lundi 31 décembre 2018

لا تزال في خاطري أرجوحة!

بقلم: حياة بن بادة


إنّها تمطر، كأنّها قلبي، يبكيك زخّة، زخّة، يحاول آلامه لترخيه فما استرخى! إنها تمطر كأنها أنا، الطفلة التي ألبستها عمر السنة، الطفلة التي كانت هنا؛ تكتب قصّة تشبهنا.. أَمَا وقد صرنا، أَمَا وقد كبرنا، كيف لقصّة أن تتنبّأنا ؟! وقد كنّا وقد كان كلّ واحد منّا طفلا في لعبة يتمنّى، طفلا بالدمى يتغنّى! إنّها تمطر كذاك الشوق لم يزل يرتشف روحي على مهل، وتمطر كالأمل؛ ذاك الذي لا ينتابه الملل، وتمطر كالحب وكالحروب، كالحزن الذي لا يذوب! وتمطر كالذكرى التي لا تتوب! وتقبل وتدبر كطفل يخاف؛ تائه بين حضن ولحاف. وتمطر حزنا وتمطر فرحا وتمطر لتعتب وتمطر لتُتعب وتمطر لتواسي وتمطر رغم المآسي. إنّها هكذا تمطر!
وبين تلك الزخّات خبّأتك، غذّيتك واعتنيت بك، أنا التي لم أفارقك يوما، أنا التي لم أكفّ يوما عن صيد حبّات المطر بثغري، أنا التي كفلت صغار الغيم وضيّفتها في حضني ورقصت معها ودندنت لها أغانٍ فيروزية كلماتها من شتاء وألحانها من رثاء. أنا التي لطالما ركضت خلف الندى  لمطبخ من سراب، تعدّ فيه الطبيعة طبقا من مطر وتراب؛ لا أزال في داخلي ألقاك، ألقاك رغم العذاب!
على هذه الأرض يا طفلي لم يتركوا روحا مثلك تلعب، ولطالما غسّلوها بالتعب، لهذا كنت أهرب بك خارج الحدود، هناك فقط يمكن لإنسان في العشرينات من عمره أن يتعرّى من ثوب الكهولة ويعود معك لبيت الطفولة. هناك يمكن لإنسان في العشرينات من عمره أن يمارس طقوس البراءة ويعيد رسم أحلامه في دفتر القراءة؛ ولو عبثا.
هو الشتاء عاد من جديد يملأ الحيّ الغريق، أجوبه رفقة الأمس يا صديق، أعانقه بقلب شاعر لم تتبق منه إلّا المشاعر. كبرنا يا طفلي كالأحلام، كبِركة لقّحها السحاب، كذاك العذاب، كذاك الظلام الذي ما فتئ يعانق المدن، بعدنا كالسلام، تضاءلنا كالكلام في حضرة المحن، كمواطن في عين وطن، كبرنا ككتاب عفا عليه الزمن لم يزل فينا شابا، نسقيه بالأمل شرابا، نطعمه النفس والبدن، يتمايل بين الورى نشوانَ يجهل ما جرى، وكلٌّ فينا يجري وكلٌّ فينا يسبح كما يسبح معطف كهل في طفل لا يدري ما يفعل، كبرنا كجرح استفحل، كبرنا يا طفلي كبرنا وها هو العام يرحل.. كبرنا ولا تزال في خاطري أرجوحة!
كبرنا يا طفلي نعم، وكبر معنا هذا القلم، لم يعد يكتب قصائد بريئة تتنقّل بين عشق نُسيمات الريف وحبّ الوطن وسحر الطبيعة، حتى القلم جنّدوه للحرب وجرّعوه الكرب، لكن أترانا مسحنا فعلا بمنشفة الحروف دموعا على خدود سالت؟ أترانا أقمنا بها قلوبا مالت؟ أترانا شحنّا بها أنفاس من نهوى، أم هناك من سقط منّا سهوا؟! كبرنا يا طفلي أجل ولا تزال شائقا لأرجوحة! أسمعك تغنّي من أعماقك مع حمزة نمرة:
"وياه لما الحنين بياخدنا لمرجيحة بتحضنا..
وياه وبتعلى فوق سور بيتنا تاخدنا الفوق وبتسعنا..
نلاقي الطفل جوانا عنيه بالفرحة مليانة
وضحكة مش مفارقانا في بشرة خير لأيامنا..
يا ريت ترجع ليالينا تاخذ تاني أيادينا
تجمعنا تخلينا نشوف من تاني قدامنا
وآه لما السنين بتعدي وتسرق منّا أحلامنا"
تمضي السنوات فعلا! وتخطف معها شيئا من أحلامنا هنا، ولا زال الطفل فينا يثرثر، لا زالت تغريه قطعة سكر، لا زالت تحرّك وجدانه أغنية، لا زال يبتسم لأمنية. لا زال الطفل فينا يرتكب الحماقات، لا زال يتحدّث بعفوية، لا زالت تغريه هديّة، لا زال أوّل من يستجيب لطرقات الباب، لا زال يقفز من سور الشباب؛ يفاجئنا بخروجه في أوّل مصادفة للحزن، والفرح، والجمال، يتعلّق بسرعة، يُجهض على الملإ دمعة، يجذبه الخروج في مشوار، يميل لأطفال يلعبون بالجوار!
 إي والله لا تزال في خاطري أرجوحة، تأخذني منّي لنفسي، تحملني، تُسعفني، تنقذني ولو للحظات من قبضة الدنيا وما فيها، تنسيني مآسيها. ترسلني دون جواز سفر من الجنوب إلى الشمال، تلملم ما اندثر من الآمال، تطلق سراح الضحكات، تعيد ترتيب الأمنيات. تفتح شبابيك الروح وتنفض ما علق فيها من غبار، تلفظ ترسبّات نشرة الأخبار، تنسيني عالم الكبار!






Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire