vendredi 27 mars 2020

أغنياء من التعفّف

بقلم: حياة بن بادة



يعكف البعض على اقتناء منتجات علامات تجارية عالمية مشهورة؛ حتى وإن كان شكلها لا يعكس ثمنها الباهظ ولا ينعكس على وجوههم أبدا، فيظهرون كمن لم يستطع توفير قوت يومه بينما هم أثرياء. ويقضي البعض الآخر عمرا كاملا في اقتناء منتجات محلية وأخرى مقلدة وأخرى صنعت في الصين؛ باعتبار سلع الصين الأرخص رغم أن هذا البلد يجاهد لأجل أن يتربع عرش العالم ويبذل قصار جهده ليكون في الطليعة، سوى أنه الأرخص إذا ما تعلّق الأمر بسوق العامة من الناس! أتذكر صديقة لي وصلها معطف هدية من فرنسا، ويوم تفقّدته وجدت في عنقه عبارة "صنع في الصين" أصيبت على إثرها المسكينة بإحباط مضحك، فلم تعد تخبر المعجبين به أنه هدية من فرنسا.
 أترون؟ حتى فرنسا تلبس من خزانة الصين! ومع ذلك يبدو جل الذين يقتنون النوع الثاني من المنتجات التي ذكرتها في غاية الأناقة، حتى يعتقد الملاحظ أنهم أنفقوا الملايين عليها. وفي الحقيقة، هناك الذي تمنى أن يكون من النوع الأول لكنّ جيبه لم يسعفه، وهناك الذي امتنع عن الإسراف ولم تغره المظاهر بقدر ما أغرته القناعة ورضي بالقليل فزيّنه الله به.
تعود بي الذاكرة لسنواتي الأولى بالجامعة وتحطّ بي عند طالبة لا أعرفها أوقفتني وأنا أغادر الجامعة؛ فسألتني أن أدفع لها ثمن وجبة غداء وهي تحدّق بنهم إلى لباسي رغم أنّها لم تصادفني في مطعم، بل عند باب القسم الذي أنتمي إليه. بدا طلبها غريبا خاصة وأنها طالبة في الجامعة نفسها، ولم تكن تبدو عليها علامات الفاقة ولا حتى الجوع، هذا قبل أن يتحوّل ذاك السؤال من الغرابة إلى الوقاحة بعد أن أردفت قائلة: "أنت ابنة الصحراء ويعرف عنكم الثراء" ليتها قالت لي: "أنت ابنة الصحراء ويعرف عنكم الكرم" لتكرّمت ببعض الدنانير أملا منّي في حفظ ماء وجه الصحراء وسمعتها هذه. لكنّني اعتذرت منها في كلمتين لا ثالث لهما وتجاوزتها إلى الباب، حتى قبل أن يمرّ صوت أخي عبر الذاكرة وهو يحذّرني من اللصوص والمخادعين الذين قد أبتلى بهم في رحلتي الجامعية.
وتكرّر الموقف معي كثيرا، فكلّما كنت في جماعة جامعية تبادر في أذهانهم أنّ وراء ذلك الشكل المدلّل أسرة ثراؤها فاحش، سوى أنّ وراء ذلك الشكل المدلل احترام ذات وأنفة من جهة وعقلية سلبية من جهة أخرى تمنعني من ارتداء لباس قد يرتدي شبيهه شخص غيري، لقد كنت ولا زلت أكره أن يشاركني أحد شكل اللباس لهذا عكفت على تصميم أزيائي بنفسي، وعرضها على خيّاطة ماهرة تحوّل بخيطها وخيالي من الصورة حقيقة. ووراء تلك العقلية كذلك كان يختفي ذكاء الإنفاق فلم أكن أصرف مالي على خدعة الماركات ولم أكن أضعه فيما لا يستحقّ ولم أك أطبخ خضاري كلّها في طبق واحد. وخلف كلّ هذا الذي قد تطلق عليه اسم التقشّف كان يوجد تعفّف، فحتى جيوبي جرّبت الفقر المدقع ومع ذلك كنت أداريه بالصمت والصبر والعزلة قبل أن أسأل أوليائي باستحياء المزيد من المال. لقد نشأت في أسرة ذات أنفة لا تقبل المهانة وتصبر على البلاء مهما كانت الظروف ولا تمدّ يدها لأقرب الأقربين. نشأت في أسرة ليس في قاموسها إسراف إلّا في النصح والعلم والصنعة والكرم والصبر والعطاء، فلقد كانت تعطي بسخاء وتنام بفضل الله في رخاء ومنها تعلّمت العفّة.
وأتذكّر كذلك كيف كانت بعض الصديقات تطرقن بابي بعد أن انتقلت من وضع الطالب إلى الأستاذ المعيد، ليقترضن منّي بعض الملايين يدبّرن بها أحوالهنّ، وكم كان يؤسفني أنّي مجرّد أستاذ معيد لا يتقاضى أجر تعبه، وإن حصل فقد كان يُمنح بضعة دنانير لا تسدّ حتى ربع الدين بعد مرور ما يقارب السنتين من تولّيه مهام التدريس الشاقة التي لم تكن تفرض على دكتور دائم، فلم أكن ألبّي حاجتهنّ حتى اعتقدن أنّي قد بلغت من البخل النصاب وحان وقت فسخ عقد صداقتي؛ خاصة وأنّني أخرج كل يوم بلباس، ولا أشكو من حاجة، ولم تكن البسمة تفارق محيّاي، ونشاطي كان أشبه بنشاط جزّار يفطر يوميا على كبد الأغنام، بيد أنّي هجرت بإرادتي فطور الصباح مذ كنت في الثامنة من عمري، ولم أكن أفتح فمي على لقمة حتى المساء، وفي تلك العادة التي لطالما وبّختني عليها أسرتي يكمن سرّ حيويتي، أما عن لباسي المتنوع فلقد كان مستمدا من ثلاث خزائن لثلاث أخوات.
ليت الفتاة التي نسبتني لثراء الصحراء الفاحش علمت أنّني في فترة من حياتي جرّبت الفقر والجوع والهمّ مع الغربة، وليتها تعلم كم هذا مؤلم بالنسبة لفتاة، لقد كنت أحرم نفسي من أشياء كثيرة كي أعيش، ليتها تعلم أنّني جرّبت إحساس الجوع لأول مرة في حياتي في الغربة، وجرّبت لأوّل مرّة شعور فقير يرى في رغيف الخبز مأدبة، لكنّني داريت كلّ هذا بالكتمان ولم يعلمه إلّا الله. لم أكن أسأل أهلي مالا كثيرا رغم توفره وإن سألتهم أضفته لقائمة الديون التي يجب عليّ تسديدها بعد إتمام دراساتي العليا، لقد كنت أستحي منهم كوني أكثر المعمّرين من إخوتي في الدراسة، لقد كنت حالمة جدّا وطموحة. ليتها علمت أنّ لباسي الأنيق كانت تقف وراءه عزة النفس، كيف لا وقد علّمتني الحياة أنّ الناس تظلم بالعيون، لم أكن أسمح لتلك العيون بظلمي لهذا كنت أبدو في قمّة أناقتي، لقد كانت ولا زالت قيمة المرء بأناقته. وكنت أحرص في مواسم اقتناء الألبسة الجديدة على اقتناء الأجمل بأخفض سعر لا بأفخم علامة تجارية، وتشهد معظم أعناق وأطراف أثوابي وساعات يدي الفخمة على ختم الصين فيها، ولم تكن جلّ أحذيتي إلّا من صنع محلي أو صيني. حتى أنا سامحني الله كنت أسهم في رفع اقتصاد الصين قبل أن يصبح الأمر سياسيا بيني وبينها، فصرت أتمنى لاقتصادها وعلاقاتنا بها الزوال! ليتها علمت أنّني مررت بحالات اكتئاب في غربتي بسبب النقود، وأنّني كنت أخجل من مدّ يدي لأسرتي فما بالي بغيرها. لقد كنت أؤمن بحكمتين جزائريتين، الأولى تقول: "فوت على عدوّك جيعان وما تفوتش عليه عريان" أي: مرّ على عدوّك جائعا وإياك أن تمرّ عليه عاريا" نظرا لأهمّية المظهر وما يترجمه عنك للناس، وصدق من قال "المظاهر خدّاعة" أما الحكمة الثانية فتقول: "قلّة الشي ترشّي وتنوّض من الجماعة" أي إنّ الحاجة تدمّرك وتجعلك وحيدا منعزلا.
ليت أولئك الذين حكموا عليّ من مظهري علموا أنّني في فترة من حياتي لم أقتن لباسا جديدا لمدة تجاوزت العامين، وأنّني كنت أقتني بمصاريف اللباس الكتب، وأنّني كنت ألبس ما يفيض عن خزانة أختي وما يضيق عن جسدها أكثر مما أرتديه من خزانتي.
 ليت أولئك الذين طرقوا نافذة جيبي ذات إفلاس علموا أنّني كنت أعبّئ رصيد هاتفي من مال مقترض لأهاتفهم بعد رنات قصيرة منهم ادّعوا أنها رنّت طويلا طويلا، ليتهم علموا أنني كنت أحضّر محاضرات طلابي من الديْن، وأدفع أجر النقل عني وعنهم من الديْن، وأن تلك الهدايا التي قدّمتها لهم في أعراسهم لم تكن إلّا من مال الدين، وأنّني كنت أستعين على لدغات المرض بالكتمان، وأنني كنت أترك الشفاء على الرحمان، وأستعين على انفرادي بمصابي بالدعاء، وأحيانا لم أكن أجد في جيبي ما يسدّ نفقات العلاج، ولم أكن لأخبر أهلي كي لا تقلق أمّي وبيننا مسافات طويلة عريضة.
 ليتهم علموا أنّني أعُدّ شهادة الليسانس الأولى الشهادة الوحيدة التي كان يجب على أهلي أن يسدّدوا نفقاتها كاملة، وأنّ كلّ الشهادات التي تبعتها ذقت فيها طعم المرارة كلّما أنفقوا فيها دينارا، وكل دينار كنت أعده دينا رغم أنّهم أنفقوا عليها بصدر رحب وجيب أرحب. وأنّني كذلك قضيت ليال بيضاء مع الترجمة لأغطّي شيئا من تكاليف دراساتي العليا. وأنّني تمنيت كثيرا لو جرّبت حياة البذخ التي حظين بها رغم أنّنا كلنا ننتمي لعائلات ميسورة، الفرق بيننا أنّني على عكسهنّ كنت أحاسب نفسي، وفي قضية المال كنت من أهلي أستحي؛ كوني وصلت إلى مرحلة تعليمية تحيل إلى العطاء بينما كنت لا أزال آخذ منهم. لقد كنت في عين نفسي أنانية، كنت أكره أن يشقى أحدهم لأجل أن أبلغ أنا طموحي. كنت أكره أن يعرق أحدهم ليوصلني إلى اليوم الذي أجلس فيه في مكتب دافئ أوقع الأوراق وأملي الأوامر. كنت أكره أن أعود للبيت من سفر طويل بحقائب من كتب تعنيني وحدي بدل هدايا تدخل البهجة للقلوب التي سهرت على نجاحي، ومع ذلك استمرّوا في دعمي لآخر المشوار.
 لم أكن طالبة بميزانية وزير النفط ولم أكن أستاذة في الجامعة براتب حتى أستاذ في الدعم المدرسي، ولم أكن عارضة أزياء، لقد كنت كما الناس أحزن من الحاجة وأتأفّف، لكنّني كنت أتعفّف. لم يسمح لي أنفي المحلّي يوما بسؤال الناس، وعلى عكس لباسي، ما اشتريت أنفي يوما من الصين وما بعت شرفي بالملايين، لهذا كنت على مدى العمر حرّة حتى بدا للكثيرين أنّي في السرّ مرتبطة ولم أكن مرتبطة إلّا بالله.
وأقول للذين قالوا لي يستحيل أن نصدّق أنّ فتاة مثلك لم تتخذّ خدنا في حياتها: أ لأنّني كنت أعتني بشكلي وأبدو من ثقتي بنفسي وإعراضي عن المغريات كمن اتّخذت أخدانا؟ أ لأنّني فهمت معنى العفة فلم أدنّسها في حضن رجل ولم ألطّخها يوما بسمّاعة هاتف؟ أ لأنّني رفضت عروضا أغرت الذباب؟ أ لأنّني أردّ عنّي الذئاب؟ أ لأنّني غادرت بيتنا لأحقّق في بعدي عنهم أهداف الطفولة لا أهدافا سياحية في أحضان ناقصي الرجولة؟ أ لأنّي اخترت لنفسي طريقا غير طريق الوحل وجدولا عذبا بدل مستنقع، وتمنّيت بدل الحرام والمكروه حلالا طيّبا؟ أ لأنّي كنت أستمدّ ثقتي من طهري؟ أ لأنّي آمنت أنّي امرأة ثمينة نفيسة؟ أ لأنّني لم أضعف أمام شهوتي ولم أخن نفسي وآمنت بها، أ لأنّني تعفّفت في زمن الغرباء وأشفقت عليكم من ضعفكم استحال عليكم أن تصدقّوا؟!
نعم، سافرت، ووسعت معارفي الاجتماعية، وُضعت في مواقف أدركت فيها أن التربية هي ما لقّنتني إيّاه أسرتي وأمّا الأخلاق فهو ما يجب أن ألقنّه أنا لنفسي، فكرهت أن أخون الله وقد هداني وأدركت أنني لا أنتمي لأهلي بل أنتمي إلى الله، ففي كل مكان كنت فيه لم أجد سواه وكلما اكتشفت نفسي تعرفت عليه أكثر، فوجدت نفسي بنفسي أعلّم نفسي ما لم تعلمه لي أسرتي واختبرت نفسي قبل أن تختبرني أسرتي، وحين أدركت أني لا أطيق إلّا أن أكون مع الله، تعفّفت.
ليتكم علمتم كيف يجعلنا التعفّف أغنياء. لم نكن في أشدّ الحاجة نسأل الناس، ولم نكن أمام أشدّ أنواع الإغراء نخضع، لم أكن جوعى لعاطفة الحرام ولم أكن عطشى لعذوبة كلام الشوارع، لقد كنت أعدّ أو أتوهّم البيت مخزنا للحبّ حتى في لحظات الصدام وفترات إسرافه في التحذير والنصح والخضوع المجتمعي وتمرّدي عليه، ولمّا كان مسرفا في طاعة الالتزام بمبادئ المجتمع المحافظ الذي لم يكن يعي أنّه يخشى العيب أكثر من الحرام، كنا كأطفال صغار نخشى الله أوّلا فأطعناه مباشرة دون أن نشرك به المجتمع المحافظ، لهذا صرنا في عينه متمردين بمجرد أن كبرنا وصححنا أو خرقنا بعض المفاهيم الخاطئة فيه. لقد كانوا يخوّفوننا بالله كي لا نتعدّى حدود العادات والتقاليد ولم ينطقوا حرفا عنها لكنهم قصدوها ضمنيا في الكثير من المواقف، بينما لم نعرف إلّا الذي خوّفونا منه وحبّبونا فيه، لم نعرف إلّا الله، فكنّا نستحي من عصيانه رغم أنّنا فعلنا ولا زلنا نغفل ونعود، لكننا في مسائل العفة التزمنا.
 لا أنكر أن المشاعر تدغدغ وأن الحب الصادق يصل القلب، لا أنكر أنّنا نبادل المشاعر الجميلة ونعيد في الذاكرة لقطة أنيقة، وجملة فخمة، ونبني في الخيال قصة وردية فنحن بشر، لكنّ حدّ الله أكبر، لقد كانت مساحة التفكير في الله بالنفس أوسع. كلنا جرّبنا الفقر والجوع والشهوة وقليلون منّا وصلوا لمعنى "أغنياء من التعفّف" فأدركوا العفّة. ليس بالضرورة أن يكون كلّ من لم يشتكِ ولم يمدّ يمناه للناس ثرّيا، فقد يكون محتاجا لكنه آثر العفة على السؤال، وقد يكون مكتفيا ومع ذلك بدا للعيون غنيّا، فالناس تحكم بالعيون وتجهل خبايا النفوس وتنسى أنّ للبيوت أسرارا لا يعلمها إلّا الله. إي نعم.. لم يكونوا أثرياء لقد كانوا فقط من التعفّف أغنياء!








Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire