بقلم: حياة بن بادة
يحكى أنّ تاجرا قصد أبا وهب
بن عمرو الصيرفي الكوفي الملقّب ببهلول يستشيره في أمر يتعلق بتجارته وسأله
باحترام أن يرشده إلى سلعة يشتريها ليحتكرها ويبيعها بثمن باهظ، فأشار عليه بهلول
بأن يبتاع حديدا وفحما. أخذ التاجر بنصيحة بهلول وبالفعل عادت عليه بالربح الوفير
حتى اشتهر واغترّ ونسي فضله عليه بل حدا حدو قارون في قوله "إنّما أوتيته على
علم عندي" ورجع ذات مرة إلى بهلول مستهزئا ومسيئا بلسانه ومع ذلك يطلب منه أن
يشير عليه بسلعة أخرى تعود عليه بالرزق المضاعف، فأشار عليه بهلول ضاحكا متغابيا بأن
تكون في هذه المرّة بصلا وثوما وما كان على التاجر الغبي إلّا أن خزّن الثوم
والبصل طمعا في بيعها يوم حاجة السوق إليها بثمن مضاعف، لكنها تعفنت وخسر على
إثرها كل ما ملك، ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال "ما طار طير وارتفع إلّا
كما طار وقع". هذا التاجر موجود في كل مكان في عصرنا، فمثلما تجده في السوق
تجده في الجامعة والمستشفى والإدارة بل وتلتقيه في المسجد وفي المؤتمرات السياسية والملتقيات
الأدبية والعلمية والدينية وفي شتّى المحافل.
وصدق ابن العميد بل وأجاد
الوصف والتشبيه يوم قال "ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤوسهنّ
شوامخ" فما إن تعلو شهادات وتُرفع رتب وتبرز أسماء حتى ترتفع معها أعناق
وحواجب وأصوات وتتلاشى معها ولأجلها مبادئ وقيم وعلاقات، فتجد أستاذا في الجامعة
يطرب للقب الدكتور والبروفيسور ولا يهمّه إن تغيّب عن طلابه لأسبوع وغيّب عنهم
المحاضرة إن هو حضر وأخذ يتلو عليهم قصّة حياته ويعرض عضلاته؛ حتى إنّك لتتعجّب من
ضعفه العلمي وتتساءل من أين له بشهادات كهذه وكيف ترقّيه الجامعات، ينبض قلب
الطالب بقوّة وترتعش يداه قبل أن يطرح عليه سؤالا ويسقط قلبه وأحيانا علامته إذا
ما تقوّى وناقشه في فكرة. إنّه أبو الشهادات؛ بأيّ طريقة نجح في تحصيل الرتب وبهذه
الطرق فشل في فهم قوله صلى الله عليه وسلم من تواضع لله رفعه الله ومن تكبّر وضعه
الله.
وذاك طبيب آمن أنه النخبة وأنّه الأصل والباقي
شعبة تجده في المستشفيات بلا خلق، يختال في مئزره الأبيض متحوّل اللسان متكبّرا فخورا
وكلّما رآه المرضى تفاقمت أمراضهم وارتفع ضغطهم وهم يحسبون ألف حساب قبل أن
يستفسروا عن أمر صحي أو من هول حادثة مرّت عليهم معه وكلمّا ذكر اسمه كلما تعالت الدعوات
عليه!
وهذا كاتب كتب سطورا حكم
عليها المطبّلون والمتعاطفون بالجمال، فاعتقد أنّه الشمس إن هي سطعت والناس من
حوله كواكب فتجده يجمع القراء من حوله ليصنع اسمه فإذا ما شاع نسى أن ذلك الجنين
من تلك البويضة وتلك البويضة بتلك النطاف فمن أراد وصله لم يصل ومن تواصل معه مثلا
في وسائل التواصل الاجتماعي وشاركه تعليقا تجاهله بينما تفاعل مع غيره، فالأول لا
يملك صفة كاتب أو شخصية مشهورة؛ خيوطه عقيمة والردّ عليه مذلّة للنفس وإنقاص للقيمة
حتى وإن كانت الفكرة واحدة ولربّما أجمل؛ المهم أنه بلا منصة ولا منبر وهي فرصة
الشمس الساطعة لـ"تتعنتر" مثله كمثل العنكبوت تدعو زوجها ليلقّحها وما
إن يفعل تتخلّص منه وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت!
