بقلم: حياة بن بادة
هو عالم متجمّل بقبحه يا
يحي، الناس فيه لا يختلفون في فصيلة الدم فحسب بل حتى في فصيلة الألم، كلّ يتألّم
حسب ظروفه وبطريقته، كلّ يوزّع قلبه وفق ذوقه ومصلحته، هناك من يتألم للونه وهناك
من يتألم لقبيلته، وهناك أفراد بنكهة هيئة عالميّة تنتفض لشخصيّة، وحدها أقلام من
قلوب أصحابها الدرّة كقلم أمّك الحرّة تئنّ لأجل قضيّة، لأجل حريّة ولأجل البقيّة،
قلم من فصيلة الألم الكريم تعطي للكلّ ولا تأخذ إلّا من بعضها البعض. هو هكذا العالم
ينتفض حسب نظام طبقيّ ويا ليته انتفض لأجل عينيك يا بنيّ! ألا يا يحي خذ الغياب
بقوة فنحن من آتيناك الهمّ صبيّا!
تحاصرني العيون البريئة،
العيون العزيزة، كما لم تفعل بدا فينشي عيون السيّدة ليزا، أحاول رسمها في بضعة
سطور؛ تارة على مهل وأخرى على عجل، أحاول وصفها بالحروف فأفشل، ليت شعري هل يُرسم
ذاك الكمّ من الخيبة والحسرات، ليت شعري هل تُكتب تلكم النظرات، هل يُخطّ ذلك
العناق الأسير، هل يُصوّر ذلك الذراع القصير؟ وأيّ الكلمات تصف عيونا لم تفهم
شيئا؟ وأيّ الكلمات تعبّر عن ضمّة فجائية؛ تشبه الوصيّة، لم يُجعل لها من قبل
سميّا!
نزّلنا العيون يا يحي،
تغزّلنا فيها ببضع دمعات، ببضع كلمات، بشيء من الغضب، بوابل من الكذب ثم نسينا،
وإلى سلامنا انتهينا. غلّقنا أبوابنا، على الأسرة سلّمنا وعلى الأسرّة استلقينا
مطمئنّين لكوننا شاركنا بإعجاب حزين وتعليق بَدِين وقّعناه بأسامينا، واسيناه
بأغانينا (مسكين ومسكينة). كالحفلة تلك العيون حضرناها، قطّعنا حلواها وتشاركناها!
ثمّ غادرنا..
نزّلنا العيون يا يحي،
عزّيناك في أمّ حيّة، طُوّقت بجنود مدجّجين بالسلاح، معصوبة العينين سيقت إلى حيث
لا يطلّ الصباح وحيث الظلم يستباح، إلى رحلة العذاب، إلى محاضر الحساب؛ إلى زنازين
العقاب، سيقت هي الحرّة بلا هوادة وظلّت عيناك تسأل لماذا، تنادي ماما! لم نتفّق
على هذا!
في بيوتنا يا يحي توجد أمّهات؛ تطبخن الطعام،
تغسّلن الثياب، ترتّبن البيت، تجمعن ما تشتّت منّا في المساء، تترأسن مائدة
العشاء، تسهرن عند رؤوسنا وقت المرض، ترفعن أذان الصبح في الآذان، تحضّرن معنا
الدروس، تصوّبن لنا الخطأ، تتألّمن من ظهورهنّ، تشتكين من مفاصلهنّ، وتغضبن حين
نتمادى في العناد. تجفّفن دموعنا حين تسيل، تعلّقن فساتينهنّ على حبل الغسيل،
تنثرن عطورهنّ في الدار، تنشرن أصواتهن بالجوار، نخرج معهنّ في مشوار، نقبّل جبينهنّ
وأيديهنّ في الأعياد، وإذا خرجن من البيت صبحا فلهنّ إليه مساء عياد. حاضرات ولو
بفستان مبلّل يقطر في الفناء، ولو بطبخة لذيذة تسبح رائحتها في الفضاء. لنا في
بيوتنا نعمة يا يحي فكيف نشعر بمن فقد النعمة؟ في بيوتنا أمّهاتنا يا يحي فلم حتى
ننتفض لأجل أمّهات أسِرن في سجون بني صهيون ومن حذوا حذوهم في أماكن أخرى من
العالم؟! أنت يا يحي موجود في كلّ مكان من العالم، ممتد اليوم أنت من فلسطين إلى
الصين، ولا زال العالم يأبى أن ينتفض دون انقطاع لأجل عينيك!
التهمة حيازة سلاح الدمار
الشامل الذي يسمّيه المعجم قلم، ينقل الأكسجين والغذاء لجسم الأوطان المترهّل،
يحاول في كلّ دورة تخليصه من السموم، علّه يتنفّس، علّه يحيا، علّه يقوم. التهمة
ورقة، فالأوراق هي من قسّمت الأرض وهجّرت المظلومين من مساكنهم، وجوّعتهم، وللسجون
أرسلتهم ومنهم من قُتل ومنهم من فوق الأرض قُبِر ومنهم من ينتظر. حتّى أنت متّهم
يا يحي؛ متّهم بحيازة أمّ على الحقّ لم تتكتّم وها هي في الأسر تتألّم، فهل يدرك
هذا العالم وهل يعلم كيف يكون هناك الألم، هل يدرك هذا العالم وهل يعلم كيف تعاني
هنالك الحرائر من ياسمين شعبان إلى لمى خاطر، وأمل وسهى وميسون وروان ومرح وإسراء
وشروق وملك وأنسام وشاتيلا وآيات وفدوى وعبلة وصابرين وغيرهنّ من المؤمنات
الصادقات الصابرات المحتسبات الطاهرات المرابطات القويّات الطيّبات والصانعات
أحرارا!
أمّا أنا فلم أنسَ ولن أنسى
وسنشرق من الجزء الذي لا ينسى أيّها الاحتلال، سنُصنع من الجزء الذي لا يبلى، من
القطعة التي لا تفنى، من الوجع الذي ما أمات بل أحيا. مشوار الحرّة لمى خاطر "فكّ
الله أسرها وأخواتها وإخوانها" أيا بني صهيون بدأناه منذ الطفولة، كتبنا
فلسطين في قصائدنا، مثّلناها في مسرحياتنا، غنّيناها في أناشيدنا، قرأناها في
كتبنا المدرسية ورتّلناها في أدعيتنا اليومية، طهّرنا بها دفاترنا البريئة، لوّنا
بها أقسامنا، وجدناها ممزوجة في تاريخنا، معلّقة في قلوبنا، مرفوعة على رؤوسنا،
مقدّسة، معزّزة، مكرّمة، فمن ذا ينسى حبّ الطفولة؛ شغفه الأوّل وقصيدته الأولى؟ فلسطيننا
التي تحتلونها، الأرض التي ليس لكم فيها شبر، الأرض الممزوجة في الحبر ومن هنا
سنتمّ المشوار. سنكتب بالقلم، بألوان الرسم، بخيوط القزّ، بالعيدان الخشبية،
بالطين، بالحبّات الترابية، بالدماء، سنكتب فلسطيننا العربية. وكلّما نضجت جلود
قلوبكم على صفيح نار أقلامنا زدناكم أقلاما وبدّلناكم جلودا غيرها، لتذوقوا العذاب
وتلوذوا بالانسحاب، سنكتبها بحجم الحقّ وبقدر الألم، وعقدنا العزم أن يحيا القلم.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire