بقلم: حياة بن بادة
"آويها
يا بيضا تحاكي القمر بالحلاه
آويها
والسمرا تحملك عن الوطاه
آويها يا
ماخذ البيضا يا سعده يا هناه
آويها يا
ماخذ السمرا يا ويله يا شقاه"
هي ترانيم تزفّ على نغماتها العروس في بلاد الشام،
تمدح جمالها وتركّز على لون بشرتها الأبيض الجذّاب، قرأتها قبل عشر سنوات وأنا في
رحلة الإبحار في تاريخ فلسطين والشام في فترة من حياتي كنت أعدّ فيها روايتي
"زمن الحرب وذكرى الجميلة" وكان لا بدّ من تجوال في عادات وتقاليد أهل الشام
الذين عشقتهم حدّ النخاع. أوّل ما وقع عليها ناظري انفجرت ضاحكة ومتفاجئة في الوقت
نفسه من هذا القصف المباشر الموجّه صوب الفتاة السمراء خاصة وأنّني سمراء.
وقبل أن أفرغ من ضحكتي المتعالية والتي عادة ما
كلّفتني إنذارا من أبي أو أخي أو حتى أمّي قرأت سطورا أخرى تقول:
آويها واحنا البيض احنا الزنبق
اللي فَّتَّح
آويها يا ماخذ البيض يا ربي عليك تِفتح
آويها يا ماخذ السُمُر يا معَثَّر يا مكرسح
آويها ويا ماخذ البيض تتمسى وتتصبَّح
آويها يا ماخذ البيض يا ربي عليك تِفتح
آويها يا ماخذ السُمُر يا معَثَّر يا مكرسح
آويها ويا ماخذ البيض تتمسى وتتصبَّح
فلم أزل ألاعب نفسيتي على أرجوحة الضحك والحيرة حتى
قرأت سطورا أخرى تمدح العريس الأسمر فغبطت أخي، وأنا التي كنت أقف صباحا أمام
المرآة لا لأسألها من أجمل الجميلات بل لأغنّي لنفسي قليلا أغنية كاظم الساهر هل
عندك شكّ؟ وفي الحقيقة لم يكن لديّ أدنى شكّ وكانت هذه الأغنية مجرد تهيئة نفسية
اعتدت القيام بها كتحفيز ذاتي يصدر مني عفويا أثناء تحضير نفسي وأوراقي للدراسة لا
غرورا، وكانت تفعل في يومي مفعول مخدّر جيّد فلا يكاد يومي ينقضي إلّا وكأني فعلا في
عين نفسي أحلى امرأة في الدنيا! حتى صارت صديقاتي ترددنها كل صباح أمام المرآة
لتجربن شعور الانتعاش الذي كان ينتابني.
ولأكون
صادقة، فقد فتحت يومها تحقيقا في نفسي أدرس من خلاله العقلية الشامية من خلال ما
قرأت، حتى إنّي أتذكّر صديقة حدّثتني ذات مرة عن عادات مجتمعها المرتبطة بالزواج فقالت
إنّ البياض شرط أساسي تضعه الأم نصب عينيها وهي بصدد الخطبة لابنها، حتى إنّ بعض
الرجال إذا ما حدّث أمّه في شأن خطبة فتاة سمراء غدا من المغضوب عليهم إلى يوم
العزوف عن ذوقه والزواج على الأصول البيضاء؛ وإن كان متيّما بالسمراء وزفّ بعد ذلك
الفقد وتلك الفجيعة مجنونا إلى عروس بيضاء. بل إنّ بعض الأسر العربية تضع زواج
الأبيض بالأسمر في خانة تكاد تكون أشبه بالزواج المثلي.. ولا زلت أتنقّل بين
الأويها والأويها لأنتقي الأنسب لزفاف بطل روايتي حتى قرأت ترانيم أخرى تنصف
السمراوات فيها ما يأتي:
آويها
نحنا السمر خوختين بعود
آويها الي
بيهوانا ما بيجيه قعود
آويها
وحياة موسى وعيسى والنبي هود
آويها
السمر حلوين ولو كانوا عبيد سود
وزارتني ذكريات سنوات مضت من طفولتي،
يوم أرسلتني أمي لاقتناء بعض الأغراض المنزلية، فأخذت أمشي في أحد الشوارع وسط
مدينتي الصحراوية المعروفة بهندستها المعمارية المميّزة، وواحات النخيل الباسقة
والجبال الصخرية السمراء التي أستمّد منها سمرتي حسب الجغرافيا، والتي اشتهرت أيضا
بطابعها السياحي الذي يستقطب السيّاح الأوروبيين بكثرة؛ فتذكرت شابا أوروبيا أشقر
كان يلاحقني بعينيه الزرقاء الباسمة مستغرقا في وجهي كأنّي معلم تاريخي أو منظر
سياحي استثنائي يشدّ أنظار رجل أوروبي بصورة تجعله ينصرف عن كل ما في المدينة من
معالم وبشر إليّ!
تساءلت يومها إن كانت تلك الملاحقات كغيرها من
الملاحقات المحلية التي لا تستحي! أم لكوني أملك فوق جلدة رأسي السمراء ضفائر
طويلة مائلة للصفرة تشبه خصلات من شعره ولطالما جعلت زميلاتي في القسم تختلفن حول
لون شعري إن كان مائلا للسمرة الذهبية أو للصفرة وحول ما إن كان طبيعيا أو مغشوشا
بالصبغة؛ خاصة وأنّي مطليّة ببشرة سمراء، هي حاصل خليط البياض بالسمار، لكنّهن كنّ
يختمن الجدال بترطيب صمتي أو استفزازه كي لا أعدّ الموضوع عنصريا وليتحققن أنّ
قلبي خال من الانكسار من خلال الاعتراف بحلاوتي. وكنت أعلم ذلك فالكثير من العيون
والألسنة قالتها لي بصريح العبارة وشاهدتها بالفعل في نفسي، فآمنت بذلك رغم ما
تواجهه السمراوات عادة من انتقاد لخلق الله في لونهنّ. كما أثبتت لي نظرات وبسمات
ذلك السائح الأوروبي والكثيرون من بعده أنّ الفتاة السمراء جذّابة خاصة إذا كانت
بملامح معتدلة وقامة رشيقة وشعر مجدول أو مموّج وابتسامة محتشمة لطالما دلّت على
الجانب الخجول في شخصيتها. في مجتمعي لم يجتمع السكّر والملح إلّا في وجه فتاة
سمراء، تلقّب سمراء بهذه التفاصيل بالحلوة والمليحة وصاحبة السرّ. ربّما هو السرّ
الذي جمع هذين العنصرين في وجه واحد صوّره الله فأحسن صورته فلم يرفع جودته بالأبيض
بل بالأسمر.
وتذكّرت كيف كان عبد الحليم
حافظ يتغزّل بالسمراء في أغنيته "أسمر يا أسمراني" والتي لطالما
ردّدها الآخرون على مسمعي، وتذكّرت المرّة الأولى التي شاهدت فيها علاء الزلزلي
وأنا طفلة لم تبلغ حتى العاشرة من العمر وكيف كان يغنّي بتلك الطريقة المميزة
أغنيته المشهورة "غارو مني غارو مني وقالولي وش عجبك فيها" ..
إلى أن يصل لقوله "هالسمرة لي غرت منها وحبيتوني باش ننساها ما نقدرش نبعد
عنها وأنا كالحوتة في ماها" وكلّي يقين أنّ الجمال أذواق فلم أتأثّر يوما
بما يروّجه البعض عن البشرة السمراء من قبح وبشاعة، فالجميل جميل ولو كان لونه من
قطران ولطالما كنت على يقين أن في المرأة السمراء سحرا خاصّا، إلّا أنّ الجمال كما
هو مؤكَّد جمال الروح.
عزيزي القارئ.. كلّ ما قرأته الآن هو ثرثرة، نعم..
لكنها في الوقت عينه صورة من صور المجتمع العربي، بل المجتمع الذي أسلم دون أن يؤمن
فنسي أنه رسم خطوط وحدود سايكس بيكو بالألوان والقبائل والعشائر والمذاهب حتى قبل
أن يرسمها كل من سايكس وبيكو جغرافيا بالورق والشجر والأعلام، ويقسماها بالخطوط
الحمراء والسكين القاطر بدماء الأبرياء، وفرّق بين القلوب في مواطن عدة ولنا في
حكايات الواقع براهين وفي صدور الناس براكين. في كل قبيلة وعشيرة عربية كان يوجد
سايكس بيكو كبير يحذو حذوه الناس حتى اتخذوه آلهة وحوّلوا وزره إلى شريعة، ولا زال
إلى يومنا هذا موجودا للأسف. سوى أنّ الأمر تلاشى بعض الشيء وصار الشباب يختارون
وفق أذواقهم لا أذواق أمهاتهم وعشائرهم وتفتح البعض الآخر على المجتمع الغربي،
فأخذ يحلم بامرأة جمالها يحاكي النجمات الأمريكيات وسيّدات بوليوود، وانتشرت قصص
عن جميلات روسيا وأوكرانيا اللواتي يحلمن ببشرة سمراء ترضي الشريك، بل وتغريه
كأنّي بالجلد الأسمر فستان عرس، رغم أن الكثير من العرائس حوّلن فستان العرس
الأبيض إلى جلد أسمر تصنعنه بعناية في حفرة تدعى "السولاريوم"، فأخرج
لنا هذا الأخير صنفا من المطربات والممثلات العربيات وخبيرات التجميل والموضة
والأزياء والأناقة والرقص بل حتى الرياضة بلون أسمر وقد خلقن بجلدة بيضاء، بينما
لم نعد ندري إن كانت السمرة لدى بعض النجمات طبيعية أم من حنايا حمام السولاريوم
الناعم، حتى صارت البشرة السمراء ببريق البرونز الجذّاب عليها موضة، بل صارت
العيون تصنع على شكل لوزة مسحوبة يعتليها جفن ممتلئ تستلقي عليه رموش ملتوية في
عيادات التجميل وتملأ الشفاه بالحقن لتمسي إسفنجا، وتشدّ الخدود بشكل إفريقي أخّاذ،
ويفتح الأنف على الأطراف.
لطالما أطلقت على نفسي اسم ابنة الشمس، فالشمس كثيرا
ما كانت المسؤولة عن تزويد بشرتي بالمزيد من الميلانين وإحداث فارق بين لون وجهي
وجسدي وصناعة تدرجات لونية تكاد تكون مزعجة لولا نعمة الماء والظل، لكنّني صرت
اليوم في زمن الغشّ أخشى أن يخطفني البعض من حضن الشمس إلى قاعة بآلاتها الغريبة،
وينسبني إلى السولاريوم كما نسبوا لون شعري ذات يوم إلى الصبغة، رغم أنّني قلت لهم
ذات مرّة إنّ أطفالي قد يحملون لون شعري ولون عيون جدتي فلا تتهمّوا القابلة
بتبديلهم إن ولدوا بشعر مصفرّ وعيون فضيّة ولا تستغربوا إن شاهدتم طفلا أشقر يشدّ
كفّي الأسمر فأصولي مختلطة!
وقالوا عنك سوداء حبشية ولولا سواد
المسك ما انباع غاليا
هذا قيس بن الملوّح المعروف بوسامته في وصفه ليلاه،
لكنني أعرف المئات من الفتيات اللواتي ينفقن أموالا طائلة على كريمات التبييض التي
استطاعت فعلا أن تقشّر الجلود إلى أجل مسمّى بعيدا عن آلة التسمير. وعن السولاريوم
أيها القارئ الكريم فهو أشبه بتابوت يحوي جثة عارية لإنسان شقي في بداية تعرضه
لحرارة القبر، وإن كانوا يشبهونه بعلبة نظارات كبيرة يعرضون داخلها امرأة تبدو
منتعشة وهي تتمدّد داخلها. إنّه صانع البشرة السمراء اللامعة التي تحظى بها
النجمات ومسك المشاهير الشهير، وهو فستان الزفاف الأسمر الذي تنفق عليه العرائس
أموالا طائلة، ورغم أنف ترانيم الأويها القديمة التي تقصف الفتاة السمراء على جميع
الجبهات، وبالرغم من كونه أيضا حمام المشاكل الجلدية التي قد تتطور لسرطان ومنشّط
الشيخوخة المبكرة ومحفّز التجاعيد، إلّا أنّ الإقبال عليه في الوطن العربي متزايد.
وفي الوقت الذي تسهر فيه امرأة على طلي بشرتها السمراء بكريمات التبييض؛ تكابد
أخرى لأجل الحصول على لون أسمر مغري بجنون السولاريوم والزيوت المسمِّرة، فصار
الجسم يصبغ تماما كما يصبغ الشعر. ولا يقتصر الأمر على النساء فقط بل طال أيضا
رجالا متباهين بعضلاتهم القوية، حتّى سنّت بلدان شروطا لاستخدام السولاريوم.
المخيب في الأمر أنّ العرب والمسلمين منهم خاصة
اتّخذوا في هذا الزمن الضائع من نجوم الغرب كتابهم الروحاني، وصاروا يقتدون بهم
بعد أن كانوا ينفرون من البشرة السمراء، ضاربين عرض الحائط ما شرّعه الله. بل صار
البعض يقتدي بزوج من النجوم يتمازج فيه الأسمر بالأشقر بعد أن كان يلاحق
بالانتقادات! فكم من قانون استنّه البشر خرقه المتمردون فحوّلهم إلى نجوم يشار
إليهم بالبنان، وحطّم أصنام الماضي وأحدث زوبعة على العادات والتقاليد وغيّر سلّم
التنقيط على درجات الجمال الشكلي بوقفة واحدة تختفي خلفها عمليات التجميل من
بيونسي وريهانة وكيم وشوبرا وآيشواريا وديبيكا وسونام ومايا وريم وغيرهنّ، في حين
قليلون هم أولئك الذين أطاعوا سنّة الله ورسوله فلم يغيّروا خلق الله ولم يفرّقوا
بين عربي وعجمي وأبيض وأسود إلّا بالتقوى!
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire