميد بل وأجاد الوصف والتشبيه يوم قال "ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤوسهنّ شوامخ" فما إن تعلو شهادات وتُرفع رتب وتبرز أسماء حتى ترتفع معها أعناق وحواجب وأصوات وتتلاشى معها ولأجلها مبادئ وقيم وعلاقات، فتجد أستاذا في الجامعة يطرب للقب الدكتور والبروفيسور ولا يهمّه إن تغيّب عن طلابه لأسبوع وغيّب عنهم المحاضرة إن هو حضر وأخذ يتلو عليهم قصّة حياته ويعرض عضلاته؛ حتى إنّك لتتعجّب من ضعفه العلمي وتتساءل من أين له بشهادات كهذه وكيف ترقّيه الجامعات، ينبض قلب الطالب بقوّة وترتعش يداه قبل أن يطرح عليه سؤالا ويسقط قلبه وأحيانا علامته إذا ما تقوّى وناقشه في فكرة. إنّه أبو الشهادات؛ بأيّ طريقة نجح في تحصيل الرتب وبهذه الطرق فشل في فهم قوله صلى الله عليه وسلم من تواضع لله رفعه الله ومن تكبّر وضعه الله.
 وذاك طبيب آمن أنه النخبة وأنّه الأصل والباقي شعبة تجده في المستشفيات بلا خلق، يختال في مئزره الأبيض متحوّل اللسان متكبّرا فخورا وكلّما رآه المرضى تفاقمت أمراضهم وارتفع ضغطهم وهم يحسبون ألف حساب قبل أن يستفسروا عن أمر صحي أو من هول حادثة مرّت عليهم معه وكلمّا ذكر اسمه كلما تعالت الدعوات عليه!
وهذا كاتب كتب سطورا حكم عليها المطبّلون والمتعاطفون بالجمال، فاعتقد أنّه الشمس إن هي سطعت والناس من حوله كواكب فتجده يجمع القراء من حوله ليصنع اسمه فإذا ما شاع نسى أن ذلك الجنين من تلك البويضة وتلك البويضة بتلك النطاف فمن أراد وصله لم يصل ومن تواصل معه مثلا في وسائل التواصل الاجتماعي وشاركه تعليقا تجاهله بينما تفاعل مع غيره، فالأول لا يملك صفة كاتب أو شخصية مشهورة؛ خيوطه عقيمة والردّ عليه مذلّة للنفس وإنقاص للقيمة حتى وإن كانت الفكرة واحدة ولربّما أجمل؛ المهم أنه بلا منصة ولا منبر وهي فرصة الشمس الساطعة لـ"تتعنتر" مثله كمثل العنكبوت تدعو زوجها ليلقّحها وما إن يفعل تتخلّص منه وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت!
هي ثلاثة نماذج لأنواع من البشر غرّتهم الدنيا بألقاب ورتب جهلوا أن الناس متعطشون للمتواضعين في زمن تكبّر فيه كلّ شيء ولو أنهم عقلوا لتواضعوا وارتفعوا حقيقة لا وهما، تليق بهم الأبيات الأخيرة من قصيدة العشماوي الجميلة "ريحانة القلب" التي قال فيها:
قد يعشق المرء من لا مال في يده ويكره القلب من في كفه الذهب
حقيقة لو وعاها الجاهلون لما تنافسوا في معانيها ولا احتربوا
ما قيمة الناس إلا في مبادئهم لا المال يبقى ولا الألقاب والرتبُ
ما لا يدركه البعض هو أنّ طريق الشهرة محفوف بالفقد والمعاصي بقدر ما هو مزيّن بالكسب والمحاسن والوعود، ففي الوقت الذي يحلم فيه البعض بصناعة اللقب وتثبيت الرتب والفوز بالشهرة يقع في شرك خسارة المبادئ. وكم من حالم لم يبلغ حلمه إلّا عن طريق التنازل وليس كلّ تنازل محمود. وكم من طموح لم يصل إلى طموحه إلّا بالتطبيل والتملّق، وما من شيء يسعى إليه المرء في حياته إلّا وقد دفع ثمنه فما أقبح أن يدفع الأغلى مقابل الرخيص فتصبح قيمه تذكرة وتتحول مبادئه إلى صكّ. وقد ينتقل البعض من الشعور بعقدة النقص إلى جنون العظمة فبعد أن كان يحتقر نفسه يتحول إلى احتقار غيره وبعد أن كان يعذب نفسه بمشاعر الدونية ينقل هذه الأخيرة إلى غيره حالما يحصل على التعويض ويبني شخصيته بالأنا المهدمة التي كانت سببا في معاناته وانخفاض تقديره لذاته يوم كان يقارن نفسه بالآخرين فيستاء منها ومن نقصها. وفي الحقيقة هناك من يصنع الحدث وهناك من يصنعه الحدث، هناك من يخطّط للشهرة وهناك من تسقط عليه هكذا دون سابق إنذار، هناك من يكرّس السبل والمناهج لينالها فتجده يتفنّن في جذب الأنظار ويركض خلف الأرقام الكبيرة ويغرق في هوس الأضواء وهناك من تلبسه دون أن يناديها.
مثلما يجوع البطن تجوع النفس، وكما أنّ الطعام الحرام مضر بالصحة فإنّ طرق تعويض النفس وتغذيتها الخاطئة مضرة بها، فللكسب قواعد تفرض مراعاتها وقوانين وجب الالتزام بها وحدود لا بدّ من احترامها وعدم خرقها فإذا لم يفلح الفرد في ضبط نفسه وتأديبها وتربيتها وترويضها تحوّلت إلى عدوّه الأول، العدو الذي يأتيه في ثوب جنون العظمة فيملي عليه الوساوس ويضخّم له الأنا ويسقط ما فيه من سلبيات على غيره وما توصّل إليه المأمون في قوله "ما تكبّر أحد إلّا لنقص وجده في نفسه ولا تطاول إلّا لوهن أحسّه من نفسه" هو خير تحليل وتلخيص لهذه الحالة، فكم من متكبر هو في الحقيقة مريض نفسي يدفعه الشعور بالدونية لاحتقار غيره وكم من متطاول ليس تطاوله إلّا رداء يتستّر به عن ضعفه.
وضع الله ميزانا واضحا للتفاضل بين الناس اسمه التقوى وكلما سقط ركن من أركانها سقطت معه الأفضلية فيضع الله على إثرها الذين ظلموا أنفسهم؛ التقوى التي تفرض عليهم اتّباع الحق وترك الباطل، تأدية الفروض واجتناب المعاصي فما أعظم معصية التكبر. لقد رزق الله كلّ فرد شيئا يميّزه عن غيره في شخصيته وجعل الحياة تعارفا وتقاسما وتشاركا وتكاملا بين الناس فلم يعد الطاهي والفلاح والنجار والرياضي أقلّ شأنا من الأستاذ والطبيب والمهندس ولعلّ هذا ما أثبتته نظرية الذكاءات المتعدّدة لهاورد غاردنر قبل أزيد من ثلاثين عاما؛ فعرّفت كلّ فرد بقدراته ولا زال البعض يعتقد أنّ الرتب والألقاب والشهادات والجماهير الكبيرة هي أداة التعريف التي تجعله أفضل من غيره فينتفخ ويتكبّر ويتجبّر!
لا أجد خلاصة لما سبق أجمل من أبيات الشاعر إذ قال:
إذا امتلأت كفّ اللئيم من الغنى تمايل إعجابا وقال أنا أنا
ولكنّ كريم الأصل كالغصن كلّما تحمّل أثمارا تواضع وانحنى