هي ثلاثة نماذج لأنواع من
البشر غرّتهم الدنيا بألقاب ورتب جهلوا أن الناس متعطشون للمتواضعين في زمن تكبّر
فيه كلّ شيء ولو أنهم عقلوا لتواضعوا وارتفعوا حقيقة لا وهما، تليق بهم الأبيات
الأخيرة من قصيدة العشماوي الجميلة "ريحانة القلب" التي قال فيها:
قد يعشق
المرء من لا مال في يده ويكره القلب من في كفه الذهب
حقيقة لو
وعاها الجاهلون لما تنافسوا في معانيها ولا احتربوا
ما قيمة
الناس إلا في مبادئهم لا المال يبقى ولا الألقاب والرتبُ
ما لا يدركه البعض هو أنّ
طريق الشهرة محفوف بالفقد والمعاصي بقدر ما هو مزيّن بالكسب والمحاسن والوعود، ففي
الوقت الذي يحلم فيه البعض بصناعة اللقب وتثبيت الرتب والفوز بالشهرة يقع في شرك
خسارة المبادئ. وكم من حالم لم يبلغ حلمه إلّا عن طريق التنازل وليس كلّ تنازل
محمود. وكم من طموح لم يصل إلى طموحه إلّا بالتطبيل والتملّق، وما من شيء يسعى
إليه المرء في حياته إلّا وقد دفع ثمنه فما أقبح أن يدفع الأغلى مقابل الرخيص
فتصبح قيمه تذكرة وتتحول مبادئه إلى صكّ. وقد ينتقل البعض من الشعور بعقدة النقص
إلى جنون العظمة فبعد أن كان يحتقر نفسه يتحول إلى احتقار غيره وبعد أن كان يعذب
نفسه بمشاعر الدونية ينقل هذه الأخيرة إلى غيره حالما يحصل على التعويض ويبني
شخصيته بالأنا المهدمة التي كانت سببا في معاناته وانخفاض تقديره لذاته يوم كان
يقارن نفسه بالآخرين فيستاء منها ومن نقصها. وفي الحقيقة هناك من يصنع الحدث وهناك
من يصنعه الحدث، هناك من يخطّط للشهرة وهناك من تسقط عليه هكذا دون سابق إنذار،
هناك من يكرّس السبل والمناهج لينالها فتجده يتفنّن في جذب الأنظار ويركض خلف
الأرقام الكبيرة ويغرق في هوس الأضواء وهناك من تلبسه دون أن يناديها.
مثلما يجوع البطن تجوع
النفس، وكما أنّ الطعام الحرام مضر بالصحة فإنّ طرق تعويض النفس وتغذيتها الخاطئة
مضرة بها، فللكسب قواعد تفرض مراعاتها وقوانين وجب الالتزام بها وحدود لا بدّ من
احترامها وعدم خرقها فإذا لم يفلح الفرد في ضبط نفسه وتأديبها وتربيتها وترويضها
تحوّلت إلى عدوّه الأول، العدو الذي يأتيه في ثوب جنون العظمة فيملي عليه الوساوس
ويضخّم له الأنا ويسقط ما فيه من سلبيات على غيره وما توصّل إليه المأمون في قوله "ما
تكبّر أحد إلّا لنقص وجده في نفسه ولا تطاول إلّا لوهن أحسّه من نفسه" هو خير
تحليل وتلخيص لهذه الحالة، فكم من متكبر هو في الحقيقة مريض نفسي يدفعه الشعور
بالدونية لاحتقار غيره وكم من متطاول ليس تطاوله إلّا رداء يتستّر به عن ضعفه.
وضع الله ميزانا واضحا
للتفاضل بين الناس اسمه التقوى وكلما سقط ركن من أركانها سقطت معه الأفضلية فيضع
الله على إثرها الذين ظلموا أنفسهم؛ التقوى التي تفرض عليهم اتّباع الحق وترك
الباطل، تأدية الفروض واجتناب المعاصي فما أعظم معصية التكبر. لقد رزق الله كلّ
فرد شيئا يميّزه عن غيره في شخصيته وجعل الحياة تعارفا وتقاسما وتشاركا وتكاملا
بين الناس فلم يعد الطاهي والفلاح والنجار والرياضي أقلّ شأنا من الأستاذ والطبيب
والمهندس ولعلّ هذا ما أثبتته نظرية الذكاءات المتعدّدة لهاورد غاردنر قبل أزيد من
ثلاثين عاما؛ فعرّفت كلّ فرد بقدراته ولا زال البعض يعتقد أنّ الرتب والألقاب والشهادات
والجماهير الكبيرة هي أداة التعريف التي تجعله أفضل من غيره فينتفخ ويتكبّر
ويتجبّر!
لا أجد خلاصة لما سبق أجمل
من أبيات الشاعر إذ قال:
إذا
امتلأت كفّ اللئيم من الغنى تمايل إعجابا وقال أنا أنا
ولكنّ
كريم الأصل كالغصن كلّما تحمّل أثمارا تواضع وانحنى
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire