samedi 18 avril 2020

وآفة الحب الخذلان

بقلم حياة بن بادة


حينما دقّت باب قلبه لم يكن سوى طالب جامعي، قبلها كانت الأمور على ما يرام، كان هنالك متسع لبلوغ المرام، ووقت كاف للدراسة بتفان والتفكير في الحياة بإتقان. أحلامه العذراء هي التي فصلته عن قصص الحب وفصّلت له حبّ الطبّ. لم يكن يشبه أحدا من أقرانه حتى أولئك الذين سمّاهم المجتمع نخبة، وحده كان النخبة. كان مميّزا وموهوبا.
شاء القدر أن يلتقيا في إحدى الأمسيات الشعرية التي نظمتها إحدى الجامعات، وأن تلقي هي قصائدها الجميلة أولا. لقد كانت بارعة جدا، أنيقة وفنّانة ترسم الكلمات بدقّة، تلوّن الحروف بثقة، تشبهه في الإحساس، لها حضور يحبس الأنفاس، تختلف عنه في ميزات عدّة، شخصيتها حبلى بالصفات التي اختارها بشدة ولطالما وضعها لشريكة حياته عندما كان طالبا في سنواته الأخيرة من الثانوية وسخر منها الرفاق.
جاء دوره لإلقاء القصيدة، خرجت لترد على مكالمة هاتفية في تلك الأثناء ثمّ عادت لتجده على المنصة.. شيء منها في تلك السطور وربما الأشياء جميعها، "يا إلهي كيف يكتبني رجل بهذه القوة وهو لا يعلم أنّي لوحة القصيدة التي يلقيها الآن! غريبة هي أيامنا هذه.. حقا غريبة" أخذت تحدّث نفسها ودقات قلبها تنبض بتفاوت مبين.
أسدل الستار على تلك الأمسية دون أن يحدث لقاء بينهما. انصرف كل واحد إلى جامعته فاختصاصاتهما كألوان عينيهما مختلفة وكانت تدرس الإعلام. فكّرت هي فيما قرأه.. سرحت قليلا في خيالها ثم أطلقت سراح ابتسامة منكسرة كانت تراود وجهها عن نفسه وقالت في سخرية "أنا آخر من يلتفت إليها شاب كذاك." لكنه في تلك الأثناء كان يكتب اسمها في محرك البحث على الفيسبوك..
صار من السهل أن تعثر على شخص يثير إعجابك اليوم فوسائل التواصل الاجتماعي أتاحت للكثيرين فرصة الوصال بعد أن جادت المسافات بالانفصال.
كانت تدير صفحة عامة تحمل اسمها على الفيسبوك فاختار أن يضغط على زرّ الإعجاب ويصبح واحدا من متابعيها.. لم تتعرف عليه فهي تجهل اسمه، وكان يتواصل معها باسم مستعار.
تلك الصفحة التي تنشر فيها وجهات نظر شخصية لم تكن صفحة شعر وأدب وفن فحسب بل ضمت السياسة والدين والإنسان.. كانت مميزة بكل ما تحمله الكلمة من معان. مميزة لحد جعله يشاركها بقوة أفكارها ونقاشاتها في التعليقات والرسائل التي أثارت اهتمامها ولم ترد عليها حتى تفنّن في جذبها.
صار الفيسبوك متنفسها كونه يسمح لها بلقاء إنسان بدا أنّه يشبهها، وفي الوقت الذي أخذت تفكّر فيه بالردّ على رسائله، كان هو يناقش مع نفسه قرار الابتعاد عنها ونسيانها، ففتاة في ذلك الحجم لن تكون إلّا من نصيب فتى في حجمها ولا يجب التعلّق بها.
قبل أسبوع أعلنت في منشور لها عن غياب لمدة أسبوع تتفرغ فيه لامتحاناتها، وبالرغم من صعوبة اختصاصه الطبي قرّر أن يواصل الإرسال وأن يستمرّ في تحيّتها وزراعة حقل من الكلمات الجميلة حولها.. كانت تقرأها كل ليلة وكم كانت تشجعها على المضي قدما وتشعرها يوما بعد يوم بالتميّز وتحفزها على الإنجاز. ويوم تفرّغت من الامتحان الأخير أرسلت إليه تشكره على كل رسالة خطّتها أنامله.
في الجهة الأخرى من العالم الحقيقي جلس هو يحضر امتحان الغد فإذا برسالة ترنّ من حيث لا يحتسب، فبهت ولم ينطق. ومن فرحته أخذ يكتب كلمات لم يعد يذكر منها سوى عبارة "لا أكاد أصدّق". هي أيضا اعترفت له بأنه مميّز واكتفت بالرد على رسائل مهمة تصل منه والغرق في أخرى تكشف مشاعره المبطنة نحوها. هذا الحب كان لوحده كفيلا بأن يحوله إلى بطل، لما يحمله من شحنات تشجع على الإنجاز، فقفز إلى الرتبة الأولى في دفعته.
في عالم الفيسبوك يحدث أن يشارك مشرف على صفحة ما منشورا لأجل شخص واحد ففي الوقت الذي يهيم فيه المتابعون في التأويلات يفك شفرته اثنان ولطالما أسهمت هذه الطريقة في تعزيز شحنة المشاعر ودفع عجلة الحب في القلوب، فلم يكن يعتريه شكّ أن فتاته التي لا تعرف عنه إلّا ما رواه عن نفسه لا تبادله الحبّ. "لو وقف العالم بأسره ضدّي، متأكد أنا أنها لن تتركني وحدي ولو رفضتني فتيات العالم متأكد أنها ستقبلني ولو كرهني العالم متأكد أنا أنها تحبّني" هذا ما كان يردّده ويؤمن به يقينا. كانت تهوى أغاني عمرو دياب، وكانت أغنيته "أصاد عيني" رسالتها له التي أوثقتها في منشور جعله يتأكّد من مشاعرها نحوه.
كل الإشارات كانت تقول إنّ هذا الحبّ الذي لم يعرف الواقع لواقع وإنّ اللقاء بات قريبا، حتى جاءت سنة تخرّجها وقد سبقته بعام، فقضاء أربع سنوات في مقاعد كلية الإعلام بعيد كل البعد عن سبع سنوات في كلية الطب، هو لا يزال يجاهد في عامه السادس، فاختار الانقطاع والتفرغ لما تبقى من ارتباطاته الدراسية والعمل على تكوين نفسه بقدر يجعله قادرا على التقدم لها بنية الزواج.
بعد عام انضمت لإحدى القنوات المحلية واشتغلت كمذيعة أخبار ذاع صيتها مع أوّل ظهور لها وتخرّج هو برتبة دكتور في الطب العام. وفي الوقت الذي كان يضغط فيه على نفسه لتأمين حياة تناسبها ويرتّب نفسه للقائها هاجرت إلى أوروبا للعمل في إحدى القنوات الدولية. كان آخر من سمع بخبر هجرتها تلك وأكثر من حزن على فراقها وهو الذي لم يقابلها يوما وجها لوجه، فأرسل لها يهنئها ويرجو لها حياة سعيدة، لكنها لم تردّ حتى إنّها قرأتها وضمتها لقائمة الرسائل التي لم تقرأ.. كان فتى قويّا، غير أن الكتمان تغلّب عليه وتحوّل فجأة مع القهر إلى ضغط دم مؤقّت أرقده ليلة في المشفى، هو إنسان قبل أن يكون طبيبا.
تقول منشوراتها إنّها حملت حبّه معها، ذاك الحب الذي عجّت به سطورها وانتبه له جمهورها. لكنه قضى نصف العام ينتظر ردا فلم يرد منها شيء بل كان يقرأ لها منشورات عن حب أوروبي أتبعته بمنشورات تنتقد المعجبين من حولها وتضع صفات لرجل أحلامها، صفات أجزم أنها لا تجتمع فيه ولو ادّعى عكس ذلك لكان مغرورا مصابا بمسّ فخاب ظنه فيها ودخل في اكتئاب باسم. أيكذّب قلبه وحبها أم يصدقه؟ أيكذّب رسائلها المبطنة ومنشوراتها الواضحة أم يصدقها؟!
عاد هو ليكمل دراساته العليا في الطب ويصبح طبيبا مقيما متخصصا في أمراض القلب في بلده الفقير. وأشرقت هي في الضفة الأخرى من العالم كالشمس واختفت عن صفحة الحب التي كانت. وأخذ هو يحوّل أحلامهما التي رسماها في منشورات للإنسان إلى واقع وظلّ مهتمّا بقضايا الوطن والأمة، يحمل همّهما وينشط في الجمعيات الخيرية، بينما أخذت هي تملأ حياتها بمهنتها الشاقة تارة وتتمتع بالعيش الأوروبي تارة أخرى وفي كل طور وموسم أخذت تتقشّر وتتغير. صارت لا تمتّ بصلة للفتاة التي كانت عليها قبل سنوات!
عادت ذات مرة لأرض الوطن ورافقت فريقا من الأصدقاء لتغطية مؤتمر في الصحة فشاهدته، كان نفسه الشاب الذي ألقى قصيدته ذات أمسية وقد طابق اسمه اسم الشاب الذي عدّته حبّها الأول يوم كانت في بداية عشريناتها، فانذعرت واعتذرت وعادت أدراجها، لكنّه لمحها بعينيه العسليّة وهي تغادر القاعة فتأثّر بذلك. كان شابا أسمر وسيما طويل القامة، ممزوج شكله بين رجل غربي وآخر عربي عزيز النفس قوي الشخصية.
ما الذي يا ترى يمنعها من الارتباط بشاب يحبّها وتتوفر فيه من الشروط ما تحلم به ملايين الفتيات عبر العالم وأكثر، ما الذي يمنعها من الارتباط بشاب خلوق مخلص صادق لا زال في بداية الطريق، علّقته بها جدا وكثيرا والتقطته بردّها على رسائله من درب العودة إلى نفسه يوم قرر الابتعاد، أيّ أنانية هذه؟. "لو اختارني العالم كشخصية الأكثر تميزا في المجرة لما اختارتني هي زوجا" هذا ما كان يحدث به نفسه.. ثم أردف قائلا: "الحب ليس بالغصب نعم لست ابن رجل ثري ولم أدرس في أوروبا وما أنا بأشقر، ولست شخصية مشهورة وعزائي أني مقتنع بذاتي وكرامتي أولى من أي اعتبار.. لن أبحث عنها مجددا وسأبني مجدي لنفسي وبمفردي".
كذب العاشقون وإن صدقوا فهو لم يستطع على حبها صبرا وأخذ يراسلها مجددا واكتفت هي بالقراءة دون الرد، بل اكتفت بقراءتها وإتلافها في سلة الرسائل التي لم تقرأ وكان يلاحظ ذلك في كلّ رسالة.. ويوم ردت استفتحت السطر الأول بكلمة أخي.. الكلمة التي يخشاها ويكرهها الذين أحبوا من طرف واحد ففهم مغزى الرسالة.. "نعم لم تكن سوى أخوة في نظرك هذه الـ "أخي" التي طعنتني كالخنجر.. لماذا تأخرتِ في قولها.. لماذا علّقتني بك، لماذا فتحتِ أبوابك على مصراعيها بنية الفراق؟."
مرت سنوات بعدها.. سنوات قضاها يقسّم فيها نفسه وجسده الآيل للنحافة يوما بعد يوم بين الطب والعمل في المتاجر وورشات الحديد والبناء تارة ومحطات الوقود تارة أخرى، ليؤمنّ ما يكفيه لأجل بلوغ أحلامه كما كان يفعل وهو طالب، فهو لم يكن من عائلة ثرية يمكنها أن تغطّي تكاليف دراسته وأيّ اختصاص كان هو الطبّ! لقد كان ينتمي لأسرة مكافحة بالكاد تصلح للعيش سوى أنّها غنّية من التعفّف ومحافظة وحالمة في الوقت نفسه، جلّ أبنائها عباقرة كأن الحاجة هي التي سهرت على تزويد عقولهم بالذكاء.. ومثلما نجح في اجتياز سنوات الطب بتفوّق، نجح في تأمين تكاليف منحة لاستكمال دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، فاجتهد في الطبّ وتألق في اختصاصه وصار له برنامج طبي في إحدى القنوات حتى ذاع صيته.
تزوجت هي من زميل لها كانت تراه قبل الزواج مثالا للرجل الذي سيحتويها ويعليها لكنها سرعان ما اكتشفت أن لا توافق بينهما وأنّ المظاهر خدّاعة، وأن حياتها مهددة بالكره والملل والندم.
لم تكن تعلم أن خاتم الارتباط الذي وضعته في إصبعها جفّف القطرة الأخيرة من حبه لها، فقطع كجهيزة قول كلّ خطيب وجعله يؤمن إيمانا بالمقولة الجزائرية "لي مش ليك يعييك" أي يتعبك.
شاء القدر مرة أخرى أن يلتقيا لكنها المرة الأولى التي جمعتهما وجها لوجه، كانت أمسية جميلة في إحدى المدن المصرية التي حلّا بها سائحين بالصدفة، وحدث أن كانت تلك المدينة تستعد لحفل يحييه المطرب عمرو دياب وقد حجزت تذكرة لحضوره. كأنّه كان يعلم أن عمرو دياب هو من سيكون سببا للقاء، كأنّه كان يدرك أن حفله هذا سيسوقها إلى مصر في تلك الأيام، كأنه كان يقرأ خارطة رحلاتها ويخطط للقاء فعلي بينهما، لكنه القدر، مواقف تأتينا من حيث لا نحتسب.
وقف كل واحد منهما مستغرقا في ملامح الآخر، أحيا ذلك اللقاء عشرينات عمرهما التي ماتت، وكانت هي أضحية اللقاء.. لم يكن قلبه ينبض بالشدة التي اهتز بها قلبها وهي تحدّق في عينيه القوية تارة وبخاتم الخطوبة الفضي الذي كان يضعه تارة أخرى، لو كانت ضربات القلب تقاس بسلّم ريختر لسجلت أعلى الدرجات عليه، تلك الدرجات التي تؤدي إلى كارثة.. بادرت هي بالتحية، فالتحية في الحب عادة ما يبادر بها الخاسرون والخاذلون وكانت في عين نفسها أكبر خاسر وخذول..
 لم يعطها فرصة لتتوسع في الحديث وبادر بإنهاء اللقاء المفاجئ على عجل، فخاطبها وهو يغطي انكساره بابتسامة "الهضبة على وشك أن يعتلي المنصة الآن.. أذكر أنك من عشاق أغانيه" في تلك الأثناء ناداه صديقه على بعد بضعة أمتار فحيّاها وانصرف غير آسف عليها.. كان قبل أن ترتبط برجل غيره يتوعد نفسه بالاستفسار عن كل لحظات الجفاء التي عاملته به عندما يلتقيها وجها لوجه، لكن يستحيل أن يتعدّى حدوده وقد صارت ملكا لغيره، فكلّ شيء انتهى ولا يجب أن يلتفت إلى الخلف.
 وبخطى متثاقلة وقلب متهرئ لا زال مع عينيها المخضرّة يقتفي أثره التحقت بالحفل وهي تردد في نفسها تحاول أن تواسيها "لا بأس بحفلة شواء لا بأس بحفلة شواء" لكن عمرو دياب اختار لها أمسية من عزاء لا تشبه تلك السعادة التي غمرت الفتى يوم منّته بأغنية "أصاد عيني" قبل سنوات، وها هو عمرو يستقبلها الآن بأغنية "أنا مش أناني" ملخّصا فيها ما لم يقله الشاب المخذول، فخارت جميع قواها النفسية والبدنية وجثت على ركبتيها كالرضيع باكية وكبطل سابق منهزمة. وظل عمرو دياب يصدح كأيّ مطرب لا يعلم مدى الخروق التي يتسبب فيها للقلوب:
أنا مش أناني سيبتك تعيش بعدي الحياه
وفضلت مستنيك سنين واقف مكاني
متجيش تلومني ان النهارده بقى في حياتي حد تاني
كنت هفضل كل ده مستني ايه
حب ايه اللي انت بتدور عليه
بعد الغياب ده مفيش عتاب أتهز ليه
عايز الحقيقة علشان مكانك اتملى
عينيك وقلبك غيرانين وبقيت في ضيقة
انساني لو لسه فاكرني وانت ليك مليون طريقة
أيامنا راحوا مقدرش اقولك غير كده
ولا ينسى قلبي بكلمتين تعبو وجراحه
مين اللي قالك الحياه وقفت في يوم على اللي راحوا
كنت هفضل كل ده مستني ايه
حب ايه اللي انت بتدور عليه
بعد الغياب ده مفيش عتاب اتهز ليه
وبين أصاد عيني وأنا مش أناني ذاب ذلك الحب الغامض!
أمّا هو فوقف أمام المرآة يراقب عينيه وشيء من الحزن يخالج نفسه، ثم جلس يطل على الماضي من شرفة الغرفة بالفندق وأخذ يكتب لنفسه يعزيها:
"كنقطتين في إناء حرف التاء محصورة، كغيمة في كأس الأرض معصورة، كامرأة في البيت مقصورة، كحجرة معزولة سمّوها مقصورة، كجدار أبكم تثرثر في صدره صورة، تجلس عيناك في كرسي الاعتراف مكسورة، كل ما فيها مغري، كبلاد عربية تسرد واقعها المزري، وكالمذكرات في صفحات الكتّاب مأسورة، تجود مشاعر ممّا يتخيّرون، وحروف ممّا يشتهون، وكل ما تشتهيه أنت؛ أن تعود الأحداث من حيث أتت، وكل ما تتخيره أنت؛ أن تستعيد أشياءك من غرفة اهترأت، كنت تحسبها إلى الطهر انتهت، فإذا بها انخدعت وبالخذلان تأذّت. أجليتَ الغرفة يا هذا؛ ولا زلت تتساءل لماذا، لماذا يخون الناس لماذا؟
هي القلوب يا صديقي إذا ما زلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها، أحزان ودموع رهيبة، وخيبة تتلوها خيبة، تعيد تشغيل النهايات العجيبة كلما تملكتها ريبة وأخذت تحاول تكذيب الحقيقة، مجددا تحاول تقليب الوهم وتصديقه ولو لدقيقة، تتحايل على اللحظات الكئيبة تلك التي اشتعل لأجلها شعور القلب شيبا!
هي الروح يا صديقي حين تُرجّ فينا رجّا لتصفعنا، وتزيل مفعول التخدير عنّا؛ ذاك الذي جعلنا نشدّ يد الخيال حتى أرْدانا مخاذيل؛ نذرف الدمع خفية على صدور المناديل، كأن الحياة لتوّها فينا دبّت، وما قبلها موت ما كنا نشعر به لولا الخيبات التي هبّت. هي الروح التي أهديتها يوما للذين قالوا إنهم متجهون صوب حبها واحتوائها وحمايتها، فما رعوها حق رعايتها؛ يوم أحالوك إلى الرتابة ويوم قدموك قربانا للكآبة. يا صديقي من ذا غيرك الآن؛ يرتو قلبا ذات حبّ لان؟ لم يدر يوما أن آفة الحب الخذلان!
تؤلمني عيناك كلما احتالت على الصمت، تؤلمني كلما بكت، تؤلمني كلما باحت، تؤلمني ضحكاتها التي ساحت، تؤلمني عيناك كلما صرّحت أنها تخاف، وكلما كشفت خباياها على كرسيّ الاعتراف. يؤلمني الحب فيها، يؤلمني الخذلان المتناثر كأوراق الخريف من مآقيها. تؤلمني وسادتك التي جاعت، تؤلمني غفوتك التي ضاعت، تؤلمني الأحضان التي باعت والأحزان التي ابتاعت!
يا صديقي مالي أراك عاجزا عن فض الذكريات، تجوبها غرفة غرفة، تلفها لفّا، تأبى أن توصد الباب خلف النهايات، تخوّل لها رفسك، تطعمها نفسك، إنّ أخطر مكان على وجه الأرض لو تعلم هو نفسك. اخرج من نفسك إن هي اعتلّت إلى برّ الأمان، فكسر الزمان ليس له من ضمان، والنفس كلّما تسمّمت بالأسى؛ تغذى عليها الجسد، إنّ النفوس كالنهر إن هي طابت يشرب منه الكلب والأسد، فلا تأسفنّ على ما مضى وانظر للحياة بعين الرضى. ولتنجو يا صاحبي بجسدك قبل أن يفسد.
 إنما البشر كالكيمياء، مركبات ومخاليط وغازات وماء، حب وكره وخذلان ووفاء، أفراح وأتراح، نسيان وتذكّر، مرّ وسكّر. ولكلّ واحد منا صيغة كيميائية تدعى ذات، يتفاوت فيها عدد الذرات، هناك المحبون جدا والكارهون قليلا وثلة من الأوفياء جدا وثلة من الخونة. هناك الحبلى أيامهم بالفرح والذين سوّدهم الترح. فينا التي هي بالصبر أو بالتعود صلبة وفينا التي هي بالدمع سائلة وفينا التي هي كالغاز مخفية، اكتست إطارا واتّخذت من الكتمان قرارا ومن العزلة اختيارا، ومن الناس ظلّت تتهرّب، لا أحد يشمّها حتى تتسرّب، صعب تحديد جسيمات نفسيتها وكيف تتحرك، فلتتأمّل يا صديقي وللتحمّل.."


 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire