بقلم حياة بن بادة
تحتاج صديقا، يقرأك دون أن يهمّش شيئا فيك، يفترس آلامك ويفضي بالحياة فيك،
لا يفوّت على نفسه شيئا منك، حتى وإن كان يداري نفسه عليك. تحتاج صديقا يعشق كلّ
شيء فيك، ويؤمن ألّا أحد يستحقّك عداه، صديقا يدفع عنك الأذيّة، صديقا واثقا أنّه
مجرّة تسبح فيه بحريّة، ويؤمن أنّك الإنسان المنزّل نعمة من السماء وعليه أن يكافح
لأجل أن تنزل فيه حين يكون على ثقة بأنّه الكوكب الذي يحوي الحياة والباقي لا حياة
فيهم.
تحتاج صديقا يقرّبك إلى الله أكثر، صديقا يمسك بيدك إلى الجنّة وتمسك بيده.
تحتاج صديقا تشبهه في كلّ شيء ولا تشبهه في أيّ شيء، وتختلف عنه في العديد من
الأشياء، صديقا لا يشبه جميع الأصدقاء، يحتلّ كل شيء فيك ويستعمرك، لتصبح مَعْلما
منه وتذكارا من صنعه، صديقا يخرج منك ليعود إليك، صديقا كالمارد يفاجئك بخروجه في
حياتك صدفة حين تعتزل العالم وتختلي إلى نفسك في مكان لا أمل فيه، فينبثق كلّ
الأمل منه.
تحتاج صديقا تقتسم معه شطيرة الجنون، يشاطرك الضجيج والسكون، يغضب معك ومنك
ويضحك ملأه معك، صديقا يبتسم بعمق لدى رؤيتك وأنت لا زلت تبدو كنقطة قادما من بعيد
على مسافة كيلومترات، صديقا يحضنك بعمق حتى لا يكاد يفرّق بين جسدك وجسده، صديقا
لا تغيب عن قلبه لحظة، تهبّ في نفسه في كلّ لحظة وتتموّج في روحه كزوبعة افتراضية
قدمت من روحك، صديقا يعترض طريقك بكلّ بسالة ويكون في عينيك رحّالة، صديقا لا يعلم
كيف جاء ولماذا جاء، صديقا كالشتاء، كلّ ما يشجّعه على الحلول فيك ثقته بأنّه
الأقوى وبالتالي الأجدر بك.
تحتاج صديقا يبحر على متن عينيك باحترافية، يقرأ جميع الخرائط المرسومة
فيهما، ويغوص فيهما بحبّ ويعلم كلّ الدروب التي تؤدّي إليك، بل يعلم أنّه درب من
تلك الدروب فلا يهملك يوما. تحتاج صديقا تقرأه أنت بدورك بمهارة وتكسب قلبه عن
جدارة. تحتاج صديقا لا يشبه الناس، تتغيّر جميع تنبّؤات الأرصاد الجوّية في حلوله،
يتحوّل الطقس المشمس معه إلى ماطر والممطر إلى مشمس ولا تغرب الشمس إلّا من آثار
قدميه المغادرة إلى بيته، ولا تشرق إلّا منهما وقد أوصدا الباب خلفهما وارتحلا به
إليك، صديقا تطلع الحياة من عينيه وتتجلّى جميع ضحكات الأطفال البريئة فيهما وقوّة
حكماء التاريخ داخلهما.
تحتاج صديقا كنفسك بل أجمل وأقوى وأنظف منها وأحبّ إليك منها، تحتاج صديقا
يعرفك، يفاجئك بدخوله إلى أرضك الكبيرة، فلا يكاد يسرق منها رقعة يبني فيها بيته
إلّا وقد صارت كلّها ملكه ومسكنه ومتنفّسه ومتنفسكما معا.
تحتاج صديقا يحتويك كمعطف شتوّي واجهوا لأجل اقتناء جلده الأمطار والأوحال
والجبال والثلوج والقبائل القديمة الهمجية التي لا تسمح للدخلاء باقتحام أرضها ولو
حملوا لهم السلام هديّة، فقد يكون ذاك الجلد مقدّسا يعبدونه كلّ مساء ويشعلون حوله
النيران ليتدفّأ وقد كان بإمكانهم أن يتدفّؤوا هم به جميعا، لكنّهم ظلّوا يقيمون
له القرابين والمواسم والأفراح والحرس، فيبتلون بصيادين لا يعرفون الرحمة، أشبه
بأولئك الذين حلّوا على الهنود الحمر ذات زمن من أوروبا فسلبوهم كلّ شيء لا لشيء
إلّا لكي يكسوك فتكسوه فتحتويه حين يحتويك.
تحتاج صديقا يشبه الأساطير، لا يملك شيئا عدا قلبه وإخلاصه لحبّه.
تحتاج صديقا لا يبقي على شيء من حولك عدا روحه تنفخ فيك الحياة وتعلنك
حياة.
تحتاج صديقا صادقا لا يكذب إلّا حين يقول حين يغضب من عنادك إنّه لن يعود
إليك وإنّه لن يضع رجله في ضواحيك، وإنّك شرّير لا تهتمّ إلّا بنفسك، وإنّه يعلم
أنّك لا تحبّه وإنّه أصلا لا يحبّك ولا تعني له شيئا يا كلّ شيء.
تحتاج صديقا تكون معه كعقارب الساعة يلاحقك في كل ركن، يمشي معك ويمشي
خلفك، يراقبك ويطمئّن عليك ولا يتوقف نبضكما المشترك إلّا بالموت. تحتاج صديقا
يتكوّن فيك كالبوح وينبعث فيك كالروح. تحتاج صديقا كالدورة الدموية الصغرى،
وكالدورة الدموية الكبرى، يطوف فيك دون استئذان ويقوم على عملية الحياة فيك، صديقا
كنافورة المياه كلّما أعطت، أعطت من قلبها وعادت لتعطي بفرح ولا تجفّ إلّا بالهجر
الطويل، صديقا كالأنهار الجارية على مدار السنة هنالك في أعالي الجبال.
تحتاج صديقا كالتاريخ لا يَنسى ولا يُنسى تكون أنت تاريخه الذي لم ينس ولن
ينسى.
تحتاج صديقا كوظائف أعضاء الجسم الداخلية تحرص على حياتك حتى حين لا تكون
على علم بها وحتى عندما لا تهتمّ بها. ما يهمّك أنّك على قيد الحياة وما يهمّه أنك
على قيد الحبّ فيه كونك تسقيه بالحياة بمجرّد أنّك في حياته وبمجرد أنه في حياتك.
تحتاج صديقا يمتصّك بمجرّد أن تقولا إلى اللقاء فلا يحدث أن تغادره حتى وإن
غادر جسدك إلى بيتك وصوتك ليرتاح في حجرة حنجرتك، صديقا يمتصّك وتمتّصه، تتنفسه
ويتنفسّك.
تحتاج صديقا كضغط الدم وكالسكّر يتكوّن فيك دون أن تدري حتى يفاجئك
بارتفاعه في قلبك وبخروجه في سجّلك الصحّي فتصاب به ويصبح الحبّ العضال الذي لن
تشفى منه.
تحتاج صديقا لا يموت فيك أبدا بل يموت منك حين تفارقه وتموت منه حين
يفارقك.
إيّاك والتفريط فيه إن دخل حياتك.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire