بقلم: حياة بن بادة
يقال إنّ المال لا يصنع
السعادة إلّا إذا أنفقته أيضا على الآخرين، فالعطاء لنفسك لا يزرع فيك الفرحة كالتي
تعطي فيها لغيرك لأنّ تغيير حياة الآخرين يجعلك تشعر أكثر بالراحة النفسية، حقيقة
أثبتتها العديد من الدراسات النفسية من بينها دراسة أجريت في كلية هارفارد للأعمال
على مئات الأمريكيين حول العطاء ومدى تأثيره على حياة الأفراد وما يحدثه من
تفاعلات نفسية، خلصت إلى أن الأشخاص الذين ينفقون أموالهم على الآخرين مهما كان
حجم رواتبهم يتمتعون براحة نفسية عالية أطلقوا عليها مصطلح السعادة مقارنة مع
غيرهم ممّن ينفقون أموالهم على أنفسهم فحسب.
كثيرا ما يحدث التضارب بين
رأيين أحدهما يقول إنّ المال لا يصنع إنسانا سعيدا والآخر يقول إنّه سرّ الراحة
النفسية والسعادة. ماذا لو سألنا الفقراء والأغنياء لنتحقق من الأمر؟ أفترض أنّنا
سنخلص إلى أنّ المشكلة ليست متعلقة بالمال بقدر ما هي متعلقة بمنهج الإنفاق سواء
كان بالمال أو الطعام أو الكساء أو الكلمة أو الحضور الشخصي وإن كان ينفق في
المكان الصحيح والوقت الملائم وللشخص المناسب، فالمال على سبيل المثال ليس غاية
وإنما مجرد أداة ووسيلة لبلوغ هدف معيّن وكيفية بذله هي السرّ، ولعلّ أكبر سبب
مسؤول عن تعاسة الغنيّ كونه لا يتقن استخدام ثروته ولو أنّه فعل لتحسّنت نفسيته؛ وربما
أكثر ما يزعج الفقير أنّه محروم من هذه الوسيلة التي تؤهله ليسعد غيره والمقصود
بهذا الغير أسرته قبل نفسه فعادة ما نسأله "لو فزت بالمبلغ الفلاني، ماذا
ستفعل به؟" يجيب أنه سيشتري لكل فرد من أفراد أسرته أشياء معينة وقد تكون
هدايا، بينما لو أضفنا للغني أموالا على أمواله لأنفقها ربما في المشاريع
الاقتصادية التي تزيد من أرباح شركته دون أن تغيّر من نفسيته خاصة إذا كان يعاني
من فقد أحبّته ولعلّه كان في غنى عنها.
في هذا المقال سأتناول
مجموعة من التفاعلات النفسية الاجتماعية البيولوجية الناتجة عن العطاء، وقبل أن
أعرض التأثيرات النفسية تجدر الإشارة إلى نقطة مهمة متعلقة بأنواع الشخصية ومدى
تقبلها العطاء للآخرين من عدمه لطبع فيها، فالشخصية النرجسية على سبيل المثال لن
تشعر بالآخر بقدر ما تهمها نفسها ومصلحتها وعليه فهي تستفيد من كل مبادرة لترضي
نفسها وتبلغ مصالحها الذاتية وقد يدفعها الكبر للعزوف عن العطاء، والشخصية
الفصامية أقرب للانطواء وأبعد عن العلاقات الاجتماعية ونشاطاتها حتى إنها باردة
الانفعالات ولن تهتم لأمر الآخر فالعطاء عندها غير مهم، بالمقابل تسعى الشخصية
الهستيرية للظهور وجذب الأنظار لتحقّق بذلك مصلحة نفسية ممّا يجعل العطاء طبعا
فيها وعاملا مساعدا على لفت الانتباه لها وفيما يلي مجموعة من التأثيرات المصاحبة
للعطاء:
نفسيا: "وما تنفقوا من
خير فلأنفسكم"
الكلمة الطيبة، الضيافة
الحسنة، إنفاق المال والطعام واللباس، المساندة بكل أنواعها كلها تسهم في تخفيف
الانفعالات الحادة كالضغط والقلق والغضب وتشجع على الدافعية للانجاز وتوفّر الشعور
الإيجابي، كما أنّها تجنّب من الوقوع في الأمراض وتسهم في عملية الشفاء، ولك أن
تتصور ما تفعله الهدايا في الناس وما تولّده من فرحة تعود على كلا الطرفين المعطي
والمتلقي بخير وفير، لك أن تتصوّر ما يفعله غلاف هديّة، علبة مجهول ما في داخلها،
وردة خلف الظهر مخفيّة، بل ما تحمله عبارة "جئتك بهديّة" من فرح، فالمطّلع
على سيرورة العطاء البيولوجية النفسية البيئية سيلاحظ كيف أن العطاء يؤدي إلى
الحبّ، وقس على ذلك عطاء الأمومة والصداقة وغيرها حتى إنّ العطاء يوصف كعلاج نفسي
يعزز الصحة النفسية والجسدية للمتقدمين في السن والمتقاعدين في علم نفس الشيخوخة
وذلك بإدماجهم في نشاطات اجتماعية وجمعيات بل وجعلهم يشاركون في عملية تربية
الأطفال فالعطاء لا يتوقف لأنه دواء طبيعي. إنه يسهم في الرضا عن الحياة وجودة
الحياة وتعديل السلوك وتربية النفس ويعمل كمطهّر نفسي وجسدي وجاء في القرآن قوله
تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها" تطهّر الإنسان من الانفعالات
السلبية وبالتالي أخطائه وتجعله مخلصا وملتزما.
اجتماعيا: "تهادوا
تحابّوا"
العطاء بحدّ ذاته هديّة، يزيد
في الدفء الأسري فيقوّي أواصر المحبّة ويحفظ الأدوار في البيت الواحد ويجعل كل فرد
مسؤولا عن راحة الآخر باحتوائه ودعمه. يعزّز العلاقات من خلال بناء شبكة اجتماعية ومشاركة
الآخرين ومساعدتهم والحرص على سلامتهم من خلال الأعمال الخيرية والتطوعية بعيدا عن
الأنانية وحب الذات والسعي فقط وراء المصلحة الشخصية المادية لأن الذي يدرك العطاء
سيجد أنه يلبي أكبر مصلحة شخصية ألا وهي النفسية وبالتالي الجسدية، فضلا عن أنّه
يضيف تجارب جديدة للإنسان ولا يجعله منطو على ذاته بل يخرجه من عزلته ويقوي الثقة والرحمة
بين الناس، كما أنّ العطاء يزيد في الدافعية له من خلال ردة فعل الآخرين المحفزة
والايجابية، وانتشاره قد يسهم حتى في تطوير الجانب الاقتصادي والقضاء على الآفات
الاجتماعية والحقد وروح الانتقام. ببساطة يؤكد مقولة "لا زال في الدنيا الخير".
روحيا: "يا أيّها
الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"
هو استجابة لله وأمره
وتلبية لأحد فروضه التي تجعل الفرد مخلصا له فينتج عنه كلّ ما مضى وما سيأتي من
نقاط تبثّ الحياة فيه.
بيولوجيا:
يعدّ العطاء مسؤولا عن
توليد الانفعالات الإيجابية المنشطة كالفرح والشعور بالحب ويزيد من ارتفاعها كلما
قيّمه الفرد وأدركه كسلوك ونشاط إيجابي؛ من خلال عملية الإحساس بمصدر الفرح الذي
ينتابه، والذي قد يتمثل في التعبير الجسدي أو اللفظي كابتسامة المتلقي أثناء عملية
العطاء التي تعمل كمنبه يفسرها الفرد كردة فعل مُرضية وإيجابية، ويستجيب لها
بالفرح والحبّ، مما يترتب عنها تواصل وتفاعل اجتماعي كبير تزداد درجته وشدته كلما
تكرّر العطاء، فانفعال الفرد رهن تفاعل بين كل ما هو بيولوجي ونفسي وبيئي.
وينشط العطاء مناطق معينة
في المخ، كالمهاد والجهاز الحوفي والمنطقة الجوفية السقيفية والمادة السوداء ونظام
المكافئة التي تكون مسؤولة عن إفراز مجموعة من الهرمونات والنواقل العصبية المتحكمة في الانفعالات كالفرح من بينها:
السيروتونين: الذي يعمل على تعديل المزاج
والشعور بالراحة النفسية، فعلى سبيل المثال إهداء علبة شوكولاتة لشخص تعلم أنه يحبها
فتسعده قد يعادل تناولك لها، فالكاكاو مصدر من مصادره.
الدوبامين: ويعد مسؤولا عن الشعور بالمتعة والراحة والاطمئنان
والدافعية والحبّ، فالعطاء والاستمرار فيه وتصفح تعابير الآخرين وقراءة انفعالاتهم
والسماع لعبارات الشكر والامتنان والتقدير تجعل الفرد يشعر بالنشوة، فهذه الخبرة السارة
تمكّنه من تقييم النشاط إيجابيا وتدفعه لممارسته مرة أخرى لأجل تحقيق ما سبق ذكره
من الانفعالات.
الأندروفين: يزيد العطاء من كمية إفراز الأندروفين الذي يخفف من
الألم والتعب ويحسّن المزاج ويبعث السرور في الفرد ويساعده على الاسترخاء، فتقديم
المساعدات للآخرين والوقوف معهم يقلل من حدة الشعور بالذنب ويعزّز السكينة والراحة
النفسية. كما أن رياضة التطوع والعمل الخيري تسهم في زيادة الحركة والنشاط لدى
الفرد وبالتالي الشعور الإيجابي الذي يتسبب في إفراز الأندروفين.
الأوكسيتوسين: مشاركة الآخرين والتفاعل معهم تساعد على إفراز هرمون
الأوكسيتوسين الذي بدوره يعمل على توليد المشاعر الجميلة وتخفيض نسبة الضغط والقلق
والتوتر التي قد يعاني منها الفرد فالاندماج مع الناس ومساعدتهم في انشغالاتهم يشتّت
الانفعالات السلبية التي قد تعترضه وتصرف انتباهه عنها. والعطاء قد يكون بحضن فقد
أثبتت الأبحاث أن الحضن يساعد على إفراز هذا الهرمون، كما أن الثقة التي تصدر عن
ذلك التفاعل الاجتماعي وشعور المرء بأنه محبوب ويحبّ تزيد نسبة إفرازه، ويعرف هذا
الهرمون بأنه هرمون الجود والسخاء لأنه يتولد إثر نشاطات العطاء وهو بدوره يساعد
على القيام بها ولعلّ البخلاء والأشخاص الذين يشكون من جفاف عاطفي يعانون من نقص
في إفرازه!
لقد أصبح للعطاء علم يسميه
الغرب علم الجود Science of generosity فما أعظمها من نعمة لا يستشعرها إلّا أصحابها. وعليه إذا
كنت تعاني من إحدى المشاكل المذكورة في المقال عليك بالعطاء، إذا كنت تتمتع بثروة
مادية وفقر عاطفي فعليك بالعطاء، إذا كنت لا تملك شيئا تأكد أنك تملك الكثير، تملك
حضنا، تملك كلمة طيبة، تملك ابتسامة، حتى إنك تملك أقداما تيسّر لك مهمة زيارة
مريض في المستشفى أو شيخ في دار المسنّين. يمكنك أن تغلّف كل هذا بالنيّة الصادقة
وتقدمه للشخص المناسب وفي الوقت المناسب. جرّب أن تعطي فأنت بحاجة لأن تمارس
نشاطات وتختبر أشياء تحسّن من صحتك النفسية والجسدية وبالتالي نمط عيشك. التمس
صحتك في جيبك وصحنك وخزانتك ولسانك ووجهك وأقدامك وتحسّسها في يدك.
تذكّر! "وما تنفقوا من
خير يوفّ إليكم".
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire